English

 

الاثنين. أبريل. 5, 2004

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

التأله الأمريكي في العالم

التأله الأمريكي: إطلالة على أوضاع الممارسة الأمريكية

وسام فؤاد

Image

كان مفكرو الإسلام على صواب عندما حذروا من مغبة تجاهل حاكمية الله تعالى، وإحلال أي من رموز الاستكبار البشري محلها في مركز عملية صوغ العلاقات الإنسانية.

ففي هذا العصر، احتلت الحكومة الأمريكية مكان الصدارة في الطغيان والاستكبار المطلق لحد التأله، ولائحتها طويلة في هذا المجال منذ أن قررت الخروج من عزلتها والتدخل في شؤون الآخرين. ويكفي فيها شهادات أبنائها الباحثين المنصفين المتجردين، وما أكثرهم، خاصة أن الشعب الأمريكي مختلف تمام الاختلاف عن الحكومة الفيدرالية بسذاجته وانشغالاته الدائمة بالعمل المتواصل.

شارك:

في هذه الأيام تحشد الولايات المتحدة حشودها وتدق طبولها الضخمة لفصل آخر من العدوان على الشعب العراقي بعد أن شرعت في بغيها عليه منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة. واستمرت في القصف والحصار والتجويع والترويع. ضربات الطبول القوية تريد بها الولايات المتحدة بث الرعب والهيبة في نفوس الدول الحليفة وغير الحليفة. فهي تضغط على دول الحلف الأطلسي، وعلى دول الخليج وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، وتبتز السودان، وتخوف إيران. في حين ترضي الكيان الصهيوني ولوبيهاته المتحكمة في القرار الأمريكي.

وللولايات المتحدة تاريخ حافل بالعدوان والابتزاز ضد دول وشعوب من كل جهات الدنيا؛ فلسطين ونيكاراغوا والصين وفيتنام وبنما ويوغوسلافيا والسودان والأفغان وإيران وليبيا وكوريا الشمالية وسوريا... واللائحة تطول.

والطغيان الأمريكي الذي تجاوز المدى أيقظ لدى عدد من المفكرين والسياسيين الأوروبيين والأمريكيين أنفسهم انتفاضة يعلو صوتها يومًا بعد يوم.

فهناك انتفاضة تدعو الحكومة الأمريكية إلى الكف عن عدوانها والتحاكم إلى قوانين دولية وقعتها بيديها، وإلى التواضع والاتعاظ من حركة التاريخ العادلة، في وقت تدعو الأبواق الإعلامية المؤيدة للعدوان وتحرض الأقلام المرتزقة المسعورة على الحرب والعدوان.

ولذلك، وانسجامًا مع القصص القرآني الحق ومع السنن الإلهية اللازمة، فإن الولايات المتحدة مدعوة في كل لحظة وحين إلى التراجع عن مظالمها الكثيرة وتحسين صورتها السيئة بإقامة العدل والقسط. فإن لم تفعل انهارت كما فعل بالفراعنة السابقين من قبل. فقد كانوا أكثر قوة وجمعًا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وكانت نهايتهم سوءًا ودمارًا. وكذلك ستكون عاقبة الظالمين.

والمتأمل في حال الولايات المتحدة الأمريكية والعارف بنواميس الكون الإلهية يكاد لا يشـك في أنها قد تتعرض إلى عقاب إلهي مدمر، شديد الوطأة، عظيم التأثير، واسع الانتشار، يتناول الناس والحيوان والجمادات، ربما تنهار بسببه الأبنية والمنشآت، أو تتشرذم وحدتها إلى كيانات، والله تعالى أعلم بما هو آت!!

وما ذكرته أعلاه لا يدخل في باب الكهانة ولا التنبؤات، بل هو ما تقتضيه السنن الربانية وما نزل في ذلك من الآيات، في إيقاع العقوبة الإلهية بمن تحققت فيه الصفات: من تكبر وتجبر وافتئات. ولعلنا نبين حال هذه الدولة الآن قبل أن ينزل عليها وابل العذاب من الرب الشديد العقاب.

