|
ومن المبادئ المهمة هنا أيضا أن نكون على حذر من كيد أعداء الأمة، ودسائسهم التي يريدون بها أن يفرقوا جمعها، و يشتتوا شملها، ويمزقوا صفوفها ؛ فلا تتوحد على غاية، ولا تجتمع على طريق.
وقد حفظنا من فلسفتهم منذ بدأ استعمارهم لبلادنا وغيرها هذه الكلمة المعبرة عن غايتهم وطريقتهم (فرّق تسد) . فهم يجتهدون كي يفرقوا كلمتنا من أجل أن يحكمونا ويسودونا.
ومن المعروف أن الاتحاد قوة، بل الاتحاد يقوي القلة، والتفرق يضعف الكثرة، وما نال أعداء الأمة المسلمة منها إلا يوم تفرقت واختصمت واختلفت راياتها، وتعددت قياداتها، وتنازعوا فيما بينهم، فهيؤوا الفرصة لعدوهم أن ينفذ إليهم، وأن ي نفث سمومه فيما بينهم، حتى يكيد بعضهم لبعض، ويذوق بعضهم بأس بعض، وحق عليهم قوله تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46] وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا" [1].
وليس أغيظ لأعداء الأمة من اجتماع شملها، ووحدة كلمتها، وليس أسر لقلوبهم وأسعد لنفوسهم من اختلاف الأمة على نفسها، وتفرقها من داخلها.
فإذا رأوا الأمة قد التفت جموعها حول هدف واحد، وعقيدة واحدة، وقيادة واحدة ؛ فإن هذا يسوؤهم، ويشعل جمرة الحسد والغيظ في صدورهم، ويدفعهم لأن يعملوا بكل وسيلة، وكل حيلة، لإحالة الوحدة إلى فرقة، والأخوة إلى عداوة.
وهذا ما حدث في عهد النبوة ؛ حيث رأى بعض اليهود - شاس بن قيس – الأوس والخزرج، وقد جمعتهم عقيدة الإسلام، وضمتهم أخوة الإسلام، ونسوا ما كان بينهم في الجاهلية من حروب ودماء و ثا را ت ، استمرت أزمانا طويلة، بدلهم الله بالحروب سلاما، وبالمخاوف أمنا، وبالعداوات إخاء وحبا، ساء هذا المشهد الأخوي: اليهودي الخبيث، فآلى على نفسه أن يذكرهم بالجاهلية وأيامها، وما كان فيها من انتصار لفريق على فريق، وطفق ينشد الأشعار المهيجة التي أنشدها شاعر هؤلاء، فيرد عليه الآخرون بما قال شاعرهم، حتى ثارت حمي ة الجاهلية، وتنادى رجال الأوس: ي اللأوس! ورجال الخزرج: ياللخزرج! وقال الجميع: السلاح السلاح!!
وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ف أ ق بل إليهم ي قول: أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم؟ دعوها، فإنها منتنة! وذكرهم الله، وتلا عليهم القرآن.. فبكوا وندموا وتابوا، وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج، وعلموا أنها نز غ ة شيطان.
وفي ذلك نزلت الآيات الكريمة من سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (أي بعد وحدتكم متفرقين، وبعد أخوتكم متعادين كما يدل السياق) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ (أي تتفرقون) وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.. إلى أن قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 100-103].
وشاس بن قيس اليهودي القديم الذي حاول أن يفرق بين الأوس والخزرج، لا يزال موجودا بأسماء أخر، وعناوين أخر، ولكن هدفه باق ومستمر، وسيظل هو و أعوانه وأبناؤه وإخوانه يمارسون مهمتهم في الكيد لأمتنا و إ غرا ء بعضها ببعض، وتخويف بعضها من بعض، وتبغيض بعضها لبعض. وهم يلعبون على كل حبل، وينفذون من كل ثُغرة، ليمزقوا الأمة شر ممزق، حتى تتفرق أيدي سبأ.
فأحيانا ينفذون من ثُغرة اختلاف الديانة، ليقولوا: مسلم ومسيحي، كما يفعلون في مصر.
وأحيانا ينفذون من ثُغرة اختلاف العِرْق، كما يقولون في العراق: عرب وأكراد، وفي الجزائر والمغرب: عرب وبربر.
وأحيانا ينفذون من اختلاف المذهب، كما يفعلون بين المسلمين بعضهم وبعض، في العراق ولبنان ليقولوا: سني وشيعي، أو في عُمان، ليقولوا: سني وإباضي.
حتى إذا لم يجدوا شيئا من ذلك قالوا: قومي وإسلامي، أو يميني ويساري، أو ثوري وليبرالي ... إلى آ خر هذه التقسيمات.
ولكن المراقبين الأي ق اظ يلاحظون أنهم يركزون منذ مدة على الاختلاف المذهبي بين المسلمين ؛ فهم يتمنون من أعماق صدورهم أن يشعلوها فتنة تأكل اليابس والأخضر، وأن يوقدوها حربا أهلية صريحة بين السنة والشيعة ؛ فقد كانت حرب العراق وإيران يغلب عليها الطابع القومي: حرب العرب والفرس، وهم يريدونها حربا دينية مكشوفة القناع بين السنة والشيعة!! يريدون أن يتحارب الجميع وهم يتفرجون، وأن يأكل بعضهم بعضا، ليتولوا وهم فرحون (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30].
ومهما تختلف الأمة بعضها مع بعض فلا يجوز بحال أن يتحول خلافها إلى قتال بعضها بعضا ؛ فهذا ما حذر منه رسولهم صلى الله عليه وسلم أبلغ التحذير في حجة الوداع، حين قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" [2].
بل المفروض في الأمة المسلمة أن تكون يدا واحدة على أعدائها، كما في الحديث: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على م ن سواهم" [3].
وإن من أشد المصائب على الأمة: أن يصبح بأسها بينها، كما وصف الله اليهود قديما (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر: 14].
ومن العقوبات القدرية الإلهية للأمم: أن يذوق بعضها بأس بعض، كما قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام: 65] .
إن الأمة - بجميع طوائفها ومدارسها ومذاهبها وعروقها وأقاليمها - مدعوة لأن تستيقظ لما يراد بها، وأن تقف مع نفسها وقفة طويلة للحساب والمراجعة، وأن تعرف من لها ، ومن عليها، من صديقها ومن عدوها، وخصوصا بعد حرب العراق وما وراءها من تداعيات وآثار، وظهور أمريكا قوة وحيدة، متألهة مستكبرة في الأرض، لا تُسأل عما تفعل، ولا تسأل عما تريد.
آن للضعفاء أن يتحدوا ليواجهوا القوة الطاغية، وآن للمؤمنين أن يتحدوا ليواجهوا الفرعونية الجديدة التي تقول للناس: أنا ربكم الأعلى .
ضرورة التلاحم في وقت الشدة
وإذا جاز لبعض الناس أن يتفرقوا ويختلفوا في أوقات العافية والرخاء والنصر ؛ فلا يجوز لهم بحال أن يتفرقوا في ساعات الشدة والعسرة والمحنة ؛ فالمفروض أن المحن تجمع المتفرقين، وأن المصائب ت جمع المصابين، وقديما قال الشاعر: عند الشدائد تذهب الأحقاد.
ونحن الآن نعاني محنا قاسية، وقوارع شديدة، في كل وطن من أوطاننا، وفي أمتنا بصفة عامة، وخصوصا بعد أحداث 11سبتمبر 2001م ؛ فقد دخلت الأمة من مشرقها إلى مغربها في امتحان عسير، وموقف خطير، يستوجب منها عامة، ومن علمائها ودعاتها وفصائل صحوتها خاصة .. أن ينسوا خلافاتهم الجانبية، ومعاركهم الهامشية، ويقفوا في جبهة واحدة متراصة في المعركة التي يواجهها الإسلام وأهله ؛ فعند المعركة يجب أن يتلاحم الجميع، ويتساند الجميع، ولا يعلو صوت نشاز، يفرق الأمة في ساعة الخطر، كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف: 4].
وإن من أشد المخاطر أن يتلاحم خصوم الأمة من أهل الكفر، ويوالي بعضهم بعضا، في حين يتباعد أهل الإيمان ويتخاذلون، وهو ما حذر منه القرآن في قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: 73] أي إن لم يوال بعضكم بعضا، ويتكاتف بعضكم مع بعض كما يفعلون، تكون الفتنة والفساد الكبير ؛ لأن معناه أن أهل الباطل يتجمعون، وأهل الحق يتفرقون، وأن هناك عملا وهنا فراغا، هذا هو الخطر كل الخطر.
وقد رأينا غير المسلمين يتجمعون ويتوحدون، على الرغم من وجود أسباب للخلاف بينهم، بعضها تاريخي، وبعضها واقعي، كما رأينا في الاتحاد الأوربي، الذي حدث بين بلاده بعضها وبعض حروب وحروب، آخرها الحربان العالميتان، اللتان سقط فيهما ملايين الضحايا، ومع هذا طرحوا هذه المآسي وراءهم ظهريا، ووجدوا مصلحتهم الكبرى في أن يتحدوا.
وقبل ذلك رأينا التقارب بين المذاهب المسيحية بعضها وبعض، وبين المسيحية عموما واليهودية، برغم العداء التاريخي بينهما، حتى أصدر الفاتيكان وثيقته الشهيرة بتبرئة اليهود من دم المسيح!
والمسلمون - وحدهم - هم الذين يختلفون ويتنازعون بعضهم مع بعض، مع توافر الكثير من أسباب الوحدة بينهم، وحسبهم أنهم جميعا من أهل القبلة، وأنهم جميعا من أهل (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وأنهم جميعا رضوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.
ولقد ذكر القرآن الكريم في قصة موسى عليه السلام: حادثة فيها تبصرة وعبرة لأولي الأبصار، وهي قصة هارون عليه السلام مع قومه، حين ذهب موسى إلى مناجاة ربه أربعين ليلة، فأضلهم السامري، وأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. وأطاعه القوم وعبدوا العجل، الذي لا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا يهديهم سبيلا. (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: 90،91].
ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا لما فعلوه في غيبته، وألقى ألواح التوراة في الأرض غضبا لله وللحق، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، قائلا له: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: 92-94].
وقد رضي موسى بهذا الجواب من أخيه، وأقره القرآن الكريم، فدل على أن ما رعاه هارون أمر له اعتباره في ميزان الدين، وهو: الحرص على وحدة الجماعة، حتى لا تتمزق، والسكوت على منكر كبير، بل هو أكبر منكر - وهو الإشراك بالله تعالى بعبادة غيره سبحانه - حرصا على وحدة الجماعة، وهو قطعا سكوت مؤقت، حتى يرجع موسى من رحلته، ويتفاهم الأَخَوان معا في علاج الموقف الخطير بما يلائمه.
ولا يقول أحد: إن هذا كان شرع من قبلنا، فإنما يذكر القرآن هذه القصص لنأخذ منها العبرة والدروس، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ) [يوسف: 111].
وقال تعالى لرسوله بعد أن ذكر له عددا من أسماء رسله الكرام: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90] [4].
إن توحيد الأمة الإسلامية مطلوب في كل حين، وهو أشد ما يكون طلبا في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا. فاتحادها فريضة وضرورة فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع الإسلامي، والواقع العالمي. فالاتحاد قوة لها، والتفرق يجعلها ضحية سهلة يمكن للأعداء أن يأكلوها قطعة قطعة.
وأختم بحثي هذا بقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10].
وأدعو الله تعالى بما دعا التابعون بإحسان، الذين جاؤوا من بعد المهاجرين والأنصار، يقولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10].
محاور موضوع الشيخ القرضاوي:
طالع أوراق ملف (التقريب بين السنة والشيعة):
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
|