|
ومن المبادئ التي تجب رعايتها في حوار المسلمين بعضهم مع بعض.. البعد عن شطط الغلاة والمتطرفين من كلا الفريقين، الذين يثيرون الفتن في حديثهم إذا تحدثوا، وفي كتابتهم إذا كتبوا، وإذا كانت الفتنة نائمة أيقظوها، أو ساكنة حركوها، أو ضعيفة تبرعوا لها من دمائهم حتى تحيا وتقوى.
إن المعوّل عليه هنا هم: المعتدلون من أهل البصيرة والحكمة، الذين لا يتشنجون، ولا يتنطعون، وينظرون إلى الأمور بهدوء وعقلانية ووسطية، لا ينظرون إلى الأمر من زاوية واحدة، بل من جميع زواياه، ولا يكتفون بالنظر إلى السطح، بل يحاولون أن يغوصوا في الأعماق، ولا يقتصرون على آثاره اليوم، بل يمتدون ببصرهم إلى المستقبل، وهؤلاء هم الذين رزقوا (الفقه) بمعناه الواسع.. ونعني به: فقه السنن، وفقه المقاصد، وفقه المآلات، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات.
إننا إذا نظرنا في ضوء هذا الفقه الرحب المنشود نجد أن المصلحة تقتضي توحيد المسلمين في مواجهة القوى الكبرى المتربصة بهم، والمعادية لهم، ويكفي أن يتوحدوا أو يتجمعوا على (الحد الأدنى). وأدنى الحدود هو: (ما يصير به المسلم مسلما). وإنما يصير مسلما بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومعنى هذا: أن أهل لا إله إلا الله، وبعبارة أخرى (أهل القبلة) أي الذين يتجهون في صلاتهم إلى القبلة يجب أن يتحدوا ويجتمعوا في صورة من الصور.
إن الأمة لا تستطيع أن تواجه أعداءها وهي متفرقة، ولا تستطيع أن تحقق أهدافها وهي متفرقة، ولا تستطيع أن تطور إمكاناتها وهي متفرقة، ولا أن تكسب لها مكانا في عالم اليوم –عالم الثورات العلمية– وهي متفرقة.
وأقل مظاهر الاتحاد: الجانب السلبي منه، وهو طرح العداوة، وترك الجفوة؛ فلا يعادي بعض الأمة بعضا، ولا يجافي بعضها بعضا، ناهيك من أن يكيد بعضها لبعض، أو يقاتل بعضها بعضا.
ومن أبرز مظاهر الغلو الذي يجب أن يُجتنب: السقوط في هاوية (التكفير). وهو أمر خطير، تترتب عليه آثار هائلة؛ لأن مقتضى الحكم بالكفر على إنسان: أنك حكمت عليه بالإعدام المادي والأدبي: أي أهدرت دمه، وأخرجته من الملة، وحرمته من ولاء الأمة والأسرة، حتى لو لم يقم عليه حد الردة؛ فهو ميت أدبيا ومعنويا.
إن أشد ما يعاقب به الإنسان المسلم: أن يُحكَم عليه بالكفر، وهذا باب لا يجوز فتحه لكل من هب ودب من الناس، يكفر من يشاء بغير ضابط ولا رابط ولا أصل ولا قاعدة.
إن الأصل: أن من دخل الإسلام بيقين لا يجوز أن يخرج منه إلا بيقين مثله أو أشد منه، فإن من القواعد المتفق عليها: أن اليقين لا ي ُ زال بالشك. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من التكفير تحذيرا بليغا، حين قال: "أيما رجل قال لأخيه: يا كافر ؛ فقد باء بها أحدهما"[1] أي رجعت وصمة الكفر إلى أحدهما. فإذا رميت مسلما بالكفر – ولم يكن كافرا بيقين – ارتدت تهمة الكفر إليك، وهذا خطر جسيم.