مظاهر التأله الأمريكي

تتعدد الأسباب التي تؤدي إلى غضب الله على الأمم؛ وهو ما يعرضها للتدمير الإلهي؛ ومن أهم هذه الأسباب التي نرى أنها متوافرة في الولايات المتحدة الأمريكية:

  1. التجبر والاستعلاء:

    لقـد ادعت أمريكا لنفسها من القــدرات ما لا يليق إطلاقه إلا على الله تعالى؛ فهي تمارس عـلاقاتها مع كافة دول العالم على طريقة فرعون عندما قـال: {يَا أَيُّهَا الْـمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38)، وعندما قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} (النازعات: 24)، وعندما قال: {مَا أُرِيكُمْ إلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} (غافر: 29).

    ذلك أن خطابها مع كافة حكومات وشعوب المعمورة كان منطلقًا من جوف هذا الشعور المملوء بالغطرسة والتجبر، وكأنها تقول إنها تعز من تشاء وتذل من تشاء، كما وقع ذلك حين خاطب الرئيس الأمريكي بوش رئيس باكستان مشرف بقوله: أمامك خياران: إما أن تدخل في حلف الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب، وإما أن نعيد باكستان إلى العصر الحجري!! وفي خطابه الذي ألقاه يوم 26 فبراير 2003 في معهد أمريكان إنتربرايز نجده يقول: ".. سوف نُعلم الأنظمة الخارجة على القانون أن حدود السلوك المتمدن سوف يتم احترامها في هذا القرن الجديد".

    وحالها أيضًا كحال النمرود عندما قـال لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} (البقرة: 258)، كيف؟ قال: آتي بإنسان حي فأقتله، وآتي بإنسان محكوم عليه بالقتل فأعفو عنه.

    وهكذا تفعل الولايات المتحدة؛ فمن تريد قتله سلطت عليه آلتها الحربية الجبارة من أمثال الطائرات B 25 أو صواريخ توماهوك (كروز) فأبادته وأحالت أرضه يبابًا، ومن أرادت إبقاءه حيًا عفت عنه. هكذا هو منطوقها ومفهومها. أي كما يفعل الإله. فسبحان الله تعالى عما يدعيه المتألهون علوًا كبيرًا.

    فبسبب ممارستها ما لا يحق لأحد أن يقوم به إلا الإله الحق فهي تستحق أن يحيق بها العذاب الإلهي، كما حاق بفرعون عندما ادعى الألوهية. قال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ} (الذاريات: 40). وقال تعالى: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} (الأعراف: 137).

  2. الظلم المجحف:

    لا يختلف اثنان على الحجم الهائل للظلم الذي أوقعته أمريكا على الدول والشعوب والأفراد؛ فهي إضافة للظلم الذي تمارسه من خلال تدخلاتها وضغوطها السياسية، فإنها تضيف إلى ذلك استعمال قواها العسكرية.

    إن ذكر مسلسل الظلم الأمريكي للبشرية يمتد عبر قرون وذلك منذ إنشائها. فقد مارس المهاجرون الأوائل إليها جميع ألوان التنكيل والقتل والتشريد بالسكان الأصليين لتلك البلاد ممن أطلق عليهم الهنود الحمر.

    إن نشأة أمريكا قامت على إبادة الهنود (السكان الأصليين) الذين تقلص عددهم من 10 ملايين إنسان إلى 200 ألف إنسان. 

