English

 

الثلاثاء. أكتوبر. 28, 2003

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية

تجنب الاستفزاز.. والمصارحة بالحكمة

دكتور يوسف القرضاوي

Image

ومن المبادئ المهمة في الحوار الإسلامي الإسلامي والتقريب بين المذاهب الإسلامية تجنب الاستفزاز من أحد الطرفين للآخر، فالحوار المنشود –أو الجدال بالتي هي أحسن كما سماه القرآن- يقتضي أن يتوخى كل من الطرفين في خطاب الآخر العبارات المثيرة، والكلمات المستفزة التي تحدث التوتر في الأعصاب، والإيغار في الصدور، واختيار الكلمات التي تقرب ولا تباعد، وتحبب ولا تبغض، وتجمع ولا تفرق.

ومن ذلك: ترك الألقاب التي لا يحبها أحد الفريقين: كتسمية الشيعة – بـ(الرافضة) وأهل السنة بـ (الناصبة). وخطاب كل فئة باللقب الذي تسمي به نفسها وقد قال تعالى: (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ) [الحجرات: 11] ومن أدب المسلم إذا لقي أخاه المسلم أن يدعوه بأحب الأسماء إليه. وقد اعتاد العرب أن ينادي بعضهم بعضا بكنيته، مثل: يا أبا حفص، أو يا أبا الحسن، أو يا أبا ذر.

ومن ذلك: البعد عن الموضوعات ذات الحساسية الخاصة التي إذا أثيرت اشتعلت النار، وارتفع الدخان، مثل الإساءة إلى آل البيت من قبل السنة، أو إلى الصحابة من قبل الشيعة. ومن النادر –بل الشاذ- أن يمس أحد من السنة آل البيت؛ لأن لآل البيت عندهم من الكرامة والمنزلة والقرب ما يجعلهم محببين إلى كل قلب، ممدوحين على كل لسان، ومَن من أهل السنة لا يحب أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه، وفاطمة الزهراء رضي الله عنها أحب الناس إلى رسول الله رضي الله عنها، وابنيها الحسن والحسين سبطي رسول الله وسيدَيْ شباب أهل الجنة؟!

ولذلك تبقى المشكلة في (سب الصحابة) من قبل الشيعة ، وخصوصا الكبار منهم، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو عنهم راض، مثل الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، ومن كان من العشرة المبشرين بالجنة مثل طلحة والزبير، وهؤلاء جميعا من السابقين الأولين من المهاجرين، الذين كان لهم فضل السبق إلى الإيمان برسول الله، فصدقوه حيث كذبه الناس، وآمنوا به حيث كفر به الناس، ولذا أثنى عليهم الله تعالى في كتابه، ورضي الله عنهم ورضوا عنه.

ومثل ذلك: من برّأها الله من فوق سبع سماوات؛ الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وغيرهم من الصحابة الذين هم دون هؤلاء في المنزلة، ولكنهم سعدوا بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم على خير، كما قال تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [الحديد: 10]. 

وهذه هي النقطة الحساسة، بل الشديدة الحساسية بيننا وبين إخواننا من الشيعة، فليس يمكن أن نتفاهم ونتقارب فيما بيننا، وأنا أقول: أبو بكر رضي الله عنه، وأنت تقول: أبو بكر لعنه الله!! فكم من الفرق البعيد بين الترضي عن شخص وقذفه باللعنة؟!

وقد تحدثت مع عدد من علماء الشيعة ممن أعرفهم من ذوي الأناة والحكمة، وقلت لهم: إن هذه القضية هي الحاجز الأول أمام التقارب، ولا بد للعقلاء أن يحاصروها، أو على الأقل يخففوا من آثارها، فإنها إذا تركت لغرائز العوام المشحونة بالغضب والحقد جديرة بأن تأكل الأخضر واليابس، ولا تدع لأهل العلم والحكمة فرصة في التوحيد أو التقريب.

