|
ومما استدل به (الهجوميون) على دعواهم في وجوب قتال العالم ما زعموه من أن الرسول في أكثر غزواته كان هو البادئ بالهجوم، والطالب للعدو، والغازي له في عقر داره.
وهي دعوى مبنية على قصر النظر وضيق الأفق في تقويم أحداث السيرة، والنظر إليها من الزاوية القريبة دون النظر إلى جميع الزوايا والأبعاد، وعدم استيعاب ما ورد في أسباب الغزوات وملابساتها استيعابًا يضيء السبيل للباحث الذي ينشد الحق، وليس المتعصب لرأي ولا يريد أن يتزحزح عنه.
لا شك في أن من غزوات الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما كان هجومًا من المشركين على المسلمين، كما في أحد والخندق، وبعض ما قد يحسب أنه ابتداء من المسلمين، هو عند التأمل دفاع أو وقاية.
وسنعرض نموذجين لمن استدلوا بالغزوات على طبيعة الهجوم في الجهاد الإسلامي، ونكتفي في الرد عليهما بكلام عالمين جليلين لكل منهما مقامه في العلم، ومنزلته في الدعوة إلى الله. والحق أن هذين الردين بنقل من أحد مؤرخي العصر الأثبات، وهو أحمد زكي باشا الملقب بـ (شيخ العروبة).
الشيخ ابن محمود يرد على الشيخ اللحيدان:
أما الأول فهو رد العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية في دولة قطر على الشيخ صالح اللحيدان أحد علماء السعودية في كتاب ألفه عن الجهاد. يقول العلامة الشيخ عبد الله بن زيد المحمود في كتابه (الجهاد المشروع في الإسلام): "وإن أغرب ما سمعته في هذا الزمان مما يتعلق بالجهاد المشروع في الإسلام، هو قول الشيخ صالح اللحيدان في كتابه (الجهاد في الإسلام بين الدفاع والطلب)، قال: (إن الرسول وأصحابه لم يدافعوا عن أنفسهم في وقعة بدر، بل كانوا مبتدئين بالقتال طالبين للعدو)، وقال: (إن حروب الرسول وأصحابه لهوازن، وحصاره للطائف، وكذلك الغزوات الأخرى، حيث كان الرسول هو البادئ بالقتال لنشر هذا الدين بين الناس، ولم تكن الغزوات منه لأنهم قاتلوه أو اعتدوا عليه، فإنهم لم يسبق لهم ذلك إلا في نادر الأحوال ..." انتهى.
وأقول (القائل ابن محمود): إن هذه الغلطة الكبيرة إنما نشأت عن نقص علم وقصور فهم، أراد بها تعزيز رأيه فيما يعتقده من أن الرسول وأصحابه يقاتلون جميع الناس حتى يسلموا؛ لأنه يعتمد في نقله على ما يعتقده في نفسه، بدون رجوع منه إلى صحيح المنقول، وبدون فقه منه في سبب غزوات الرسول، ويظهر منه أنه بطيء العهد بتعاهد القرآن، وهو الذي فيه تفصيل هذه القضية على الجلية بأحسن تبيان، فإن به تحقيق بداية المشركين بالعدوان. إذ إن هذا الأمر اليقين الذي يرتفع عن مجال الشك والإشكال؛ لثبوته بمقتضى الدليل والبرهان والسنة والقرآن، وكلما بعد الإنسان عن تدبر القرآن ضعفت حجته.
فمن قال إن الرسول هو البادئ بالقتال بدون سبب يوجبه من المشركين، فقد أعظم الفرية عليه، وقال بما لم يحط به علمه، ويخشى من تعدي غلطه إلى بعض من يسمعه من جهلة العوام، وضعفة العقول والأفهام، فيظنونه حقا، وهو بالحقيقة باطل.
وسنورد من الدلائل النقلية والبراهين الجلية ما يزيل اللبس عن هذه القضية، حتى تكون جلية للعوام، وحتى لا يختلف فيها اثنان، وليس من شأن الباحث أن يفهم من لا يريد أن يفهم.
فمن دلائل القرآن قوله سبحانه: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ..." (الحج: 39- 40).
فأثبت سبحانه في هذه الآية بداية المشركين بالاعتداء بالقتال على الذين أسلموا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنهم ساموهم سوء العذاب ليردوهم عن دينهم كما قال سبحانه: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا" (البقرة: 217)، وهذا القتال يشمل الضرب والتجريح.
فقد كان الصحابة يأتون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم المضروب، ومنهم المجروح، وقد توفيت سمية أم عمار تحت التعذيب لصدها عن دينها، كما توفي زوجها ياسر. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يمر عليهما وهما يعذبان ويقول: "صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"، وقد كانوا يحمون الحجارة ويضعونها على بطن بلال وظهره ويقولون له: قل واللات والعزى، ويقول هو: أحد أحد.