    وإذا ما قررنا الاستشهاد بخبرات التاريخ المعاصر فسنجد ناعوم تشومسكي المفكر الأمريكي يذكر أنه في إحدى ليالي الحرب الاستعمارية الثانية دمّرت 334 طائرة أمريكية ما مساحته 16 ميلاً مربعًا من طوكيو بإسقاط القنابل الحارقة، وقتلت 100 ألف شخص، وشردت مليون نسمة. ولاحظ الجنرال كيرتس لوماي أن الحرارة كانت شديدة جدًّا حتى إن الماء قد وصل في القنوات إلى درجة الغليان، وذابت بعض الهياكل المعدنية، وتفجر الناس في ألسنة من اللهب. وقد تعرض أثناء الحرب ما يقرب من 64 مدينة يابانية، فضلاً عن هيروشيما وناجازاكي الشهيرتين، إلى مثل هذا النوع من الهجوم. ويشير أحد التقديرات إلى مقتل زهاء 400 ألف شخص بهذه الطريقة. وكان هذا تمهيدًا لعمليات الإبادة التي ارتكبتها الولايات المتحدة ضد أقطار أخرى لم تهدد واشنطن.

    وقد ذبحت الولايات المتحدة بين عامي 1952 و1973 -في تقدير غير مغالٍ- زهاء 10 ملايين صيني وكوري وفيتنامي ولاوسي وكمبودي. ويشير أحد التقديرات إلى مقتل مليوني كوري شمالي في الحرب الكورية، وكثير منهم قُتلوا في الحرائق العاصفة في بيونج يانج ومدن رئيسية أخرى، ويذكرنا هذا بالهجمات الحارقة على طوكيو.

    وذكر الراهب البوذي الفيتنامي "ثيتش ثين هاو" أنه بحلول منتصف عام 1963م تسببت الحرب التي شنتها أمريكا على فيتنام في مقتل 160 ألف شخص، وتعذيب وتشويه 700 ألف شخص، واغتصاب 31 ألف امرأة، ونزعت أحشاء 3000 شخص وهم أحياء، وأحرق 4000 حتى الموت، وتدمير ألف معبد، كما هوجمت 46 قرية بالمواد الكيماوية السامة.. وأدى القصف الأمريكي لهانوي وهايفونغ في فترة أعياد الميلاد في العام 1972م إلى إصابة أكثر من 30 ألف طفل بالصمم الدائم.

    وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد اعترفت سنة 2000 بأن قوات الناتو أطلقت 31 ألف قذيفة تحتوي على اليورانيوم المنضب أثناء حملة حلف الأطلسي على يوغسلافيا، في حين أفاد مسؤول حلف الناتو أن 10 آلاف قذيفة من هذا النوع استُعملت في حرب البوسنة عامي 1994 و1995.

    وتدمير العراق في حرب الخليج الثانية لا يزال قريب العهد؛ فقد أكدت التقارير أن الطائرات الأمريكية ألقت زهاء مليون قذيفة يورانيوم منضب جو أرض، كما استخدمت 15 ألف قذيفة دروع؛ وهو ما أحدث خللاً واضحًا في الأمن البيئي في الكويت قبل العراق، فلوث مساحات واسعة من الأرض بمواد مشعة كاليورانيوم المنضب، واستخدام سموم فطرية ذات تركيز عال مُسَرطنة، فضلاً عن تلويث الهواء والتربة، وإهلاك الكثير من الأحياء، وظهور أمراض كثيرة، وازدياد معدلات الوَفَيَات في الأطفال دون الخامسة عدة أضعاف بالنسبة للعراق. بل إنها لم تتورع عن إبقاء الحصار المفروض على العراق لما يزيد عن 10 أعوام، والذي لا تزال آثاره المدمرة بادية على الشعب العراقي المنهك البائس.

    وكشفت مجلة النيوزويك مؤخرًا (27-8-2002) جرائم الحرب في أفغانستان، وكيف أن أكثر من 3000 أسير في طالبان ممن استسلموا لقوات التحالف الشمالي كانوا قد حُشروا وهم مرضى يتضورون جوعًا في مرفق يتسع لـ 800 شخص فقط، وكيف أن المئات منهم ماتوا خنقًا في حاويات معدنية (مختومة) أثناء نقلهم إلى المعتقلات!