والحق أقول: إن هؤلاء العقلاء -أمثال آية الله محمد علي التسخيري، وآية الله واعظ زاده وغيرهما- وافقوني تماما على ذلك، وأكدوا لي أن هذا الاتجاه يقوى عندهم وينتشر شيئا فشيئا، حتى إن المناهج الدارسية الجديدة في إيران تذكر في بعض كتبها مواقف تاريخية لأبي بكر وعمر فيها تمجيد لهما وثناء عليهما.

قلت لهم: هذا ما يجب أن يتبنى ويتوسع فيه في مؤسسات التربية الحكومية، وفي مجال التربية الأسرية الخاص؛ فإن الثقافة الشيعية الشعبية كثيرا ما تحمَّل بأوهام ومبالغات وخزعبلات، لا تثبت أمام النقد العلمي، ولكنها عند العامة حقائق -أو معتقدات- تحرك سواكنهم، وتثير كوامنهم.

والحقيقة أن هذه القضية الخطيرة في حاجة إلى تمحيص ومصارحة؛ لتصفيتها، وجلاء الغبار عنها، أو على الأقل للوقوف موقفا إيجابيا حكيما منها.

وأحب أن أضع هذه النقاط أمام إخواني الشيعة ، لا أقصد بها إلا ابتغاء وجه الله، وخدمة دينه، وجمع الأمة كلها عليه..

أولا: أن هذا الذي حدث بين الصحابة بعضهم وبعض من خلاف -وإن دخلته المبالغات ولوثته الأهواء، وضخمته أجواء الفتن- قد أصبح تاريخا انتهى وطويت صفحاته بحلوه ومره، وخيره وشره، وسيسأل الله أصحابه ويجزيهم بأعمالهم ونياتهم، وأولى بنا أن ندع ذلك إلى الله ولا نكلف أنفسنا حسابهم. وقد قال تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134].

وهذا ما جعل الخليفة الراشد المرضيّ عمر بن عبد العزيز يقول حينما سئل عن تلك الفتن وما جرى فيها: تلك دماء طهر الله فيها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتا!

إن من قواعد التسامح بين المختلفين من أهل الديانات أن حساب الضال منا على ضلاله، والكافر على كفره، إنما هو إلى الله تعالى، وليس إلينا، وأن موعد هذا الحساب إنما هو في الآخرة، وليس في هذه الدنيا، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج: 17].

فإذا كان هذا شأن المختلفين من أهل الديانات المتباينة؛ فكيف بالمختلفين من أهل الدين الواحد؟

إن الأجدر بنا هنا أن نكل هؤلاء المختلفين إلى نياتهم وسرائرهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا.

على أن هؤلاء الصحابة لو سلمنا أنهم أخطئوا أو أذنبوا، لكان لهم من صحبتهم لرسول الله، ومن جهادهم معه ما يشفع لهم عند الله، كما قال الرسول لعمر في شأن حاطب بن أبي بلتعه، وقد قام بعمل من أعمال التجسس لحساب قريش قبيل فتح مكة، فقال عمر لرسول الله: "دعني أضرب عنقه فقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شهد بدرًا: وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"[1].

وقد قال الإمام القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرن): (لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من الإخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرا في الواجب عليه، لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه.

ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من إخبار عليّ بأن قاتل ابن صفية في النار. وقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار". وإذا كانت كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصين ولا آثمين بالقتال؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في طلحة: "شهيد". ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار.

وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل بل صواب أراهم الله الاجتهاد. وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين، رضي الله عنهم.

وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134].

وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه.

قال ابن فُورَك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حدّ الولاية والنبوة؛ فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة.

وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم. وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم، فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغِبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عند ما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متّهمين في الدين. ونسأل الله التوفيق.[2]

ثم إن علينا -من ناحية أخرى- أن نشتغل بحاضرنا، بدل أن يشغلنا ماضينا، وحاضرنا مليء بالمصاعب والآفات والعقبات التي تقف في وجوه المصلحين والمجددين، وهي تحتاج منا إلى جهود مضنية، كفيلة بأن تشغل عقولنا وقلوبنا وسواعدنا.

