|
أوجدت النكبة العراقية مرارة عميقة في الأمة الإسلامية والعربية، لما تخلف عنها من ضياع العراق ورضوخه تحت نير احتلال شرس، يقوده مصاصو النفط لابتزاز ثرواته في ظل فوضى عارمة مدمرة تهدد الشخصية العراقية بشروخ يصعب ترميمها، وتنذر بصعود فئة من "المرتزقة الجدد" الذين يبحثون عن حياة في ظل المستعمر.
أبراج بلا نوافذ
وقد طرحت النكبة العراقية إشكالية الموقف من الديكتاتور والموقف من المستعمر، أو إشكالية التعارض بين قضية الحرية وقضية الاستقلال الوطني، والأبعاد الكامنة وراء اصطفاف الأمة تحت رايات الجهاد إذا تعلق الأمر بالاستقلال في مواجهة الآخر المختلف عقائديًا وحضاريًا، في حين تتفكك وتتلاشى هذه الجموع الغفيرة من عشاق الجهاد والشهادة إذا تعلق الأمر بالحرية والمطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامته التي يغتصبها الحاكم الديكتاتور، وإضفاء قيم أخلاقية وإيمانية بمفهومها الشعبي الذي يختلف عن حقيقتها كقيم سماوية من حيث تبرير السكون والرضوخ والخضوع للحاكم المستبد الظالم. فيحل الصبر مكان الذل والخضوع صوريًا، وتحل قوة التحمل والحلم مكان معاناة القهر والظلم خلطًا للحق بالباطل، ويصبح التمرد على المستبد مفارقة للجماعة وميتة جاهلية تستوجب العقاب في الدنيا والحرمان من رحمة الرحمن في الآخرة.
ولعل هذا ما اقترب منه الدكتور "محمد جابر الأنصاري" بطريقة مختلفة في مقال له؛ نُشر بمجلة "الاجتهاد" تحت عنوان "الإصلاح الشامل أو المجازفة بالمصير"، وطرح فيه أنه عندما يزداد العرب انشغالاً وحماسة وانفعالاً بالقضية الكبرى قضية فلسطين، فإنهم يصبحون أشد غفلة عن سوء أوضاعهم الداخلية وعن ضرورة إصلاحها.
وقبل البدء، من الضروري التأكيد على أن الإسلام في حقيقته عقيدة تحررية؛ لأن التوحيد في جوهره هو الحرية من الخضوع إلا لله. ولذلك رفض الإسلام الاستبداد في شتى صوره الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعاب القرآن الكريم على الراضين بالظلم المستسلمين له الذين لا يفرون بحثًا عن الحرية والكرامة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (النساء: 97).
فالاستبداد والديكتاتورية والقابلية للاستعمار تخضع في الأساس لعوامل اجتماعية متشابكة تخلق اتجاهًا ثقافيًا متميزًا لشعب وأمة ما. فالنظم الاجتماعية الأقرب إلى التسلط توفر المناخ الملائم لازدهار الشخصية التسلطية، كما أن شيوع هذا النمط من الشخصية في المجتمع يمثل عاملاً مهمًا في بقاء النظم الاجتماعية التسلطية؛ لأن الاستبداد في حقيقته أشبه بالأخطبوط يشكل الحكم إحدى أذرعه القوية وليست الذراع الوحيدة، إذ إن هذه الأذرع ممتدة في جنبات المجتمع.
ويلاحظ أن المطالبة بالحرية والديمقراطية في واقعنا الحالي تكاد تنحصر في جانبها السلبي إذ تقصرها الغالبية على التحرر من القيود وكسر الأغلال، وحرية القول والخطابة والتظاهر، في حين أن ذلك لا يعدو أن يكون قشورًا سطحية للديمقراطية لا تأبه لها الحكومات التسلطية كثيرًا، ولعل هذا ما أشار إليه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عندما قال: "إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين السلطان". أما الوجه الإيجابي للحرية فيتصل في الأساس بقدرة الإنسان على أداء الفعل الهادف، ومن ثم كانت عملية تحقيق الإرادة الشاملة هي الغاية الأسمى لمواجهة الديكتاتورية، والأسلوب الأمثل لمواجهة الاستعمار، حتى لا يصبح الاستقلال برجًا وطنيًا بلا نوافذ على أبناء الوطن.