    وها هي مستمرة في ممارسة هذا المسلسل الإجرامي الدامي إما بشكل مباشر كما في أفغانستان وفي دعمها لإسرائيل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، أو بشكل غير مباشر كما تفعله في دعمها للعدوان الروسي الغاشم على بلاد الشيشان، وكما تفعله في استخدامها للأمم المتحدة لتمرير مخططاتها الإجرامية بحق الدول والشعوب، كالذي حصل لتيمور الشرقية. ولأنها استمرأت الظلم فأصبح جـزءاً لا يتجزأ من ممارساتها المتعجرفة فإنها شرعت باستخدام قوتها ونفوذها للتأثير في أسعار البترول وفي تجميد أو مصادرة أموال دول وشركات ومؤسسات وأفراد، وفي اصطناع حروب بين الدول لإنعاش حركة الصناعة الحربية في معاملها.

    قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود: 117).

    وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِـمُونَ} (القصص: 59).

    وقال تعالى: "إنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِـمِينَ" (العنكبوت: 31).

    وقال تعالى: {فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِـمِينَ} (إبراهيم: 13).

    وقال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَـمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِـمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} (الكهف: 59).

  3. البطر والجحود:

    وهو كفر النعمة. وكفرها يكون إما بجحد المنعم بها وإما بعدم شكره أو باستخدامها في غير ما خلقت لأجله، وكتصنيع السلاح لإخضاع الأمم ظلمًا وعدوانًا، وكتوجيه الأبحاث العلمية فيما فيه ضرر على الإنسانية كالاستنساخ البشري، وما أشبه ذلك.

    ومن أجلى أنواع البطر التباهي بالقوة والجبروت واستخدام ذلك للتعدي على الغير. وهو ما تفعله أمريكا، وتشجع وتؤيــد حلفاءها على فعله واقـترافه. ويذكر في هذا الإطار أن ميزانية الولايات المتحدة لعام 2004 بلغت 2.23 تريليون دولار، 36.2 مليار دولار لوزارة الأمن الداخلي، ومنها  379.9 مليار دولار موجهة للإنفاق الدفاعي مقارنة بمخصصات قدرها من  364.6 مليارًا في السنة الجارية لنفس الغرض الدفاعي، الذي شاهدنا عينات منه في أفغانستان والعراق وغيرها. قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (الأنفال: 47)، فهذه أمريكا قد جالت في البحار والأجواء والبراري بحاملات طائراتها ومدمراتها وبطائراتها وصـورايخها، وبدباباتها ومدرعاتها متباهية بذلك أمام شعوب العالم ومرهبة لهم ليسمعوا لها ويطيعوا.

    ولذلك نقول: إن هذا الصولجان الحربي الذي رفعته الولايات المتحدة في وجه أمم الأرض، وقد أعدوه للبطش بالدول والشعوب، تمامًا كما وصف الله تعالى حال عاد عندما قال لهم نبيهم هود عليه السلام: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} (الشعراء: 128 – 130).

    فهلاَّ اعتبرت الولايات المتحدة بعبر التاريخ، ونظرت في حال الأمم السالفة التي مارست البطش ضد عموم البشر فكان ذلك سبباً لإهلاكهم! قال تعالى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} (الزخرف: 8)، وقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِـمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق: 36 – 37)، وقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّـــنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} (مريم: 98)، وقال تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ} (ص: 3)؛ قال ابن عباس: "ليس بحين نداء ولا نزاع ولا فرار"، أي: نادوا النداء حين لا ينفعهم.

  4. الاستكبار والغرور:

    لسنا بحاجة إلى سَوْق النقولات الكثيرة التي صرح بها المسؤولون الأمريكيون المتعاقبون والتي تدل على شدة صلفهم وعتو استكبارهم وعظم غرورهم. إن الحرب العالمية الثالثة التي أعلنتها أمريكا ضد ما سمته الإرهاب ما هو إلا تعبير عن هذه الغطرسة والتكبر والتجبر.