لقد ابتليت الأمة من قديم بداء التكفير، حتى وجد من كفر بعض الصحابة رضي الله عنهم، بل وجد من كفر فارس الإسلام، وابن الإسلام البكر، زوج فاطمة البتول، وابن عم الرسول، وسيفه المسلول: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى استحلوا دمه وقتلوه، وأثنى شاعرهم على قاتله:
|
يا ضربة من تقي ما أراد بها
|
|
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا! |
| إني لأذكـره يوما فـأحسبه |
|
أوفـى البرية عند اللـه ميزانا!! |
ولقد رأينا لهؤلاء المكفرين القدامى ورثة جددا، ممن يسمونهم (جماعات التكفير) وممن لا يسمون بذلك، ولكنهم يحملون روحهم وت ف كيرهم. إنهم يوزعون (تهمة الكفر) على الناس بالجملة والمفرّق، ولا يكادون يستثنون أحدا من المسلمين، ما لم يدخل في جماعتهم، ويسرْ في ركبهم.
إنهم يكفرون الحكام والمحكومين، ويكفرون العلماء والأميين، ويرتبون على هذا التكفير آثاره من استباحة الدماء والأموال، فلم ت عد دماء هؤلاء ولا أموالهم معصومة، على خلاف الأحاديث الصحاح التي تقول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله"[2].
ومن ذلك: حديث أسامة بن زيد الشهير الذي قتل في إحدى المعارك رجلا، بعد أن قال بلسانه: " لا إله إلا الله" فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قتلته بعد أن قال : "لا إله إلا الله؟" قال: إنما قالها تعوذا من السيف! قال: هلا شققت ع ن قلبه ! وظل الرسول يكررها على أسامة: أ قتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! حتى قال أسامة: ما زال يكررها، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم![3].
وعن المقداد بن الأسود: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فاقتتلنا، فضر ب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لا ذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله؟ أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال رسول الله: "لا تقتله" فقال: يا رسول الله، إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد قطعها! فقال رسول الله: "لا تقتله " ، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تق ت له، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"[4].
ذلك أن الإسلام ي َ ج ُ ب ُّ ما قبله من الكفر وأعماله، والإسلام هنا هو كلمة التوحيد، وقد قالها . واستباحة قتل الرجل بعد إسلامه يحبط عمل قاتله، والعياذ بالله.
وإذا كان في المسلمين اليوم أناس متخصصون في تكفير المسلمين جميعا: سنيهم وشيعيهم، عربيهم وعجميهم، أحيائهم وأمواتهم؛ فهناك ف ئة متخصصة في تكفير الشيعة دون غيرهم، وربما أضافت إليهم بعض طوائف أخرى من المسلمين.
أ - هؤلاء يقولون: إن الشيعة يؤمنون بتحريف القرآن، وأنه ناقص، وهذه العقيدة تكفي لتكفيرهم، لإنكارهم معلوما من الدين بالضرورة.
ب - ويقولون أيضا: إن الشيعة ينكرون السنة مصدرًا ثانيا للشريعة الإسلامية، ولا يعترفون بكتب السنة المشهورة لدى الأمة: البخاري ومسلم وغيره م ا، ومثل هذا كا ف لتكفيرهم، ولذلك ينكرون رؤية الله في الآخرة مما ثبت بصريح السنة.
جـ- ويقولون كذلك: إن الشيعة يسبون الصحابة، بل يكفرونهم ، مخالفين بذلك القرآن والسنة وإجماع الأمة. وخصوصا سب الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
د - ويقولون أيضا: الشيعة يد ّ عون العصمة لأئمتهم، ولا عصمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يد ّ عون أنهم أفضل من الأنبياء، وأنهم يعلمون الغيب.
هـ- ويقولون: إ ن الشيعة لا يعرفون توحيد الإلهية، ولذا يدعون أئمتهم وأولياءهم عند الشدائد، ويستغيثون بهم من الكروب، وينذرون لهم النذور، وإذا زاروا مشاهدهم وأضرحتهم: خروا من بعيد سجدا، لا يصلون إليها إلا زاحفين على ركبهم، وهذه كلها ضروب من الشرك الذي ينافي حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل، ويوافق ما كان عليه مشركو العرب الذين قالوا عن آلهتهم وأصنامهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) وقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) .
ونستطيع أن نرد على هذه الاتهامات كلها بأنها لا تؤدي إلى الكفر المخرج من الملة.