الديكتاتور أم المستعمر الأولى بالجهاد؟
إشكالية أولوية المواجهة والجهاد ضد الديكتاتور أو ضد المستعمر لم تكن وليدة الحالة العراقية، كما أنها ليست بجديدة على الواقع الإسلامي؛ لأن هذه الإشكالية يعاد إنتاجها في الأزمات الشديدة التي تضيع فيها بوصلة التوجيه الصحيح للجماعة في الفكر والفعل؛ لذلك كان شعار المجاهد الجزائري الكبير "عبد الحميد بن باديس" في مجلته "المنتقد" لتجاوز هذه الأزمة هو "الحق فوق القوة، والوطن قبل كل شيء".
وإذا كانت الديكتاتورية وجور الحكام بلاء كبيرًا يصيب الأمة، كما يقول جعفر الصادق: "إن أعظم الفتنة التي يسلط الله على الناس السلطان الجائر"؛ فإن الاستعمار هو الخطر الماحق للأمة في شخصيتها وكينونتها وهو ما عبر عنه "الكواكبي" في "طبائع الاستبداد" بقوله: "فإذا كان البستاني والحطاب غريبًا لم يخلق من تراب تلك الديار، وليس له فيها فخار، ولا يلحقه منها عار، فإن همه الحصول على الفائدة العاجلة، ولو باقتلاع الأصول، فهناك الطامة، وهنالك البوار".
ونتج عن هذه الإشكالية في أيهما الأحق بالمواجهة: الديكتاتور أم المستعمر، مواقف فكرية وحركية متباينة امتدت في التاريخ الإسلامي، وواقع الحركة الإسلامية المعاصرة. فالعالم الجليل "العز بن عبد السلام" لم تمنعه الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية من صليبيين وتتار، من الصدع بالحق ومواجهة ظلم الحكام في الشام ومصر، وإصدار فتواه الشهيرة ببيع المماليك الذين يشكلون عماد الجيش آنذاك ووضع أثمانهم في منافع المسلمين، ما دام هؤلاء محجمين عن الدفاع عن الأوطان والدين. ولا يخفى أن هذه الفتوى كانت تحمل في طياتها هزًا عنيفًا للأسس التي تقوم عليها الدولة المملوكية، في وقت كانت الدعوات تنادي بالاحتشاد خلف الحاكم الذي يواجه العدو الخارجي، غير أن الحق والعدل والحرية كانت هي الأسس التي رأى فيها "العز" أنها الأولى بالرعاية والاهتمام على اعتبار أن البنيان المحكوم بالقهر لا ينهار إلا جملة واحدة مع أدنى احتكاك خارجي، وهو ما يؤدي إلى انهيار فوضوي لا يبقي حجرًا على حجر.
ويعطي التاريخ تجربة أخرى في المفاضلة بين الآخر المختلف عقائديًا وحضاريًا، وهذا الذي ينتمي إلى نفس العقيدة والحضارة، فعندما وقع "المعتمد بن عباد" بين اختيارين لإنقاذ مملكته الأندلسية من الانهيار أمام ضربات النصارى الأسبان: إما الرضوخ لهؤلاء الأسبان، وإما الاستعانة بدولة المرابطين الفتية في المغرب وقائدها الكبير "يوسف بن تاشفين"، ورغم إدراك "المعتمد" أنه وقع بين شقي الرحى وأن اتجاهات داخلية ترحب بالأسبان عن المرابطين، فإن الرجل اختار الآخر الذي يتفق معه حضاريًا وعقائديًا وأعلن "أن رعي الإبل خير من رعي الخنازير".
وفي هذا الشأن تظهر مسألة مهمة هي أن الأمم في لحظات انكسارها أو صعودها قد تؤجل قضية الحرية لفترة ما، ما دام القائد (فردًا أو نظامًا) يتبنى مطالبها وآمالها ويسعى لتحقيقها، مثلما حدث في الدولة الأيوبية شديدة المحافظة من الناحية الفكرية، طالما أن القائد صلاح الدين يسعى لتحرير المقدس، ودحر الأعداء.
وقد ظهرت إشكالية "مواجهة الديكتاتورية أم مواجهة الآخر المختلف عقائديًا وحضاريًا" في واقع الحركة الإسلامية المعاصرة، وكانت أساسًا من أسس الافتراق بين الجماعات والتنظيمات الإسلامية، وأخذت مسميات مختلفة: "جهاد الداخل، وجهاد الخارج"، و"قتل العدو القريب (الحكومات المستبدة) أم العدو البعيد"، فكان "تنظيم الجهاد" ثم "الجماعة الإسلامية" في مصر في فترة السبعينيات وما بعدها، قبل مراجعات الجماعة الإسلامية، يريان أن المواجهة العاجلة يجب أن تكون مع حكام البلدان الإسلامية الذين خرجوا على الإسلام ونحَّوا شريعته. وعللا موقفهما بأن محاربة اليهود أو حتى الانتصار عليهم تحت قيادة هؤلاء الحكام لن تحقق إلا تقوية قبضتهم على الشعوب الإسلامية، لأن هؤلاء الحكام لا يخدمون إلا مصالح المشركين. كما نفيا إمكانية وجود "جهاد" دون وجود إمام، لأنه لا جهاد إلا تحت رايات إسلامية حقيقية، وبالتالي كانت الأولوية عندهما لجهاد الحكام.
ونتج عن ذلك مواجهات دامية تم خلالها تصفية كثير من أبناء الحركة الإسلامية، ولم تؤد إلى تصفية تلك الأنظمة التي نهضت تلك الجماعات لمواجهتها، ولعل هذا ما أوجد نوعًا من التطور اللاحق في رؤية بعض الجماعات الجهادية التي ذهبت للجهاد في أفغانستان، والتي أعطت الأولوية لجهاد الآخر المختلف حضاريًا.
وكان هذا الاختلاف سببًا في خروج بعض الجماعات عن تيار الإخوان المسلمين، الذي رأى أن جهاد الداخل يكون عبر الآليات السياسية دون رفع السلاح لمواجهة الأنظمة مهما كانت ديكتاتوريتها، أما الآخر المختلف حضاريًا، خاصة اليهود، فالجهاد القتالي هو الأساس في المواجهة، ولم توجد استثناءات في مسيرة فصيل الإخوان في النضال ضد الاستبداد إلا في الحالة السورية عام (1982) عندما تبنت قطاعات كبيرة من إخوان سوريا مواجهة النظام البعثي بالسلاح، ونتج عن ذلك قصف مدينة "حماة" وسقوط ما يقرب من 20 ألفا، وحالات ضخمة من فرار الإخوان خارج سوريا، واعترفت قيادات إخوانية سورية بخطأ هذه المواجهة.
لماذا الاحتشاد "لجهاد" الآخر الحضاري؟
لقد أحيطت مسألة الخروج على الحاكم المستبد الديكتاتور في الخبرة الإسلامية بحواجز نفسية كبيرة تجعل من العسير تجاوزها، إلا أن هذا لم يمنع من ظهور حركات تمرد وخروج كثيرة، وتحدّ واضح من ثائرين للسلطة والدولة، بلغت مداها عندما أعلن أحد الثوار لخليفة أموي أن "نعال الصعاليك أطول من سيوفه". فالشروط التي أحاطت بعملية الخروج وجهاد الديكتاتور، قيدت هذه العملية على اعتبار أن الديكتاتور هو صفحة في تاريخ الأمة ما تلبث أن تزول ليحل مكانها صفحات من العدل والقسط، ومن ثم فالخروج هو "فتنة" و"ملحمة" و"غضب" و"هياج" غير مأمون العواقب، ويرشح لفوضى قد تعصف بالأمة، وارتبط بذلك فهم انتشر عند الكثيرين يتعلق بمسألة "الإيمان باليوم الآخر".
فهذه النظرة الشمولية ترى أن الدنيا ليست نهاية المطاف، بل هناك آخرة وميزان عادل، وأن ظلم اليوم سيكون في الغد عقابًا للظالم، وعطاءً غير مجذوذ للمظلوم، ومن ثم كثر تناول جرعات (الصبر) لمواجهة الظلم، وكان الدعاء بالأسحار وانتظار سهام الأقدار، بمثابة المسكنات التي أفقدت الأمة عنف الإحساس بالظلم، ومن ثم الرغبة في الثورة والجهاد ضد الديكتاتور، كما كانت الاستعانة بعرائض الشكاوى ضد الظالمين التي ملأت بعض الأضرحة تنفيسًا لهذا الغضب العارم والثورة الهائجة، ثم كان الانزواء ومغادرة الشأن العام والانصراف إلى الذات أشبه بموانع الصواعق ضد جهاد الداخل، كما كانت هذه الأمور صمامات أمان وضعت على الآذان التي لا تسمع هذه الدعوات طالما أنها لن تستجيب لها.
إن هذه التركيبة تدفع نحو طرح إشكالية الحواجز التي وضعها الفقه أمام الأمة ليضبط بها عملية التغيير السياسي، فأدت إلى نوع من أنواع التراخي في مواجهة الحاكم المستبد لم يلبث أن انقلب مكونًا بارزًا بالثقافة السياسية للمجتمعات السنية. بل إن هذه الحواجز امتدت لتصنع أمام مؤسسة الاجتهاد معضلة الموازنة بين مقاومة الاستبداد ومقاومة الاستعمار على نحو ما رأينا.
من أسرة إسلام أون لاين
|