ولهذا قال: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا". فأثبت ظلم المشركين في تعذيبهم للمؤمنين بفنون التعذيب والأذى، ولا ذنب لهم إلا أنهم يقولون: ربنا الله ونبينا محمد. "وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ" فقد أحرجوا الصحابة حتى أخرجوهم من بلدهم، والإخراج من البلد نظير القتل في كتاب الله، فقد خرج فوق الثمانين من الصحابة ما بين رجال ونساء إلى الحبشة، يمشون على أرجلهم حتى أتوا ساحل البحر، فرارا بدينهم من الفتنة، وبأبدانهم من التعذيب، وخرج بعضهم مهاجرًا إلى المدينة.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- خرج مهاجرًا خائفًا مختفيًا يقول (مخاطبًا مكة): "والله إنك لأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت"، وكان أهل مكة يصادرون أموال كل من هاجر إذا لم تكن له قبيلة تحمي ماله، كما صادروا أموال صهيب الرومي، وأنزل الله فيه: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ" (البقرة: 207). ولهذا قال الصحابة: ربح البيع صهيب.
ومنها قوله سبحانه: "لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ" (الحشر: 8).
فأثبت سبحانه أن المشركين أخرجوا المستضعفين من بلادهم وأموالهم، في سبيل هجرتهم ونصرتهم لرسول الله يبتغون بذلك فضلا من الله ورضوانا، ولا ذنب لهم إلا أنهم آمنوا بالله ورسوله.
ومنها قوله سبحانه: "إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ" (الممتحنة: 2). فبسط اليد بالسوء هو الضرب والتجريح والشجاج وبسط الألسنة بالسوء أي بالسب واللعن والسخرية وسائر الأذية.
ومنها: أن الله سبحانه أكد ابتداء المشركين بالاعتداء على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى أصحابه في بداية الأمر ونهايته، فقال سبحانه: "أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ" (التوبة: 13 - 15). فأثبت سبحانه بداية المشركين بالاعتداء على الرسول وأصحابه في بداية الأمر ونهايته، وأنهم نكثوا أيمانهم وعهودهم التي أبرموها مع الرسول في صلح الحديبية، وأنهم همّوا بإخراج الرسول كما حصروه مع عمه أبي طالب في الشِّعب، يطالبون أبا طالب بتسليمه إليهم ليقتلوه. وهذا معنى قول أبي طالب في قصيدته:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسّد في التراب دفينا
وإنما اشتد الأذى بالرسول بعد موت أبي طالب، بل وهمّوا بقتله حيث اتفقوا أن يدفعوا لكل رجل سيفًا فيضربوه جميعا بسيوفهم، فيضيع دمه بينهم، فأطلع الله رسوله على ذلك، وأذن له بالهجرة، وأنزل الله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (الأنفال: 30).
ومنها قوله سبحانه "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ" (الممتحنة: 1). أي لأجل إيمانكم بربكم.
فأثبت سبحانه شدة عداوة المشركين لله ورسوله وعباده المؤمنين وأنه يحرم على المؤمنين موالاتهم بإظهار المودة لهم، وقد كفروا بما جاءكم من الحق الذي هداكم الله إليه. ثم قال: يخرجون الرسول من بلده، لأنه خرج من مكة مكرها وخائفا مختفيا، كما خرج المؤمنون فرارا بدينهم من الفتنة، وبأبدانهم من التعذيب؛ لأجل إيمانهم بربهم.
مثله قوله سبحانه: "إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (الممتحنة: 9)، فأثبت سبحانه قتال المشركين للمؤمنين على الدين لأجل إيمانهم بربهم، ليردوهم بطريق الإكراه إلى ملة الكفر التي أنقذهم الله منها.
فهذه كلها آيات محكمات لا نسخ فيها ولا تبديل ولا تخصيص، ولا يجوز لأحد تغييرها ولا النظر في رأي يخالفها.
وأما الاستدلال بفقه السيرة مما يثبت ابتداء الاعتداء من المشركين على رسول الله وأصحابه، وأنه إذا قاتل فإنما يقاتل لصد العدوان عن الدين، وكف الأذى والاعتداء عن المؤمنين، فليس هذا بالظن ولكنه اليقين.
أما مسألة الجهاد بالدفاع عن الدين وعن أذى المعتدين، فقد اعتنى العلماء المتأخرون[1] بتصحيحها وتمحيصها أشد من اعتناء الفقهاء المتقدمين حتى ارتفعت عن مجال الإشكال والغموض إلى حيز التجلي والظهور. فضعف فيها الخلاف وكاد ينعقد عليها الإجماع. وإن غزوات الرسول كلها دفاع عن الدين وكف أذى المعتدين على المؤمنين، وليس هذا بالظن ولكنه اليقين.