أ - فقد بينا أن الشيعة جميعا يؤمنون بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله المحفوظ المعجز الملزم للأمة، ولهذا يحفظون هذا القرآن، ويتعبدون بتلاوته، ويحتجون به في مسائل العقيدة، وفروع الأحكام، وهذا مجمع عليه عندهم. ولم نجد لهم مصحفا يخالف مصحفنا، والمصحف الذي يطبع في إيران هو نفس المصحف الذي يطبع في مصر والسعودية.
وأما دعوى أن هناك أجزاء ناقصة من القرآن، فليسوا متفقين عليها، بل ينكرها محققوهم. على أن هذه الزيادات المزعومة، لا يترتب عليها أي أمر عملي.
ب - وأ ما السنة فهم يؤمنون بها مصدرا ثانيا للأحكام، ولكنهم لا يأخذونها إلا من طريق رواتهم خاصة، وهذه لا تقتضي تكفيرا مخرجا من الملة، قد تقتضي الحكم بالبدعة، لا بالكفر.
جـ- وأما سب الصحابة – وإن كان أمرا جللا- فلهم فيه شبهة وتأويل، يبعدهم عن الكفر الكامل، وقد يدخلون في فسق التأويل.
د - وأما دعوى (عصمة الأئمة) فنحن نخطئهم في ذلك، ولا نرى في هذا (كفرا بواحا) فإن ما جاء عن أئمتهم: إما أنها عندنا أحاديث نبوية، وإما أنها (آراء اجتهادية) ككثير مما روي عن فقهاء المدينة السبعة، وأمثالهم من فقهاء الحجاز والعراق واليمن والشام ومصر وغيرها، وما جاء عن الأئمة الأربعة وغيرهم، ولذا كانت ثم رة هذا كله: الفقه الجعفري بما فيه من استنباط واختلاف، وهو لا يفترق في مجموعه عن الفقه السني، إلا كما تختلف مذاهب السنة بعضها مع بعض.
هـ- وأما مسألة التوحيد والشرك، وما وقع فيه الشيعة من شرك العوام، فهو أشبه بما وقع فيه غالب أصحاب الطرق الصوفية عند أهل السنة، فما عند الشيعة من دعاء واست غ ا ث ة بأئمتهم موجود عند السنة بالنسبة للأولياء المقربين عندهم، وبعضهم من آل البيت مثل الحسين والسيدة زينب وغيرهما، وبعضهم من غيرهم.
ومن رأى ما يفعله عوام أهل السنة عند قبور الأولياء المشاهير مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وأحمد الرفاعي، وابراهيم الدسوقي، وغير هؤلاء .. علم أن الداء مشترك بين الجميع، مع اختلاف الدرجة في بعض الأحيان.
وإن كان هناك ميزة للسنة على الشيعة في هذا الجانب، وهو أن كثيرا من أهل العلم ينكرون هذه البدع ويشنعون عليها، ويدعون الناس إلى التوحيد الخالص، ولا نجد مثل هذا واضحا عند الشيعة.
من أقوال الشيعة المعتدلين:
وينبغي لنا في حوارنا الإسلامي الإسلامي، لكي يؤتي ثمرته في التقريب بين أبناء الأمة أن نشيع أقوال المعتدلين من الفريقين، كما نغض الطرف عن أقوال الغلاة والمهيجين، الذين يريدون أن يؤججوها نارا حامية، لا تبقي ولا تذر، كأنما هي سقر، اللواحة للبشر.
وعلى هذا المنوال أنقل هنا ما ذكره العلامة الشي خ رحمة الله الهندي الكيرانوي من أقوال عن أئمة الإثنا عشرية في عصمة القرآن من التحريف والتبديل ، ذكرها ليرد بها على المبشرين من دعاة التنصير الذي ن شككوا في القرآن بدعوى أن الشيعة يقولون بنقصانه وتحريفه، فنقل عنهم ما نقل، لرد هذه الدعوى، بشهادة شهود من أهلها.
قال رحمه الله:
(و أما الجواب عنه تحقيقا فلأن القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية ال إ ثن ا عشرية محفوظ عن التغيير والتبديل، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه ؛ فقوله مردود غير مقبول عندهم.