    ومن قبيل هذا السلوك المستكبر نجد بوش الابن يقول في خطاب 26-2-2003: "إن زوال نظام صدام حسين سوف يَحرم شبكات الإرهاب من راعٍ ثري يدفع الأموال لتدريب الإرهابيين، ويقدم المكافآت لعائلات حاملي القنابل الانتحاريين. وستتلقى الأنظمة الأخرى تحذيرًا واضحًا بأن دعم الإرهاب لن يكون مقبولاً".. وهو ما يعني أن القضية عند بوش هي مساندة العراق للفلسطينيين في مقاومتهم المشروعة للاحتلال الصهيوني وهذا هو الإرهاب من وجهة نظره، فهو يريد أنظمة عربية تسعى لوقف الانتفاضة، بل والتصدي للمقاومة الفلسطينية فيقول: "وسوف يكون من المتوقع من الدول العربية أن تفي بمسؤولياتها في مقاومة الإرهاب، ومساندة قيام فلسطين مسالمة وديمقراطية، وأن تعلن بوضوح أنها ستعيش بسلام مع إسرائيل".

    إن الحكومة الأمريكية في عجرفتها وفي استكبارها على الحق وعلى أمم الأرض سارت على نفس منوال الأقوام الذين تصدوا لأنبيائهم ورسلهم، والذين جاء وصفهم في القرآن في آيات كثيرة منها:

    قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ} (الأعراف: 76).

    وقال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} (المؤمنون: 45 – 46).

    وقال تعالى: {قَالَ الْـمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِيـنَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَ لَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} (الأعراف: 88).

  5. الاعتداء والإجرام:

    لقد بات العدوان والاعتداء على الغير سمة من سمات الولايات المتحدة الأمريكية، وقـد ذكرنا عددًا من اعتداءاتهم على الشعوب الإسلامية وغيرها، والله تعالى يقول: {وَلا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْـمُعْتَدِينَ} (المائدة: 87). وفي تعاليم دينهم أن من لطمك على خدك الأيسر فأدر له الأيمن!

    فضربوا بذلك عرض الحائط؛ فهم لهذا مستحقون لعذاب الله تعالى، قال تعالى: {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِـمُونَ} (البقرة: 229). ولفظها عام وإن كانت على حكم مخصوص، وقد بينا العقوبة الإلهية للظالمين.

    والولايات المتحدة هي بيت الجريمة في العالم، وذلك على المستويين الداخلي والخارجي. فنسبة وقوع الجرائم في داخلها هي أعلى نسبة بين جميع شعوب الأرض. وكذلك نسبة ممارستها الجريمة بحق كافة البلدان وسكانها هي أيضًا أعلى نسبة في المعمورة. وتستجمع أمريكا لنفسها الحظ الأوفى من تنوع الجرائم، سواء على مستوى الأفراد أو الدول. غير أن أبرز ما فيها هو سعة مساحة ممارسة الإجرام الوحشي على مستوى شعوب الدول الأخرى.

    فهي لا تتورع لحظة، في سبيل تحقيق مصالحها الذاتية، عن استعمال جميع أنواع أسلحة الفتك والقتل الجماعي، بما في ذلك السلاح الذري أو القنابل الحارقة أو القذائف والصواريخ الماحقة أو الغازات السامة أو غير ذلك مما هو متخم في ترسانتها من مختلف الأنواع التي تــؤدي إلى المجازر العامة. كما أنها أيضًا لا تتوانى في استعمال الحصار الاقتصادي ضد أي دولة لا تستجيب لرغباتها أو تتردد في تنفيذ طلباتها، بقصد تجويع شعب تلك الدولة وإنهاكه اقتصاديًا؛ وهو ما يقود إلى إضعافه وإلى تقليص إمكاناته وانتشار الأمراض والأوبئة بين أفراده.