وقد سمعت شيخنا محمد الغزالي رحمه الله يرد على رجل يجادله فيما كان بين الصحابة، ويثير سؤالا لا معنى له: أيهما كان أحق بالخلافة: أبو بكر أم علي؟ فقال له الشيخ: لقد ذهب أبو بكر وذهب علي، وذهبت الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، وألغيت الخلافة نهائيا من ديار الإسلام، وأصبح الذين يتحكمون فينا هم الخواجات الأجانب، لا أبو بكر ولا علي.. فإلى متى نظل في هذه المفاضلات الحمقاء؟!

ثانيا: أن مسألة "السب" في ذاتها ليست محمودة شرعا ؛ فالمؤمن ليس سبابا ولا لعانا، والقرآن ينهى عن سب الأصنام، خشية أن يثير ذلك المشركين، فيسبوا الله تعالى دفاعا عن آلهتهم كما قال تعالى: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 108].

ومن قرأ السنة النبوية وجد جملة من الأحاديث تنهى عن السب؛ ففي صحيح الجامع الصغير وزيادته تقرأ عدة أحاديث كلها تنهى عن السب من رقم
(7309) إلى (7322)[3]، ومنها:

"لا تسبوا أصحابي.. فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه".

"لا تسبوا الأموات، فإنهم أفضو إلى ما قدموا".

"لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر".

"لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة".

"لا تسبوا الريح، فإنها من رَوْح الله".

"لا تسبي الحُمّى فإنها تذهب خطايا بني آدم".

وأعجب هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا بالله من شره" حتى الشيطان الرجيم ينبغي ألا نشتغل بسبه، ولكن نتعوذ بالله من شره؛ لأن السب عمل سلبي، والاستعاذة من شر الشيطان عمل إيجابي.

والغربيون يقولون: بدل أن تسب الظلام أضئ شمعة. أي أن سب الظلام ولعنه لا يغير من الواقع شيئًا، وخير منه أن تعمل شيئا يضيء لك الطريق في الظلام، ولو كان شمعة صغيرة.

ثم إن عدم السب واللعن مطلقا لا يحمل أي مسؤولية، فليس سب الأشرار أو الكفار ولعنهم واجبا دينيا إذا لم يقم به المكلف كان معاتبا عليه أمام الله، حتى قال بعض الأئمة: لو عاش إنسان طول عمره دون أن يلعن فرعون، أو أبا جهل، أو إبليس، ما كان محاسبًا يوم القيامة على ذلك. ولو أنه لعن مرة واحدة من لا يستحق اللعنة لكان محاسبا أمام الله تعالى يوم الدين: لماذا لعنه؟

ولذا قال الإمام الغزالي: المؤمن ليس بلعان؛ فينبغي ألا يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم، دون الأشخاص المعنيين، فالاشتغال بذكر الله أولى، فإن لم يكن ففي السكوت سلامة.

قال مكي بن إبراهيم: كنا عند ابن عون، فذكروا بلال بن أبي بردة (الوالي) فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه؛ وابن عون ساكت، فقالوا: يا ابن عون؛ إنما نذكره لما ارتكب منك! فقال: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة: "لا إله إلا الله"، "ولعن الله فلانا"، فلأن يخرج من صحيفتي: "لا إله إلا الله"؛ أحب إلي من أن يخرج منها : "لعن الله فلانا"!

وقال ابن عمر: أبغض الناس إلى الله كل طعان لعان"[4].

ثم إن سب الصحابة خاصة غير لائق بالمسلم، لصلتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم أصحابه وأخص الناس به، فهم قد تخرجوا في مدرسته، وتعلموا في حجره، واقتبسوا من مشكاة نبوته، وشاهدوا تنزيل القرآن، ووقائع السيرة، ومن الطبيعي والمنطقي أن ينالهم قبس من نور النبوة، وأن ينهلوا من فيض الرسالة، ومن سب أقرب تلاميذ الأستاذ له، فكأنما سب الأستاذ نفسه.

ولهذا كان التابعون أقرب في الفضل إليهم؛ لأنهم تتلمذوا عليهم، وأخذوا عنهم، ومن بعد التابعين بعدوا عن نور النبوة أكثر، وكل عصر يبعد أكثر من غيره.