ونشير الآن إلى غزواته وأسبابها التي أشار الكاتب بأنها وقعت من الرسول بطريق الابتداء بدون سبق عدوان من المشركين، فمنها:
حديث العير والنفير حيث خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أصحابه يريدون عير قريش. ومن المعلوم أن قريشًا هم الأعداء الألداء والبادئون بالاعتداء على الرسول وأصحابه، وقد استباحوا تعذيب الصحابة وأخذ أموالهم، فهم أئمة الكفر، الحلال دمهم وأموالهم، أفَيُلام رسول الله وأصحابه عندما حاولوا أخذ العير ليتقووا بها على حرب عدوهم، كما كان عدوهم يفعل ذلك بهم فيأخذون أموال المهاجرين؟ إذ هذا من باب المقاضاة بالمثل، وقد قيل: الشر بالشر والبادئ أظلم. يقول تعالى: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" (النحل: 126). وقال: "وجزاء سيئة سيئة مثلها" (الشورى: 40)، وقال: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل" (الشورى: 41).
أما وقعة بدر فقد حدثت على غير ميعاد سبق، وكان الرسول قد كره وقوعها. وقد نزل مع أصحابه بالعدوة الدنيا مما يلي المدينة، ونزل المشركون بالعدوة القصوى مما يلي مكة، وقد أرسل أبو سفيان إليهم يطلب منهم أن يرجعوا قائلا: إن عيركم وأموالكم قد سلمت، فارجعوا إلى بلادكم، لكنهم كما أخبر الله عنهم خرجوا بطرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، ومعلوم قرب بدر من المدينة، فهم قصدوا حرب الرسول وأصحابه بطريق التحرش بهم. وكان سبب بداية القتال: أن أبا البختري قال: "والله لأردنّ حوض مياه محمد، ولأكسرن حوضهم. وفعلا اندفع يريد أن يهدم الحوض، فتلقاه حمزة بسيفه فقطع رجله، ثم انعقد سبب القتال بين الفريقين.
فقتال الرسول لهم في بدر هو قتال لدفع شرهم وعدوانهم، فهو جهاد بالدفاع. ولم يكن قتاله لهم لإكراههم على الدين حسب ما يظنه الكاتب، ولم يكن وقع ابتداء من الرسول بدون عدوان يوجبه منهم، بل هم البادئون بالاعتداء والمعلنون بالحرب لله ورسوله والمؤمنين.
ومثله قتال الكفار المشركين للرسول وأصحابه يوم أحد حيث غزوا الرسول وأصحابه في بلادهم فقتلوا سبعين من أصحاب رسول الله، وهل كان قتال الرسول لهم إلا دفعًا لشرهم. ثم إنهم تحزبوا على حرب رسول الله وأصحابه بوم الأحزاب، ومعهم عرب الحجاز ونجد، ونقضت اليهود العهد الذي بينهم وبين رسول الله، ودخلوا مع قريش في حرب الرسول فتبعهم يهود بني قريظة لظنهم أنها الفاصلة المستأصلة للرسول وأصحابه، حتى ضرب النبي على المدينة خندقا يمنع تجاوز الخيل. وبلغ الخوف مع الرسول وأصحابه إلى نهاية الشدة، وأنزل الله فيه صدر سورة الأحزاب وفيها: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا" (الأحزاب: 9 - 10) إلى قوله: "وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا" (الأحزاب: 25، 26).
أيقال إن الرسول هو البادئ بالقتال لكفرهم، وهم لم يبقوا للصلح موضعا، مع الرسول وأصحابه، ولم يألوا جهدا في فتنتهم للمؤمنين وتعذيبهم "إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون" (الممتحنة: 2).
وأما قضية هوازن حيث صرح الكاتب عنها قائلا: "إن حروب الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لهوازن وحصاره للطائف، حيث كان الرسول هو البادئ للقتال لنشر هذا الدين بين الناس، ولم تكن الغزوات منه، لأنهم قاتلوه أو اعتدوا عليه، فإنهم لم يسبق لهم ذلك إلا في نادر الأحوال".
ويقول ابن محمود: إن الشيخ رحمه الله يكتب عن قضايا كهذه وغيرها على حسب ما يضمره في نفسه، بدون رجوع منه إلى أصول القضايا والغزوات من مظانها في كتب السيرة والتاريخ، لهذا السبب كثر خلطه وخبطه، بدون بصيرة من أمره، فيجعل الباطل حقا، والحق باطلا! وقد قيل لي: إن كتابه لا يستوجب الرد لأنه معلوم البطلان عند كل واحد. فقلت للمعارض: إن كل من أوصلته خبرا لن تستطيع أن توصله عذرا، ولكن وجوب البيان وتحريم الكتمان يوجبان علينا رد هذا البطلان، خشية أن يحتج به بعض من يرى صحته، أو بعض من يعتقد اعتقاده، لأنه متى قل العلم وساء الفهم ساءت النتيجة. وقد قيل: "خلاصة القول تظهر بالسبك، ويد الحق تصدع آراء الشك".
سبكناه ونحسبه لجينا *** فأبدى الكير عن خبث الحديد
وقد عقدنا لوقعة هوازن فصلا مستقلا، وذكرنا فيه سبب هذه الغزوة التي أنزل الله في شأنها: "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ" (التوبة: 25، 26).
وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وسمعت هوازن بذلك، فشرقوا بهذا الفتح حنقا وبغضا للرسول وأصحابه، وولاء ومحبة منهم لقريش، فعزموا أن ينتقموا من الرسول وأصحابه، فجمعهم ملكهم (مالك بن عوف النضري) فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها على بكرة أبيها، واجتمع إليه نضر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وكثير من شتى القبائل، ومن عرب الحجاز ونجد، ومعه يومئذ دريد بن الصمة، وهو كبير يحمل في هودج، ليأخذ من رأيه، حيث إنه مجرّب في الحروب، فزحفوا بجمعهم من عوالي نجد بأهلهم وعيالهم وأموالهم لقصد الحفيظة حتى لا يفروا عن القتال، ونزلوا بعسفان بين مكة والطائف، ليفاجأ الرسول وأصحابه بالهجوم عليهم من قريب، لظنه أن أهل مكة المغلوبين سيكونون عونا له على القتال معه.
ولما سمع رسول الله بخبرهم، خرج إليهم بمن معه من أصحابه، وبعض أهل مكة، ومنهم مسلمون، وبعضهم باقون على شركهم، فوصل إليهم رسول الله في عماية الصبح، بعد فتح مكة بعشرة أيام. وقد كانت هوازن قد كمنوا في الشعاب والمضايق، وقد تهيئوا لينفروا جميعا. ولم يرع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا والكتائب قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فشمر الصحابة راجعين، لا يلوي منهم أحد على أحد، وانحاز رسول الله ذات اليمين، وهو يقول: "إليّ أيها الناس هلموا إليّ أنا رسول الله"، وقد بقي معه نفر من المهاجرين وأهل بيته، منهم أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي والعباس وأبو سفيان بن الحارث والفضل بن عباس وربيع بن الحارث، وأسامة بن زيد وأيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ.
ولم يتراجع القوم إلا وبعض الأسرى عند رسول الله، ولم يقتل أحدًا منهم بعد أسرهم، وتفرقت هوازن ومن معهم، وفرت ثقيف إلى بلدهم. أفيصدق أن يقال -والحالة هذه- إن الرسول هو البادئ بقتال هوازن بدون سبب يوجبه منهم؟ وهل بقي من هوازن إلا هجومهم على الرسول في مكة؟ ولا يدري عن سوء عاقبة هذا الهجوم، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا وساءت حالهم، وقد قيل: كل محصور مأخوذ.
وأما حصاره للطائف، فإن ثقيفا على بكرة أبيهم كانوا مع هوازن في الحرب على رسول الله، فلما نصر الله رسوله والمؤمنين فروا إلى بلدهم، وتحصنوا فيها، فهم مستحقون للقتل والقتال لثلاثة أمور:
أحدهــــا: مشاركتهم لهوازن على حرب رسول الله فهم محاربون لله ورسوله وعباده المؤمنين والله يقول: "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به". وقال: "ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل".
والأمر الثاني: أن الرسول جاءهم قبل الهجرة وطلب منهم أن يُؤووه وينصروه حتى يبلغ رسالة ربه، وقد قيل: إنه مكث عندهم عشرة أيام، فلما أحسوا أن بعض ثقيف مال إليه وصدق دعوته أرسلوا عليه سفهاءهم، فكانوا يرمونه بالحجارة، ورؤساؤهم ينظرون إليهم ويضحكون من فعلهم، وهم يقولون: مجنون كذاب. وزيد بن حارثة يقيه ببدنه عن وقع الحجارة فيه، حتى رجع كئيبا حزينا من فعلهم.
والأمر الثالث: أنه بعدما فرغ رسول الله من أمر هوازن ذهب إلى ثقيف رجاء أن يثوب إليهم عقلهم، فيفتحوا له الباب، ويسهلوا له الجناب، حتى يبلغ رسالة ربه في بلدهم، كما فعل أهل مكة. ومن سيرته: أنه لا يعاقب أحدًا بجريمة سلفت منه مهما عظمت متى خلوا بينه وبين نشر دعوته في بلدهم، لكنهم عصوا وتمردوا، وناصبوه العداء، فرماهم بالمنجنيق ونصب عليهم الدبابة، فكانوا يحمون النبال بالحديد، ويرمون بها من في الدبابة ويرمون الصحابة من وراء الجدران، وفي السطوح، حتى قتلوا سبعة من أصحاب النبي، فانصرف عنهم وتركهم حتى هداهم الله للإسلام، وأتوا إليه طائعين.