    ويدخل في مفهوم الحصار الاقتصادي لديها مصادرة أموال تلك الدولة أو تجميدها. وقد أصبح هذا اللون من الإجرام خلقًا راسخًا لدى قيادة الولايات المتحدة؛ إذ مارسته ضد العراق وإيران وأفغانستان وليبيا وغيرها من الدول الإسلامية.

    ولسنا بصدد تعداد أنواع الجرائم التي اقترفتها تلك الدولة المعتدية، فضلاً عن الجرائـم التي لا تزال تبوء بها أو تلك التي في غياهـب جعـبتها. ولكن {وَلا يَحِيقُ الْـمَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ} (فاطر: 43).

    قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام: 123). ورغم أن المجرم ينبغي له أن يتوقع نزول العقاب به في أي لحظة، إلا أن هذه الدولة الأمريكية غطت عينيها وأشاحت بوجهها عن كل ذلك، متجاهلة قول الله تعالى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} (الأنعام: 124)، وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْـمُجْرِمُونَ} (يونس: 50)، وقوله تعالى: {وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْـمُجْرِمِينَ} (يوسف: 110)، وقوله تعالى: {إنَّا مِنَ الْـمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (السجدة: 22).

    كما أن الولايات المتحدة لم تلتفت إلى التاريخ لتسـتقي منه العبر وتأخذ منه المواعـظ؛ فكم من الـدول العظيمة قد دمرها الله تعالى بسبب إجرامها الفاحش. قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُجْرِمِينَ} (النمل: 69). وقال تعالى مبينًا عاقبة جريمة قوم لوط: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُجْرِمِينَ} (الأعراف: 84). وقال تعالى مبينًا ألوان العذاب التي أنزلها على قوم فرعون بسبب إجرامهم: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْـجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ} (الأعراف: 133). وذكر الله تعالى عذابه الذي أنزله على عاد قوم هود بسبب إجرامهم: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْـمُجْرِمِينَ} (الأحقاف: 42 – 25).

    فلو أن الولايات المتحدة، حكومة وشعبًا أصغت أذنها للحق لعلمت أنها ركبت رأسها واستمرأت الجريمة والإجرام، فحاقت بها دعوات المظلومين المضطهدين الذين عانوا من إجرامها وظلمها، كما دعا موسى عليه السلام على فرعون وقومه فيما حكى الله تعالى عنه إذ قال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} (الدخان: 22). فماذا كانت النتيجة؟. قال تعالى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إنَّكُم مُّتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ   وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ" (الدخان: 23 – 29).

    فهي سنة جارية أن الله تعالى يهلك المجرمين، كما قال عز وجل: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ} (الدخان: 37)، ولما كانت الولايات المتحدة قد وقعت فيما وقعت فيه الأمم التي قبلها من الجريمة والإجرام كان لا بد أن تدفع ضريبة ذلك؛ إذ لا استثناء قد حازته من رب العالمين لتكون خارج مسار السنن الإلهية في إهلاكه للمجرمين.

  6. الفساد والإفساد:

    كأي متكبر، لا يمكن أن تعترف الولايات المتحدة بالفساد أو الإفساد، قال تعالى: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} (البقرة: 11)، وهذا مخالف للحقيقة {أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْـمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} (البقرة: 12).

    لم تكتف الولايات المتحدة بالفساد في داخل أراضيها، بل مدت ذلك إلى كل أنحاء العالم، إفسادًا في السياسة وفي الاقتصاد وفي الثقافة والفكر وفي الأخلاق والسلوك وفي الاجتماع وفي الإعلام، وفي كل مرفق من مرافق الحياة.