وقد أثنى القرآن على الصحابة في مواضع منه، كما في سورة التوبة، وأواخر الأنفال، وآخر الفتح، وسورة الحديد، وسورة الحشر، وغيرها. بل أثنى القرآن على من اتبع الصحابة بإحسان، فقال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100].

كما أثنى الرسول عليهم عموما وخصوصا في أحاديث انتشرت واستفاضت وبلغت مبلغ التواتر.

والتاريخ شاهد صدق على فضل هؤلاء؛ فهم الذين حفظوا لنا القرآن ونقلوه إلينا بالتواتر، وهم الذين رووا لنا سنن النبي وأقواله وأفعاله وتقريراته. وهم الذين فتحوا الفتوح، ونشروا الإسلام في آفاق الأرض، فلولاهم ما كنا نحن اليوم مسلمين، فهم الذين علموا الأمم الإسلام، بعد أن تعلموه من رسولهم عليه السلام.

نصيحة للفريقين:

وأود أن أنصح الفريقين من السنة والشيعة أن يحرصوا على نقل الأقوال التي من شأنها أن تجمع ولا تفرق ، وأن تقرب ولا تباعد، وأن تزرع المحبة لا الأحقاد ولا البغضاء؛ فإنها هي الحالقة، لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين.

من ذلك ما نقله العلامة الهندي الشيخ رحمة الله في كتابه القيم (إظهار الحق) الذي رد به على المنصِّرين فأفحمهم؛ قال رحمه الله: (وأنقل خمسة أقوال لأهل البيت عليهم السلام، على عدد الخمسة الطاهرين عليهم السلام.

  1. في "نهج البلاغة" الذي هو كتاب معتبر عند الشيعة، قول علي رضي الله عنه هكذا: (لله در فلان فلقد: 1: قوم الأَوْد، 2: وداوى العمد، 3: وأقام السنة، 4: وقمع البدعة، 5: ذهب نقي الثوب، 6: قليل العيب، 7: أصاب خيرها، 8: وسبق شرها، 9: أدى إلى الله طاعته، 10: واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ويستيقن المهتدي) انتهى.

    والمراد بفلان -على مختار أكثر الشارحين، منهم البحراني- أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعلى مختار بعض الشارحين: عمر الفاروق رضي الله عنه، فذكر علي رضي الله عنه عشرة أوصاف، من أوصاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلا بد من وجودها، ولما ثبتت هذه الأوصاف له بعد مماته بإقرار علي رضي الله عنه، فما بقي في صحة خلافته شك.

  2. وفي "كشف الغمة" الذي هو تصنيف علي بن عيسى الأردبيلي الإثنا عشري الذي هو من الفضلاء المعتمدين عند الإمامية: (سئل الإمام جعفر عليه السلام عن حلية السيف: هل تجوز؟ فقال: نعم، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. فقال الراوي: أتقول هكذا؟ فوثب الإمام عن مكانه، فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له: الصديق، فلا صدّق الله قوله في الدنيا والآخرة).

    فثبت بإقرار الإمام الهمام أن أبابكر الصديق رضي الله عنه صديق حق، منكره كاذب في الدنيا والآخرة.

  3. ووقع في بعض مكاتيب علي رضي الله عنه -على ما نقل شارحو نهج البلاغة- في حق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما هكذا: "لعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لحرج في الإسلام شديد، رحمهما الله، وجزاهما الله بأحسن ما عملا".

  4. ونقل صاحب "الفصول" الذي هو من كبار علماء الإمامية الإثنا عشرية عن الإمام الهمام محمد الباقر رضي الله عنه هكذا: "إنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم: ألا تخبروني.. أنتم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله؟ قالوا: لا. قال: فأنتم من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم فقد برئتم أن تكونوا أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10].

    فالخائض في الصديق والفاروق وذي النورين رضي الله عنهم خارج من الفرق الثلاثة الذين مدحهم الله بشهادة الإمام الهمام رضي الله عنه.