وأما غزوه لتبوك – حيث أشار إليه الكاتب – فإن سببه: أنه بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه اجتمع جنود من بلخ وجزام وغسان، وبعض متنصّرة العرب، وقد اجتمعوا في تبوك، يريدون غزو رسول الله وأصحابه، وقد قدموا مقدماتهم إلى البلقاء وذلك عام 9 من الهجرة، فندب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عام العسرة، أي زمن جهد ومجاعة وانقطاع ظهر، فخرج في ثلاثين ألفًا من أصحابه، فكانوا يمرون على قبائل العرب من الحضر والبدو بوادي القرى، والذين لم يدخلوا في الإسلام بعد، حتى وصلوا إلى بلدة تبوك، وبها من بها من الناس، فلم يرع أحدا منهم بقتل ولا قتال؛ لأنه إنما قصد الذين ظاهروه بالعداوة، وبرزوا لحربه وأصحابه، لكنه في سفره لم يلق كيدا، ووجدهم قد تفرقوا. فرجع إلى بلده مؤيدا منصورا. فهذه المقدمة نشير فيها إلى بعض الفقرات من المقتطفات التي ذكرها الكاتب، وكلها مفصلة بأسبابها في ضمن الكتاب.
وعلق العلامة ابن محمود على قول من يقول: إن الجهاد سببه الكفر، فيجب قتال الكفار حتى يسلموا، كما هو اعتقاد الكاتب، وقد بنى كتابه على تصحيحه واعتقاد العمل بموجبه، كما أنه اعتقاد بعض الفقهاء المتقدمين وأكثر العامة.
فقال: وقد استغل هذا القول القسيسون والمبشرون من النصارى، وجعلوه عمدة لهم في دعوتهم، واستغلوه في التنفير من الدين واحتقاب العداوة للمسلمين. فكل من قال بهذا القول أو دعا إليه، فقد شارك القسيسين في التنفير من الدين.
فلو ظفر النصارى بكتاب (الجهاد بين الدفاع والطلب) للشيخ صالح، لأحلوه محل التقديس والتكريم، ونصبوه في كنائسهم ومدارسهم، وعمموا بتعليمه جميع طلابهم وعامتهم، لكونه غاية بغيتهم. بحيث إنه يصدق مفترياتهم في إكراه الناس على الدين.
ثم قال الكاتب: إنني أعجب من كتاب الفقه الإسلامي الذين قالوا بالدفاع في الجهاد، جريا وراء التقليد للأعداء الممقوتين، وهم –والله أعلم- يدركون خطأ الرأي البعيد عن الصواب، وأدلة الأحكام.
ثم قال الكاتب: "لقد قلت هذا بعد أن رأيت عشرين بحثا كلها تبحث عن مسألة الجهاد، وقد اختلف الباحثون فيه، فالذين قالوا بالدفاع من المتأخرين، من الكتاب والمؤرخين وكتاب السيرة كلهم ليسوا بشيء كعباس العقاد، وعزام، وشيت خطاب، وعبد الحميد جودة السحّار، وأحمد أمين، ومحمد حسين هيكل، والشرقاوي، والحكيم، فكلهم ليسوا بشيء".
ثم ألحق بهم في الذم غيرهم قائلا: "والظن بغيرهم من علماء الفقه والحديث من أمثال يوسف القرضاوي في كتابه (الحلال والحرام)، ومحمد ناصر الألباني في كتابه (حجاب المرأة المسلمة) والظن بهم العودة إلى الحق واتباع سبيل المؤمنين".
ورد عليه الشيخ بأن الجهاد المشروع في الإسلام، هو: الدفاع عن الدين، ودفع أذى المعتدين على المؤمنين، وأن الإسلام يسالم من يسالمه، ولا يقاتل إلا من يقاتله أو يمنع نشر دعوته أو يلقي الفتنة بين أهله، وليس هذا بالظن لكنه اليقين الذي تدل عليه نصوص القرآن المبين وسيرة محمد -عليه أفضل الصلاة والتسليم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعية: (إن من لم يمنع المسلمين من إقامة دين لم تكن مضرة كفره إلا على نفسه)، أي فلا يقاتل.[2]
رد الشيخ الغزالي على مقولة بعض المعاصرين في الجهاد
والرد الثاني: هو رد العلامة الداعية الكبير الشيخ محمد الغزالي على مقولات بعض الكتاب المعاصرين في تفسيره لأحداث السيرة، وللمعارك التي خاضها الرسول الكريم مع أعدائه، ولمعركة (مؤتة) على سبيل الخصوص، وتصوير الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنه البادئ بالهجوم، لقوم لا يستحقون أن يحاربوا!
كما رد الشيخ الغزالي على دعاوى رجال (حزب التحرير) حول الجهاد، وهم يلقنونها لأتباعهم صارمة كحد السيف، قاطعة كالبديهيات، لا يجوز التشكيك فيها أو المناقشة لها.
وهذا عيب هذه الأحزاب أو الجماعات المغلقة، التي تصب أفكارها في (قوالب جامدة) وتربي عليها أتباعها، وتمنعهم من النظر في غيرها، فيتلقنونها على أنها (حقائق مسلمة) ويتبنونها فكرا وشعورا وتطبيقا، ويظلون هكذا، حتى ينير الله سبحانه وتعالى بصائرهم بطريقة أو أخرى، ليتحرروا من الأسر الفكري، ويمتحنوا ما عندهم، ويقارنوه بما عند غيرهم، وينظروا في الأمر نظرة علمية موضوعية، وهنا قد يغيرون رأيهم، ويرجعون عما كانوا عليه.