-
قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، الذي هو من أعظم علماء الإمامية ال إ ثن ا عشرية في رسالته الاعتقادية: "اعتقادنا في القرآن أن القرآن الذي أنزل الله على نبيه هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول: إنه أكثر من ذلك فهو كاذب) انتهى.
-
وفي تفسير (مجمع البيان) الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة (ذكر السيد الأجل المرتضى، علم الهدى ذو المجد، أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى إن جماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم عدة ختمات، وكل ذلك بأدنى تأمل يدل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منشور ولا مبثوث، وذكر أن من خالف من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) انتهى.
-
وقال السيد المرتضى أيضا: (إن العلم بصحة القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله، وبلغت حدا لم تبلغ إليه فيما ذكرناه ؛ لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء فيه، من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته ؛ فيكف يجوز أن يكون مغيّرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟) انتهى.
-
وقال القاضي نور الله الشوستري الذي هو من علمائهم المشهورين، في كتابه المسمى بمصائب النواصب: (ما نسب إليه الشيعة الإمامية بوقوع التغير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم) انتهى.
-
وقال الملا صادق في شرح الكليني: (يظهر القرآن بهذا الترتيب - المعروف الآن - عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به) انتهى.
-
وقال محمد بن الحسن الحر العاملي، الذي هو من كبار المحدثين في الفرقة الإمامية، في رسالة كتبها في رد بعض معاصريه: (هركسيكه تتبع أخباره وتفحص تواريخ وآثار نموده بعلم يقيني ميداندكه قرآن درغاية وأعلى درجة تواتر بود وآلاف صحابة حفظ ونقل ميكردندآن راودر عهد رسول خدا صلى الله عليه وسلم مجموع ومؤلف بود) انتهى.
فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الإمامية ال إ ثن ا عشرية أن القر آ ن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، وأنه كان مجموعا مؤلفا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه ونقله ألوف من الصحابة وجماعة من الصحابة، كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم عدة ختمات، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر رضي الله عنه، والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغير ؛ فقولهم مردود ، ولا اعتداد بهم فيما بينهم، وبعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته، وهو حق ؛ لأن خبر الواحد إذا اقتضى علما، ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده، وعلى ما صرح ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى بـ"مبادئ الوصول إلى علم الأصول"، وقد قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] في (تفسير الصراط المستقيم) الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة: (أي: إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان) انتهى[5].
من أقوال أهل السنة المعتدلين:
وكما حبذنا النقل عن المعتدلين من علماء الشيعة ينبغي أن نحبذ النقل عن المعتدلين من أهل السنة؛ مما يخفف حدة التوتر، ويساعد في التقريب بين الفريقين.
من ذلك: ما ذكره علامة المتأخرين من علماء الحنفية ابن عابدين في حاشيته الشهيرة، المسماة (رد المحتار على الدر المختار) في قضية (ساب الشيخين) الذي أفتى بعضهم فيها بكفره، بل قال: إنه لا توبة له لو أراد التوبة: فقد ذكر الحصكفي في كتابه (الدر المختار شرح تنوير الأبصار) نقلا عن (الجوهرة) من كتب الحنفية: أن من سب الشيخين (أبا بكر وعمر) أو طعن فيهما كفر، ولا تقبل توبته. وبه أخذ الدبوسي وأبو الليث، وهو المختار للفتوى. انتهى. قال: وجزم به في (الأشباه) يعني: ابن نجيم في كتابه (الأشباه والنظائر) وأقره المصنف (صاحب تنوير الأبصار) قائلا: وهذا يقوي القول بعدم قبول توبة ساب الرسول صلى الله عليه وسلم. وهو الذي ينبغي التعويل عليه في الإفتاء والقضاء، رعاية لجانب حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. اهـ.
قال الشارح في (الدر المختار): لكن في (النهر) وهذا لا وجود له في أصل (الجوهرة) وإنما وجد على هامش بعض النسخ، فألحق بالأصل، مع أنه لا ارتباط له بما قبله[6]. انتهى.
وعلق على ذلك العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة، فقال: (قوله: لكن في النهر.. إلخ) قال السيد الحموي في حاشية الأشباه: حكي عن عمر بن نجيم: أن أخاه أفتى بذلك، فطلب منه النقل، فلم يوجد إلا على طرّة الجوهرة. اهـ.