     لقد أضحت أمريكا الرافد الرئيسي لكل من يريد أن يحقق مآربه الشيطانية عن طريق الفساد والإفساد، ولم تتورع عن استخدام آلتها الحربية الهائلة لتضغط على شعوب الأرض ليقبلوا فسادها ويبشوا لإفسادها!! فتراها تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، وصار حالهم كحال عاد {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} (الفجر: 11 – 12) وانطبق عليهم قوله تعالى: {وَإذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْـحَرْثَ وَالنَّسْلَ} (البقرة: 205)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (الرعد: 25). فهؤلاء {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} (الشعراء: 152)، والذين دومًا يقال لهم {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إصْلاحِهَا} (الأعراف: 85)،  والذين أبوا أن ينخرطوا في القوم الـذين قال الله تعالى عنهم: {فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ} (هود: 116)، هؤلاء ماذا ينتظرون من الله تعالى؟ هل ينتظرون أن يكون مآلهم كالمؤمنين؟! حاشا وكلا!!

    قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ كَالْـمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْـمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} (ص: 28). إذاً ماذا ينتظرون؟ نحن نقول لهم: لا تنتظروا إلا سنة الله تعالى الجارية في أخذ المفسدين وإهلاكهم. قال تعالى: {إنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْـمُفْسِدِينَ} (يونس: 81). وقال تعالى: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْـمُفْسِدِينَ} (الأعراف: 103).

  7. محاولة فرض نموذجها الاقتصادي المجحف:

    تحاول الولايات المتحدة إكراه العالم على تقليد نموذجها الاقتصادي. فهي تستغل حاجة الدول الفقيرة التي تشهد عجزًا دائمًا في موازين مدفوعاتها في إكراهها على تقبل تطبيق نموذجها الاقتصادي عبر الضغط عليها بواسطة القروض التي تحتاج إليها لإطعام شعوبها؛ حيث إن الدولار هو عملة تبادل أي دولة مع العالم الخارجي.

    وتستغل الولايات المتحدة، والقوى الاستثمارية بها هذه الحالة لشراء الأصول المنتجة بالدول الفقيرة عبر آلية الخصخصة، ثم تقديم المعونات إليها لإنقاذ شركات أمريكا من الكساد عبر توجيهها لتشغيل الأولى أموال هذه الشركات عبر الحدود بعد تشبع السوق الأمريكي.

    كما تحرص على استثمار رخص الأيدي العاملة بهذه البلاد في فتح فروع للشركات متعدية الجنسية بها، مطمئنة في الوقت نفسه إلى أن ما تطرحه من استثمارات في هذا المجال يعود إلى ميزان مدفوعاتها مرة ثانية عبر حصص الاستيراد التي تزيد من جانب هذه الدول حيال الولايات المتحدة.

    كما تعمل على منح هذه الدول حقوق إنتاج براءات الاختراع الأمريكية مع تحصيل عائد مالي كبير يصل إلى 50% من الأرباح في بعض الأحيان، يتم تحويله إلى الولايات المتحدة.

    ومن خلال سلسلة خدمات الفرينشايز تعمل الولايات المتحدة على تشجيع الأنشطة الاستهلاكية كالمطاعم والملاهي والخدمات المالية والمعلوماتية، لتقوم بتحويل فائض الربح إلى ميزان مدفوعاتها كالمعتاد؛ وهو ما يسهم في دفع عجلة الرخاء بالولايات المتحدة.

    ويرى الدكتور إسماعيل صبري عبد الله أن تحويل فائض القيمة يستمر طيلة فترة الاستغلال، ومتى أصبحت الدولة على نحو من الفقر لا يمكن معها استغلاله، يتم التحول في هذه اللحظة من سياسة الاستغلال إلى سياسة الاستغناء، فتسقط هذه الدولة من الحسابات الأمريكية؛ فتتركها نهبًا للصراعات الداخلية تمزقها. ولا تقوم الولايات المتحدة بالتدخل في هذه الدولة إلا لو كان ثمة مصلحة تعود عليها من هذا التدخل.

تابع محاور الرؤية:


رئيس وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أون لاين  

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم