|
بناء على ما سبق فقد اجتمعت في الولايات المتحدة جميع الأسباب التي تجعلها في موقع التأله الذي يؤدي إلى استحقاق التدمير الإلهي والعقوبة الربانية، وهذا كله يقع ضمن ضوابط:
الأول: قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف: 34)، أي: متى ينزل العذاب وكيف ينزل، أمره إلى الله وحده وهو محدد في سابق علمه عز وجل.
الثاني: قال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإنَّهُمْ ظَالِـمُونَ} (آل عمران: 128). فإنزال العقوبة الإلهية على الولايات المتحدة هو بحسب مشيئة الله: إن شاء أنزله، وإن شاء أخره، وإن شاء أن يهديهم هداهم وتاب عليهم. فليس لأحد أن يتألى على الله تعالى بشيء أو أن يتقدم بين يديه بغيب؛ فلله الأمر من قبل ومن بعد.
الثالث: لو كان في علم الله تعالى أنه سينزل بهم عقابه، فلا بشر يعلم كيف سيكون: هل بكارثة سماوية أو أرضية تدهمهم، أو بتفكيك فيدراليتهم فيجعل بأسهم بينهم، أو بتدمير اقتصادهم فيضنك عيشهم، أو بأي شيء آخر فيلقون مصيرهم؛ فالله تعالى أعلم بخلقه وهو ربهم.
هذا عن سخط الله تعالى. لكن فيما يتعلق بمنهج إدارة العلاقة مع محاولات التأله حرص الشرع الحنيف على صوغ مفهوم الطاغوت كمفهوم تفكيكي يصور به حالة الطغيان وتجاوز الحد في فرض سيطرة البشر على بعضهم البعض.
الطاغوت لغة وفي القرآن:
الطاغوت في لسان العرب: ما عُبِدَ من دون الله عز وجل. وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ. وقيل: الطاغوتُ الأَصْنامُ، وقيل الشيطانُ، وقيل الكَهَنةُ، وقيل مَرَدةُ أَهل الكتاب. وقوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} (النساء: 51)، قال أَبو الحسن: قيل الجِبْتُ والطاغوتُ هاهنا حُيَيُّ بن أَخْطَبَ وكَعْبُ بن الأَشْرَف اليهوديّان؛ لأَنهم إِذا اتبعوا أَمَرهما فقد أَطاعُوهما من دون الله تعالى. وقوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} (النساء: 60) أَي إلى الكُهّانِ والشيطانِ وقد يكسَّر على طَواغِيتَ وطَواغٍ الأَخيرة عن اللحياني.
وفي القاموس المحيط: الطاغوت: الشَّيْطان.-: رأسُ الضَّلال.-: الطّاغية المعتدي؛ إنَّه حاكِمٌ طاغوتٌ.-: كلُّ من عُبِدَ من دونِ اللهِ من الجِنِّ والإنس والأصنام {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى} (البقرة: 257).-: السّاحر.-: بيت الصّنم ج طَواغِيتُ وطَواغٍ.
وفي محيط المحيط: طاغُوت: اللاتُ والعُزَّى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلالٍ والأصنام وكل ما عُبِد من دون الله ومردة أهل الكتاب للواحد والجمع. ومنه في سورة النساء {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} (النساء: 51)، وقيل المراد بالجبت حُيَيُّ بن أخطب وبالطاغوت كعب بن الأشرف وكلاهما من اليهود.
وفي الوسيط: الطاغوت: (الطّاغُوتُ): الطاغي المعتدي، أو كثيرُ الطغيان. و- كلُّ رأُس في الضلال يصرف عن طريق الخير. و- الشيطان. و- الكاهِن و- الساحرُ. و- كل ما عُبِدَ من دون الله، من الجن والإنس والأصنام. وفي التنزيل العزيز: {فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوتِ ويُؤْمِنْ باللهِ فَقَدِ استمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى}. و- بيتُ الصَّنَمِ، يستوي فيه الواحد وغيرُه والمذكر والمؤنث. (ج) طَوَاغِيت، وطَوَاغٍ.
وفي معجم الغني: طَاغُوتٌ - ج: طَوَاغِيتُ. [ط غ و]. 1."حَاكِمٌ طَاغُوتٌ": طَاغٍ، مُتَجَبِّرٌ، ظَالِمٌ. 2."اِحْتَرِسْ مِنَ الطَّاغُوتِ": مِنَ الشَّيْطَانِ. {اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النحل: 36).
وخلاصة التقصي اللغوي لدلالة المفهوم مخالفة لخلاصة محاولة توصيف الظاهرة محل الفحص. فإذا كان توصيف هذه الظاهرة يجدها تكاد تصل إلى حد التأله فإن مراد الله أن يمد عباده بمفهوم يفكك مفهوم التأله، وليزود البشرية بشحنة إيمانية تمكنهم من تجاوز حالة التأله التي تصب عليهم القهر صبًّا.
وخلاصة تعريف الطاغوت هنا أنه: كل من حاول أن يضع نفسه في مركز الألوهية. فالشيطان يريد تبوؤ هذه المكانة، وكذا الكهنة يحاولون هذه المكانة من خلال حكم البشر باسم أصنام لا أوامر لها ولا نواهي، والأصنام كذلك، والتحليل السابق يضم إلى هذه المجموعة من الطواغيت طاغوتًا جديدًا أمريكيًّا يرغب في أن يمتص دم العالم ويحكمه من منظور مصالحه الخاصة.
ومن خلال تتبع قول الله تعالى نجده يصب في إطار ضرورة رفض أي محاولة للتأله، وحلول محله في تنظيم مسيرة العلاقات بين البشر، فهو يقول: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} (النساء: 60). والله تعالى هنا يشير إلى أن مدلول الطاغوت ليس فقط العقيدة، بل إنه نظر إلى محاولة فرض منهج يتحاكم إليه البشر.
إن تحكيم المصالح الأمريكية الضيقة في مصائر العباد من أكبر الأضرار في حق الإنسانية. تلك الأضرار التي جاء الإسلام محررًا البشرية منها. ففي الوقت الذي تعاني فيه البشرية من التضخم (الغلاء) والجوع والفقر تحاول الولايات المتحدة تطبيق مصالحها الخاصة من خلال إما الحرب أو إخضاع الدول لوصفة صندوق النقد الدولي مهما أثبتت الدراسات أن هذه الوصفة لا تلائم خصوصيتها.
ويقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} (النساء: 51). وهنا إشارة إلى معنى الإيمان باعتباره هداية السبيل. والسبيل هنا هو منهج الحياة. فالآية التالية تقول: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} إن مناخ الحديث عن الطاغوت هنا يشير إلى منهج إدارة الحياة، وارتبط به التقتير على الناس في الأرزاق باعتباره من منهج اليهود، حيث ثمة ما يشبه الاتفاق على أن هذه الآية نزلت في اليهود.
وإمعانًا في تأسيس هذا المفهوم في إطار العلاقات الحياتية جعل الله تعالى من علامات غضبه أن يصير العباد إلى عبادة هذه الطواغيت، يقول تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (المائدة: 60). وليس أدل على هذا من المواقف المتخاذلة التي تقترفها بعض الحكومات العربية والإسلامية رضوخًا للأمر الإلهي الأمريكي. فالعبادة في أحد معانيها الطاعة في الأمر فيما يخالف منهج الله حيال تعامل البشر بين بعضهم البعض، وبخاصة المسلمين فيما بينهم؛ حيث تزداد حميمية العلاقة في ظل أواصر الإيمان الجامع بالله.
وقد جعل الله تعالى الحديث عن الإيمان بالطاغوت جانبًا من جوانب العقيدة. يقول تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} (البقرة: 256 - 257).
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (النحل: 36).
ويقول تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (النساء: 76).
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ} (الزمر: 17).
ومن خلال فحص الآيات السابقة نجد أن المواقف من مثل هذه الطواغيت تمثل فيما يلي:
أولاً: الكفر بالطاغوت. والكفر له درجات متفاوتة، أولها الكفر القلبي، وثانيها عدم الموالاة، وثالثها عدم التزام المنهج الذي يدعو إليه ذلك الطاغوت، خاصة إذا كان منهجًا يخالف في معتقده معتقد الإسلام، ويجافي في أساسه مصلحة أمة الإسلام ومصلحة البشرية جمعاء لصالح مصلحته الخاصة.
ثانيًا: الجهاد: يقول الله تعالى: {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا}. ولعل هذا الأمر مثل الإطار الذي فيه جاءت فتاوى علماء الأمة تؤكد على تعين فرض الجهاد (انظر فتوى: واجب المسلمين لنصرة شعب العراق ، لمجموعة من المفتين الكبار في الأمة).
ولو لم يكن ممكنًا لجماعة من الجماعات أن تقاوم العدوان عليها بعدوان مثله فإن باب الجهاد المدني مفتوح لم ينغلق، وآفاقه متسعة لا تنحصر، وإمكانياته تتزايد لا تتقلص (راجع هنا مفهوم الجهاد المدني).
هل كل الغرب طواغيت؟
من خلال قراءتنا لما سبق بيانه من آيات كريمة، قد يثور تساؤل: هل كل الغرب طواغيت؟ هل كل الأمريكان أعضاء في نادي الطاغوت العالمي؟ وهل نضع الغرب كله والأمريكان كلهم في سلة واحدة في إطار هذا المفهوم؟
الاجتهاد في هذه المساحة ضعيف. لكن حسبنا هنا أن نقول كلمة لعلها تصبح محل نقاش بين علماء الأمة ومفكريها فيما بعد.. الطاغوت من خلال إدراكنا لهذه الآيات القرآنية، بالإضافة للدلالة اللغوية للمفهوم لا يمكن أن تعتبر التكوينات الاجتماعية والسياسية كتلاً مصمتة نتهمها هملا -جملة وتفصيلاً- بمثل هذا الوصف. إن الآيات القرآنية، فصلت في توضيح الصورة في بيان أن الطاغوت كل من يحاول فرض منهجه غير الصالح على الآخرين. ويستوي في ذلك من وجهة نظرنا محاولة الفرض عبر استخدام وسائل القوة الصلبة (المدفع) أو اللينة (وسائل الإعلام والمعونات).
إن اشتعال المعارضة للعدوان على العراق والسعي لاحتلال أراضيه في داخل الغرب، وفي داخل أمريكا نفسها، وفي مؤسسات دينية مسيحية كنسية لهو أمر يفتح الباب أمامنا لمراجعة عمليات التعميم المفرط في مواجهة الآخر الحضاري. فلا يزال هناك من ينشد علو القيم الإنسانية (شارك بالحوار حول: هل الأمريكان والغرب كلهم طواغيت؟؟!!).
نسأل الله تعالى أن يهدي أمم الأرض كلها إلى اتباع سبيل الرشاد الذي جاء به خير العباد، ليتحقق لهم السداد، والفوز بالكرامة في الدنيا والنجاة يوم المعاد. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تابع محاور الرؤية:
رئيس وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أون لاين
|