  5. وفي التفسير المنسوب إلى الإمام الهمام الحسن العسكري رضي الله عنه وعن آبائه الكرام: (إن الله أوحى إلى آدم ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآل محمد وأصحاب محمد: ما لو قسمت على كل عدد ما خلق الله في طول الدهر إلى آخره، وكانوا كفارا، لأداهم إلى عاقبة محمودة، وإيمان بالله، حتى يستحقوا به الجنة، وإن من يبغض آل محمد وأصحابه أو واحدا منهم يعذبه الله عذابا لو قسم على مثل خلق الله لأهلكهم أجمعين).

    فعلم أن المحبة إنما تكون بالنسبة إلى الآل والأصحاب رضي الله عنهم لا بالنسبة إلى أحدهما، وإن بُغض واحد من الآل والأصحاب كاف للهلاك، نجانا الله من سوء الاعتقاد في حق الصحابة والآل رضوان الله عليهم أجمعين، وأماتنا على حبهم، ونظرا إلى الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة اتفق أهل الحق على وجوب تعظيم الصحابة رضي الله عنهم[5].

المصارحة بالحكمة

ومن مبادئ الحوار الإسلامي الإسلامي أن يصارح بعضنا بعضا بالمشاكل القائمة، والمسائل المعلقة ، والعوائق المانعة، ومحاولة التغلب عليها بالحكمة والتدرج والتعاون المفروض شرعا بين المسلمين بعضهم وبعض.

فليس من الحكمة أن نخفي كل شيء، أو نسكت عنه، أو نؤجله وندعه معلقا دون أن نجرؤ على إثارته أو الكلام فيه؛ فهذا لا يحل مشكلة، ولا يقدم علاجا، أو يقرب بين الفريقين خطوة واحدة.

من ذلك ما ذكرته للإخوة من علماء الشيعة حين زرتهم في إيران، وهو أن من المهم أن نراعي (فقه الموازنات) و(فقه الأولويات) في العلاقة بين بعضنا وبعض. فقد يتراءى للبعض أن ينشر المذهب الشيعي في البلاد السنية الخالصة مثل مصر أو السودان، ورأيي أن هذا عمل ضرره أكبر من نفعه؛ لأنه يثير فتنا وبلبلة في مجتمع واحد مستقر على السنة، ويحدث توترا وغضبا ضد الشيعة، في حين لا تكسب للشيعة من وراء ذلك إلا أفرادا معدودين هم في غنى عنهم. فأيهما أرجح في ميزان المصالح الحقيقية: إثارة شعب بكل فئاته ضد المذهب أم كسب أفراد منه؟

وأذكر أني تكلمت في هذا الموضوع، وكان العلامة الشيخ التسخيري حاضرا، فقال: صدقت والله، ولنا في ذلك تجربة حية؛ فقد كانت علاقتنا جيدة مع (ثورة الإنقاذ) في السودان، وفتحنا مكتبا هناك وتصرف مدير المكتب تصرفا أثار الإخوة هناك، بأن وزع عدة مئات من كتاب عنوانه (ثم اهتديت) على لسان رجل كان سنيا ثم تشيع، فما كان من الإخوة في الخرطوم إلا أن أغلقوا المكتب نهائيا، وطردوا مديره.

ومن هنا أقول: ينبغي للشيعة ألا يحاولوا نشر المذهب الشيعي في بلاد السنة الخالصة، ولا لأهل السنة أن ينشروا مذهبهم في البلاد الخالصة للمذهب الشيعي، إبقاء على الود، واتقاء للفتنة.

ومما صارحت به الإخوة في إيران ضرورة مراعاة حقوق الأقلية السنية بين الشيعة، أو الحقوق الشيعية بين السنة. وكان مما قلته للإخوة هناك أن في مصر أقلية قبطية، ولهذا يراعى في كل حكومة أن يكون لها وزيران أو ثلاثة على الأقل.

وفي إيران أقلية كبيرة من أهل السنة من الأكراد ومن العرب، وهم شافعية، ومن البلوش وهم حنفية، ولكنهم لا يمثلون في الحكومة ولا بوزير واحد، وكل المحافظين الذي يولون عليهم من الشيعة. فقيل لي: هم ممثلون في مجلس الشورى، قلت: ولكن ليس بنسبة عددهم، على أن مجلس الشورى شيء، ومجلس الوزراء شيء آخر.