(وأقول: على فرض ثبوت ذلك في عامة نسخ الجوهرة، لا وجه له يظهر، لما قدمناه من قبول توبة من سب الشيخين، بل لم يثبت ذلك عن أحد من الأئمة فيما أعلم. اهـ.
ونقله عنه السيد أبو السعود الأزهري في حاشية الأشباه.
أقول: نعم نقل في البزازية عن الخلاصة: أن الرافضي إذا كان يسب الشيخين ويلعنهما فهو كافر، وإن كان يفضل عليا عليهما فهو مبتدع. اهـ. وهذا لا يستلزم عدم قبول التوبة.
على أن الحكم عليه بالكفر مشكل، لما في (الاختيار): اتفق الأئمة على تضليل أهل البدع أجمع وتخطئتهم، وسب أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفرا لكن يضلَّل.. إلخ.
وذكر في (فتح القدير): أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويكفرون الصحابة: حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة، وذهب بعض أهل الحديث إلى أنهم مرتدون.
قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم. وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء.
وذكر في المحيط: أن بعض الفقهاء لا يكفر أحدا من أهل البدع، وبعضهم يكفرون البعض، وهو من خالف ببدعته دليلا قطعيا، ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الأول أثبت، وابن المنذر أعرف بنقل كلام المجتهدين. نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، ولكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من كلام غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا. اهـ.
قال ابن عابدين:(ومما يزيد ذلك وضوحا ما صرحوا به في كتبهم متونا وشروحا من قولهم: ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف، وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية.
وقال ابن ملك في شرح المجمع: وترد شهادة من يظهر سب السلف، لأنه يكون ظاهر الفسق، وتقبل من أهل الأهواء: الجبر والقدر والرفض والخوارج والتشبيه والتعطيل. اهـ. وقال الزيلعي: أو يظهر سب السلف، يعني الصالحين منهم، وهم الصحابة والتابعون؛ لأن هذه الأشياء تدل على قصور عقله، وقلة مروءته، ومن لم يمتنع عن مثلها لا يمتنع عن الكذب عادة بخلاف ما لو كان يخفي السب. اهـ.
(ولم يعلل أحد لعدم قبول شهادتهم بالكفر كما ترى، نعم استثنوا الخطابية، لأنهم يرون شهادة الزور لأشياعهم أو للحالف، وكذا نص المحدّثون على قبول رواية أهل الأهواء، فهذا فيمن يسب عامة الصحابة ويكفرهم، بناء على تأويل له فاسد، فعلم أن ما ذكره في الخلاصة من أنه كافر: قول ضعيف مخالف للمتون والشروح، بل هو مخالف لإجماع الفقهاء كما سمعت.
وقد ألف العلامة ملا علي القارئ رسالة في الرد على الخلاصة. وبهذا تعلم قطعا أن ما عزي إلى (الجوهرة) من الكفر مع عدم قبول التوبة -على فرض وجوده في الجوهرة- باطل لا أصل له، ولا يجوز العمل به، وقد مرّ: أنه إذا كان في المسألة خلاف -ولو رواية ضعيفة- فعلى المفتي أن يميل إلى عدم التكفير؛ فكيف يميل هنا إلى التكفير المخالف للإجماع، فضلا عن ميله إلى قتله وإن تاب؟ وقد مرّ أيضا: أن المذهب قبول توبة ساب الرسول صلى الله عليه وسلم.. فكيف ساب الشيخين؟
والعجب من صاحب (البحر) -يعني: ابن نجيم- حيث تساهل غاية التساهل في الإفتاء بقتله مع قوله: وقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء من ألفاظ التكفير المذكورة في كتب الفتاوى، نعم لا شك في تكفير من قذف السيدة عائشة رضي الله عنها، أو أنكر صحبة الصديق، أو اعتقد الألوهية في عليّ، أو أن جبريل غلط في الوحي، أو نحو ذلك من الكفر الصريح المخالف للقرآن، لكن لو تاب تقبل توبته.[7] انتهى).
محاور موضوع الشيخ القرضاوي:
طالع أوراق ملف (التقريب بين السنة والشيعة):
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
|