وهذا ما فعلته الجماعة الإسلامية المصرية، حيث راجع عدد من أقطابها فكرهم القديم حول الجهاد، وناقشوه مناقشة حرة، وعدّلوا وحورّوا، وأعلنوا تراجعهم عن جوهره، في شجاعة محمودة، قل أن نجدها إلا عند المخلصين المنصفين.
رد الشيخ الغزالي على الشيخ النبهاني وحزب التحرير في كتابه (جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج). وكان من مظاهر عجز الداخل هذه الأفكار الهائجة المائجة، التي يطلقها أناس من أبناء أمتنا –بل من المحسوبين على العمل الإسلامي، والحركة الإسلامية- يطلقون هذه الأفكار كالقذائف المدمرة، لا يبالون من أصابت من خلق الله.
تفنيد كلام بعض الكتاب المعاصرين
يقول الشيخ الغزالي رحمه الله يرد على هؤلاء الذين أسماهم في بعض ما كتب: (الأصدقاء الجهلة للإسلام) تحت عنوان: (أوهام سيئة):
قرأت لنفر منهم كلاما طويلا في أن الإسلام دين هجومي يضع خططه للحرب لا للسلم، وشعرت بالغيظ لتحريف الكلم عن موضعه من ناحية، ولتناول الوقائع دون أدنى وعي بملابساتها من ناحية أخرى.
خذ هذا المثال:
الأسباب التي دفعت إلى معركة مؤتة معروفة، ولعل كتّاب السيرة المحدثين، أقدر على تصوير هذه الأسباب من الكتاب القدامى، فقد أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- واحدا من رجاله بكتاب إلى أحد الأمراء الغساسنة يدعوه إلى الإسلام، وهؤلاء الأمراء كانوا موالين للروم، يدينون دينهم وينفذون سياستهم، وقد شعروا مع سادتهم بالقلق للدين الجديد وللنجاح الذي يلقاه، فماذا يصنعون؟ عمد الأمير الذي جاءه كتاب النبي إلى الكتاب فطوح به، وإلى حامله فقتله!! واستعد مع الرومان لمواجهة تبعات هذا الموقف الآثم...!
ماذا تفعله أي دولة تهان دعوتها ويقتل رجلها على هذا النحو؟ لا بد أن تقاتل! والقتال الذي فرضته الظروف صعب، فإن الرومان شدوا أزر الأمير القاتل بعشرات الألوف من جيشهم الكثيف.
وواجه الرجال الذين قاتلوا في (مؤتة) معركة قاسية، استشهد فيها القادة الثلاثة الذين التحموا مع الرومان وحلفائهم، واستطاع خالد بن الوليد أن ينسحب بالجيش، وأن يجنبه خسائر لا آخر لها.
ولست أؤرخ لهذه المعركة الآن، ولكني أعلق على ما قرأته في كتاب ظهر حديثا لأحد العلماء يذكر قصة مؤتة ويقول: إن المؤرخين يحاولون ذكر أسباب للقتال الذي وقع، ولا ضرورة لذكر هذه الأسباب! لماذا نعلل لكل حرب خاضها المسلمون؟ يكفي أن نعرف طبيعة الإسلام في التوسع (!) لنعرف سر القتال!!
الكاتب غفر الله له، نسي الرسالة الموجهة إلى العميل الروماني، ونسي مصرع صاحبها، ونسي أن الرومان – وموطنهم الأصلي أوربا- تدفقوا نحو مائة ألف إلى قلب الحجاز، ولم يجيئوا في نزهة صحراوية، وإنما جاءوا في مظاهرة عسكرية لضرب الدين الجديد، ومنع الدعوة من التسلل شمالي الجزيرة العربية، كل ذلك لم يلفت نظر المؤلف الأديب. إنما لفته إبراز الطبيعة التوسعية للإسلام!...
إن التوسع الإسلامي لا يعتمد على القتل، وحروب العدوان، إن العملة المتداولة في ميدان الدعوة الإسلامية هي الفكر الحر!!.
ومقاتلة الإسلام للرومان كانت أشرف قتال عرفته الدنيا؛ لأن الإمبراطورية العجوز استهلكت شعوبا كثيفة داخل سجونها قرونا طويلة.
وعندما نكتب سيرة نبينا بهذا الأسلوب، فماذا يبقى للمبشرين والمستشرقين؟
عندما تعرض الحق على الناس في بيئة جاهلة به، فلن يقول لك المستمعون: أهلا وسهلا! سيكون هناك مستغربون، وسيكون هناك رافضون! وربما آمن البعض على عجل، وربما قاوم بعضهم بضراوة، ولن تتحدد المواقف إلا بعد آماد طوال يصبر فيها الدعاة، يقابلون الهزء بالسكينة، والاستفزاز بالحلم.
كذلك كان الأنبياء على امتداد العصور، وكذلك كانت سيرة خاتمهم محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام- مع ما تميزت به رسالاتهم من وضوح وتجرد وإشراق.
أما اليوم فالدعوة مثقلة بما يضيرها أو يزهّد فيها.. هناك من يدعو إلى الشكل قبل الموضوع، وإلى النافلة قبل الفريضة، وإلى الحكم الفرعي قبل القاعدة الكلية، وإلى ما فيه خلاف قبل مالا خلاف فيه! ثم يدق طبول الحرب وهو صفر اليدين من سلاح يجدي، فإذا الغبار ينجلي عن هزيمة مضاعفة للحق، إنه انهزم مرتين، مرة في ميدان الدليل، ومرة في ميدان القتال!
وبهذا الفكر المعتل يكتب دعاة عن قيام الإسلام على السيف، واجتياحه للخصوم، ورغبته في الهجوم!
ويرجعون إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة، كي يحرفوا الكلم عن مواضعه، أو يقلبوا النصوص رأسا على عقب.
الرد على مقولة حزب التحرير
إن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخرج من مكة هو ومن آمن به بعد ثلاث عشرة سنة حافلة بالآلام والأحزان.
ولم تهدأ عداوة قريش ضد الإسلام بعد الهجرة، بل وثبت على كل من شرح بالإسلام صدرًا من أهل مكة، فنكلت به، وكان دعاء المستضعفين والمفتونين: "ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا" (النساء: 75).
فهل يوصف قتال المسلمين لقريش بأنه حرب هجومية بعد هذه الأحداث الواضحة؟
ومعروف أن الرومان انتشروا في آسيا وأفريقيا كالجراد الذي يأتي على الأخضر واليابس. والاستعمار الروماني مقرون بالاستبداد والقسوة والكبرياء.
وقد احتضن النصرانية فشوهها، ومال بها نحو الوثنية، وطارد الكنائس الموحدة حتى أبادها، وعندما ظهر الإسلام اعترض طريقه، وضن عليه بحرية الحركة، ونازله شمالي الجزيرة ليقضي عليه!
فهل تصدِّي المسلمين للصلف الروماني وكسرهم الطوق الذي وضعوه يوصف بأنه حرب هجومية نشأت عن رغبة الإسلام في التوسع؟.. أي توسع!!؟ هل حق الدين الجديد في عرض نفسه على الناس كلهم، وإباؤه تكميم الأفواه وفتنة الضعاف، هو العيب الذي يوصف به ويلام عليه؟
ومع هذه المقررات البديهية، فإن رئيس حزب إسلامي يكتب في نشرة مطولة لأعضاء حزبه أن الإسلام يبدأ بالقتال ويرسم خطة الهجوم على مخالفيه.
يقول الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله: "إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام وفعله يدل دلالة واضحة على أن الجهاد هو بدء الكفار بالقتال، لإعلاء كلمة الله، ولنشر الإسلام" ويقول: "إن خروج الرسول إلى بدر لأخذ قافلة قريش هو خروج للقتال، هو مبادأة بالقتال، فقريش كانت دولة، ولم تكن قد اعتدت بعد على الرسول أو على المدينة حتى يدافع عنها، بل هو الذي بدأهم بالقتال"!
إن تصور الوقائع على هذا النحو أقرب إلى الهزل منه إلى الجد، ولا أدري كيف يستقيم في عقل إنسان أن المطرودين من ديارهم، المصادرين في عقيدتهم لم يتعرض لهم أحد بعدوان؟؟
ويمضى رئيس حزب التحرير الإسلامي فيقول: إن قيام النبي بإرسال الجيش إلى مؤتة لقتال الروم، وتوجهه إلى تبوك مقتربًا من حدود الروم، لمقاتلتهم ظاهر فيه كل الظهور أنه بدء بالمقاتلة"!!
وهذا الكلام من أغرب ما يقال، وعلى ضوء هذا المنطق المدهش يمكن وصف الحروب التي يقوم بها زنوج إفريقيا الجنوبية الآن بأنها حروب هجومية، ووصف المناوشات التي يقوم بها عرب فلسطين ضد دولة إسرائيل بأنها قتال هجومي!!
إن العقل الذي يلتقط صور الأحداث بهذا الإبتار والتقطيع والحكم العجول يجب الإعراض عنه.
ومن المؤسف أن يكون لهذا التفكير وجود بين الإسلاميين.
لا يحتاج الإسلام إلا إلى جو حُرّ كي ينتشر ويدخل الناس فيه أفواجا، ما دام العرض سليما، والعائق منفيّا.
ونحن لا نكره أحدًا على دين، ولا نقبل إيمان مكره، كما أننا نحتكم إلى العدل المطلق فيما ينشب بيننا وبين غيرنا من خلاف، ولا يميل بنا عن العدل حب ولا بغض.
ولو كانت دولتا الروم والفرس تقومان على مبادئ الحرية والعدالة وضمان الحقوق الإنسانية ما قامت بيننا وبينها حروب.
الذي وقع داخل الدولتين وخارجهما: أن الاستبداد السياسي حبس الجماهير وراء سياج حديدي بالغ القسوة، وأن جنون القوة أغرى الدولتين معًا بتكسير المصابيح التي حملها الإسلام، فكان القتال لا لنشر الإسلام، ولا لإكراه أحد على اعتناقه، بل لكي تسود الأوضاع الطبيعية.
بعدئذ: "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ".
ولا يطلب الإسلام في الميدان العالمي أكثر من حريات مستقرة، وإذا عجز المسلمون في ميدان تكافؤ الفرص، وحرية الأخذ والرد، عن نشر دينهم، فلا أقدرهم الله ولا بارك فيهم!
إنني أعود إلى قومي فأسألهم: لقد أمركم الله أن تكونوا أمة دعوة "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون" (آل عمران: 104). فماذا صنعتم لتلبية هذا التكليف الإلهي؟ أين الأجهزة التي تنهض بهذا العبء النبيل؟
إن فن الدعوة يحتاج إلى ألوف من الأذكياء الأتقياء يأخذون طريقهم إلى الأفئدة والعقول بلباقة ورفق، فإذا اعترض السيف هؤلاء برز من جانبنا سيف يناوشه، ويعيده إلى غمده، ويترك الحكم للمنطق والأدب لا لغرائز السباع...
إن هذا هو اتجاه الوحي النازل علينا، وهو المفهوم من عشرات النصوص التي نتلوها.
ومن ثم فإنني أنظر باحتقار شديد إلى أشخاص عجزة في ميدان الدعوة، كسالى في سباق الخير، لا صياح لهم إلا: السيف السيف!! ولو قام السيف لكانوا أول ضحاياه!
لقد أصاب الإسلام ضرر شديد من الانحصار العقلي الذي سيطر على أولئك المتحدثين، ومن التحريف الذي فرضوه على الأحداث، فأمست قريش معتدى عليها في معركة بدر! وأمست الإمبراطورية الرومانية الاستعمارية معتدى عليها في مؤتة وتبوك!
وانتقل هذا الاضطراب الفكري إلى نصوص الكتاب والسنة، فإذا تيار من الفوضى يلغي باسم النسخ نحو 120 آية قرآنية، ويعوج بمفهوم آيات أخرى، ويخرج الإسلام للناس في صورة دميمة!.
نحن بتوفيق الله نتناول الموضوع كله بشيء من التفصيل، وأصارح بأني أتبع خُطا الراسخين في العلم، وأطيل التأمل فيما ينقل إلينا من أقوال ومذاهب.
إن كتبنا القديمة تجمع في القضية الواحدة ركاما من الآراء، فيه الصحيح وفيه الذي يحتمل الصحة، وفيه الباطل، وفيه السقيم، ويجيء ذوو النظرات السطحية فيقرءون هذا وذاك، وربما لم يعلق بأذهانهم إلا ما لا خير فيه.
وهذا الخلط المتباين أساء إلى ثقافتنا الإسلامية، وربما منح الحياة مرويات كان يجب أن توأد يوم ولدت! وقد سمعت البعض يرحب بهذه الحرية! ولكني عند التدبر والموازنة شعرت أن العملة المزيفة طردت العملة الصحيحة.
ولما كان الحكام المسلمون في أغلب العصور أفرادًا يغلب عليهم الجهل، فإن سلطاتهم الواسعة ساندت الأوهام والأخطاء، لا سيما في ميدان الدعوة.
إن المسلمين حملة رسالة عالمية بيقين! ونقل هذه الرسالة إلى الناس وظيفة شريفة.
وغياب الحكومات الإسلامية عن هذا النقل وضماناته وتبعاته أمر غير طبيعي، كما أن ربط هذا النقل بأهواء الحكام وأمجادهم الخاصة مرفوض.
وسأبدأ سردًا للآيات التي تضمنت سياسة الدعوة وجهادها، وردًّا للآراء التي وقف تنفيذها باسم النسخ.
ومن خلال السرد والرد معًا سيعرف القارئ المسلم أسلوب النفس الطويل الذي سلكه الإسلام في هداية أهل الأرض، واقتيادهم برفق إلى الصراط المستقيم... وعندئذ نعلم متى يلجأ المحرج إلى السيف وكيف يستخدمه.[3]
وقد كتب الشيخ رحمه الله فصلا رائعا في بيان الآيات التي زعم الزاعمون نسخها بآية السيف، وبيّن بالبرهان أنها محكمة غير منسوخة، وفسرها بعقله النير وبقلمه البليغ تفسيرا تنشرح له الصدور، وتطمئن به القلوب، وتقتنع به العقول، يتفق مع هداية القرآن، وهدْي النبوة، ومقاصد الإسلام. فليراجع هذا الفصل القيم كل من يريد أن يستزيد علما وهدى في فهم آيات الدعوة والجهاد، وما قيل فيها إنه منسوخ بغير بينة من الله ولا برهان.
اقرأ معنا محاور معالجة الموضوع:
وشارك في الحوار حول الأوراق في ساحة الحوار التالية:
اقرأ أيضا:
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
|