ومما قلته للإخوة أيضا في إيران: إن أهل السنة في طهران يقدرون بمليونين أو أكثر، وهم يطالبون منذ سنين بإقامة مسجد لهم، يجتمعون فيه لأداء فريضة صلاة الجمعة، ويشاركهم في ذلك السفراء العرب والمسلمون، فلم تستجب السلطات لهم حتى الآن.

قال لي أحد المشايخ: ولماذا لا يصلي أهل السنة مع الشيعة في مساجدهم؟ قلت: إن صلاة الجمعة ليست مطلوبة عند الشيعة طلبها عند أهل السنة ما دام الإمام غائبا، ولهذا لا تقام جمعة في طهران إلا في مسجد واحد هو مسجد الجامعة.

على أن من حق كل طائفة أن تصلي في المسجد الذي يحقق مطالبها، ولا يجوز أن يفرض على الناس ما يخالف معتقداتهم ومذاهبهم.

وفي مصر جمعية دينية معروفة، هي (الجمعية الشرعية) التي أسسها العلامة الشيخ محمود خطاب السبكي، وهذه لها مساجدها الخاصة بها، تبنيها على طريقتها وذوقها، فليس لها مآذن في العادة، ومنبرها من ثلاث درجات، ولهم فيها صلاة طويلة في القراءة والتسبيح والركوع والسجود، ينفردون بها عن غيرهم. ولم ينكر أحد في مصر لا من العلماء ولا من غيرهم حق الجمعية الشرعية في إقامة هذه المساجد، وإقامة الصلاة بها على الوجه الذي يرضونه.

والوضع الآن في العراق -بعد زوال حكم الطاغية صدام حسين، وسقوط النظام البعثي- يجب أن تعالج العلاقة بين السنة والشيعة بالمصارحة اللازمة في هذه الآونة الخطيرة، وأن يراعى العدل في اقتسام تركة البعث. فالحق أن أهل السنة في العراق يشكون من أن إخوانهم الشيعة يريدون أن يرثوا التركة وحدهم، ولا يكادون يتركون للسنة إلا الفتات. حتى المساجد التي في مناطق أهل السنة استولى عليها الإخوة الشيعة، ومنها: مسجد صدام الكبير، الذي بني في منطقة ليس فيها شيعي واحد!

وحجة الشيعة: أن "صدام" كان سنيّا، وأنه مالأ أهل السنة. وهذا قول مردود. وعقلاء الشيعة يعرفون ذلك. فلم يكن صدام بالسني ولا بالشيعي، ولا علاقة له بالإسلام. وعلاقته بالإسلاميين -عسكريين ومدنيين، سنيين وشيعيين- دموية. فلم يكن يهتم بالدين أصلا، لا عقيدة ولا شريعة، ولا قيمًا ولا أخلاقًا. فنسبته إلى السنة ظلم، ومعاقبتهم بسبب طغيانه أمر منكر؛ فقد أصاب العراق كله منه شر كثير، أصاب العرب والأكراد، وأصاب الشيعة والسنة جميعا.

محاور موضوع الشيخ القرضاوي:

طالع أوراق ملف (التقريب بين السنة والشيعة):


رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

[1] رواه البخاري في الجهاد (3007) و(3081)، وفي المغازي (3983)، وفي مواضع أخرى بالأرقام التالية: (4274) و(4890) و(6259) و(6939)، ومسلم في فضائل الصحابة (2494)، كلاهما عن علي رضي الله عنه.

[2] تفسير القرطبي (16/322،321) طبعة دار الكتب المصرية.

[3] انظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته (ج2 ص 1222، 1223) طبعة المكتب الإسلامي - بيروت.

[4] إحياء علوم الدين (3/125، 126) طبعة دار المعرفة - بيروت.

[5] من كتاب (إظهار الحق) تحقيق عمر الدسوقي ص445، 446.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم