|
أول ما ينبغي أن تقوم عليه محاور الحوار الإسلامي الإسلامي، هو حسن الفهم؛ فمما لا ريب فيه أن حسن الفهم مطلوب في كل شيء، قبل البدء في أي عمل حتى يكون السير فيه على بصيرة؛ لأن صحة التصور ضرورية في صحة العمل والتصرف. ولهذا كان العلم في الإسلام مقدما على العمل، كما ترجم لذلك الإمام البخاري في صحيحه، واستدل لذلك بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد: 19] فأمر بالعلم قبل أن يأمر بالاستغفار.
ومن هنا كان أول ما نزل من القرآن: (اقرأ) وثاني ما نزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: 1-4]، فكانت القراءة وهي مفتاح العلم والفهم مقدمة على المطالبة بالأعمال.
ونعني بـ(حسن الفهم) حسن التعرف على حقيقة موقف الطرف الآخر، وذلك بأخذ هذا الموقف من مصادره الموثقة، أو من العلماء الثقات المعروفين، لا من أفواه العامة، ولا من الشائعات، ولا من واقع الناس؛ فكثيرا ما يكون الواقع غير موافق للشرع.
ومن المهم أن نفرق بين الأصول والفروع، وبين الفرائض والنوافل، وبين المتفق عليه والمختلف فيه، وبين الشائعات والحقائق، وبين ما يلزم به الفقه وما يعمله الناس من عند أنفسهم.
خذ مثلا قضية (تحريف القرآن) ؛ فهناك من علماء الشيعة من قالوا: إن القرآن الكريم محرف ؛ بمعنى أنه ناقص، وليس كاملا، وألفوا في ذلك كتبا، واستدلوا على ذلك ببعض الروايات التي تسند رأيهم من (الكافي) ومن غيره من كتبهم المعتبرة عندهم.
ولكن هذا الرأي ليس متفقا عليه ؛ فهناك من علمائهم من رد عليه ، و ف ند شبهاته، وهذا هو الذي يجب أن نعتمده، ولا نعتمد الرأي الآخر.
والذي يجعلنا نعتمد رأي نفاة التحريف في القرآن جملة أمور:
-
أنهم جميعا متفقون على أن ما بين دفتي المصحف كله كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
-
أن المصحف الذي عند الشيعة في كل العالم اليوم هو المصحف الذي يوجد عند أهل ال سن ة ؛ فالمصحف المطبوع في إيران هو نفسه المطبوع في السعودية وفي مصر وفي باكستان والمغرب وغيرها من بلاد العالم الإسلامي.
-
أن هذا القرآن - الذي يدعي البعض تحريفه - هو الذي ي فسره مفسرو الشيعة من قديم إلى اليوم، لا يوجد قرآن غيره يقومون بتفسيره، وهو الذي يتحدثون عن بلاغته وإعجازه إلى اليوم.
-
أن هذا القرآن هو الذي يستدلون به على معتقداتهم في كتبهم العقائدية، وهو الذي يحتجون به على الأحكام في كتبهم الفقهية.
-
أن هذا القرآن هو الذي يعلمونه لأولادهم في المدارس الدينية والحكومية، وعلى شاشات التلفاز وغيرها.
فهذا ما جعلنا نؤكد وجوب التفرقة بين المتفق عليه والمختلف فيه، والمتفق عليه هو الذي يلزمنا.
وخذ مثلا قضية حرص الشيعة في صلاتهم على السجود على حصاة ؛ فالشائع عندنا – أهل السنة- أن الدافع إلى ذلك هو تقديس الشيعة لهذه الحصاة ؛ لأنها من طينة كربلاء التي قتل فيها الحسين، أو دفن فيها رضي الله عنه. وقد كنت أنا شخصيا أ عتقد ذلك في أول الأمر، حتى زارنا في الدوحة في الستين ي ات من القرن العشرين الإمام موسى الصدر الزعيم الشيعي المعروف في لبنان، ورئيس المجلس الشيعي الأعلى بها، وقد تباحثنا في بعض الأمور، ومنها هذه الحصاة، فعلمت منه أن الشيعة الجعفرية يشترطون أن يكون السجود على جنس الأرض، فلا يجيزون السجود على السجاد أو الموكيت، أو الثياب أو نحوها.
ونظرا لأن أكثر المساجد أصبحت مفروشة بما لا يجوز السجود عليه في مذهبهم ؛ فقد حاولوا أن يوفروا لكل مصل حصاة من جنس الأرض يصلي عليها، وليس من الضروري أن تكون من طينة كربلاء، ولا من غيرها. وقد عرفت ذلك بالقراءة والدراسة في كتب الجعفرية، وعندي عدد منها، من (المختصر النافع) إلى (جواهر الكلام).
وعندما زرت إيران سنة 1998م تأكدت من ذلك ؛ فقد زارني كثير من العلماء في حجرتي في الفندق الذي أنزل فيه، وصلوا عندي، ولم يكن معهم هذا الحجر، بل وجدتهم أخذوا ورقة " كلينكس " ، ووضعوها أمامهم ليسجدوا عليها بدلا من الحجر أو الحصاة، واعتبروا الكلينكس من جنس الأرض؛ لأنه ليس من المنسوجات كالسجاجيد ونحوها.
المهم أن فكرة (الطينة المقدسة) التي كانت ثابتة عندي قد زالت بسؤال العلماء الثقات والأخذ عنهم، والاطلاع على المراجع العلمية الموثقة، بدل الأخذ بما يشاع عند عوام الناس دون استناد إلى بينة أو دليل.
وقد قال آية الله الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف): إن المستحسن عند الشيعة هو اتخاذ تربة طاهرة طيبة، ليتيقن من طهارتها من أي أرض أخذت، ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلها في ذلك سواء[1].
وهذا المبدأ - حسن الفهم - كما أطالب به أهل السنة في موقفهم من الشيعة .. أطالب به -من غير شك- الشيعة في موقفهم من السنة، وضرورة تفرقتهم بين الأصول والفروع، وبين الفرائض الأساسية والنوافل الهامشية، وبين المتفق عليه بين أهل السنة والمختلف فيه بينهم -وما أكثره!- وبين الشائع عند العوام والحقيقة عند أهل العلم الثقات، وبين عمل الناس وما يوجبه الشرع.
حسن الظن بالآخر
والمحور الثاني المطلوب في الحوار الإسلامي الإسلامي أو التقريب بين المذاهب هو حسن الظن بين الطرفين ، وأساس ذلك أن الإسلام يقيم العلاقة بين أبنائه على حسن الظن ؛ بمعنى أن يحمل حال غيره على أحسن المحامل، وإن كان يحتمل معنى آخر، وتصورا آخر.
وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 12] وهذا الظن الآثم هو ظن السوء بالآخرين. يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية[2]: "يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فيجتنب كثير منه احتياطا. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظن ن بكلمة خرجت من أ خي ك المؤمن إلا خير ا ، وأنت تجد لها في الخير محملا.
وذكر ابن كثير هنا ما أخرجه ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ، ويقول: "ما أطيبك وأطيب ريحك ! وما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك ماله ودمه "و إ ن نظن به إلا خيرا"[3].
وذكر حديث الشيخين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا ، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا".
والواجب ظن الخير بالمسلمين ما لم يثبت لنا عكسه بيقين، قال تعالى في حديث ال إفك : (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) [النور: 12]، وقال سبحانه ي ذم المنافقين: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) [ الفتح: 12].
إن سوء الظن يجعل الناس عند صاحبه متهمين، ينظر إليهم بمنظار قاتم أسود يخفي مزاياهم وحسناتهم، وينظر إلى عيوبهم وسيئاتهم من خلال ميكروسكوب ويضخمها ؛ فيجعل الحبة قبة كما يقولون.
ولقد كنت ذكرت في كتابي (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) من علامات التطرف ومظاهر الغلو (سوء الظن بالناس) وقلت هناك: ( تجد الغلاة دائما يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، فلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون عن العيوب، ويتقممون الأخطاء، ليضربوا بها الطبل، ويجعلوا من الخطأ خطيئة، ومن الخطيئة كفرا ) !!
وإذا كان هناك قول أو فعل يحتمل وجهين: وجه خير وهداية، ووجه شر وغواية، رجحوا احتمال الشر على احتمال الخير، خلافا لما أثر عن علماء الأمة من أن الأصل حال المسلم على الصلاح، والعمل على تصحيح أقواله وتصرفاته بقدر الإمكان.
وقد كان بعض السلف يقول: إني لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين ، ثم أقول: لعل له عذرا آخر لا أعرفه! من خالف هؤلاء في رأي أو سلوك – تبعا لوجهة نظر عنده – اتهم في دينه بالمعصية أو الابتداع أو احتقار السنة، أو ما شاء لهم سوء الظن.
ولا يقتصر سوء الظن عند هؤلاء على العامة، بل يتعدى إلى الخاصة، و خاصة الخاصة ؛ فلا يكاد ينجو فقيه أو داعية أو مفكر إلا مسه شواظ من اتهام هؤلاء. فإذا أفتى فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله، ورفع الحرج عنهم، فهو في نظرهم متهاون بالدين. وإذا عرض داعية الإسلام عرضا يلائم ذوق العصر، متكلما بلسان أهل زمانه ليبين لهم ؛ فهو متهم بالهزيمة النفسية أمام الغرب وحضارة الغرب.. وهكذا.
ولم يقف الاتهام عند الأحياء بل انتقل إلى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فلم يدعوا شخصية من الشخصيات المرموقة إلا صو ّ بوا إليها سهام الاتهام ؛ فهذا ماسوني، وذلك ج َ ه ْ م ِ ي ّ ، وآخر معتزلي. حتى أئمة المذاهب المتبوعة – على ما لهم من فضل ومكانة لدى الأمة في عصورها كافة – لم يسلموا من ألسنتهم ومن سوء ظنهم.
بل إن تاريخ الأمة كله – بما فيه من علم وثقافة وحضارة- قد أصابه من هؤلاء ما أصاب الحاضر وأكثر ؛ فهو عند جماعة تاريخ فتن وصراع على السلطة، وعند آخرين تاريخ جاهلية وكفر، حتى زعم بعضهم أن الأمة كلها قد كفرت بعد القرن الرابع الهجري![4].
وقديما قال أحد أسلاف هؤلاء لسيد البشر صلى الله عليه وسلم بعد قسمة قسمها: "إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! اعدل يا محمد فإنك لم تعدل!" ، ومنهم من قال له: "ا تق الله يا محمد"[5].
إن ولع هؤلاء بالهدم لا بالبناء ولع قديم، وغرامهم بانتقاد غيرهم وتزكية أنفسهم شنشنة معروفة، والله تعالى يقول: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: 32].
إن آفة هؤلاء هي سوء الظن المتغلغل في أعماق نفوسهم، ولو رجعوا إلى القرآن والسنة لوجدوا فيهما ما يغرس في نفس المسلم حسن الظن بعباد الله، فإذا وجد عيبًا ستره ليستره الله في الدنيا والآخرة، وإذا وجد حسنة أظهرها وأذاعها، ولا تنسيه سيئة رآها في مسلم حسناته الأخرى، ما يعلم منها وما لا يعلم.
أجل .. إن التعاليم الإسلامية تحذر أشد التحذير من خصلتين: سوء الظن بالله، وسوء الظن بالناس، وأصل هذا كله الغرور بالنفس، والازدراء للغير، ومن هنا كانت أول معصية لله في العالم ؛ معصية إبليس، وأساسها الغرور والكبر (أنا خير منه).
وحسبنا في التحذير من هذا الاتجاه الحديث النبوي الصحيح: "إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم"[6]. جاءت الرواية بفتح الكاف "فهو أهْلَكَهُمْ" على أنه فعل ماض ؛ أي: كان سببا في هلاكهم باستعلائه عليهم وسوء ظنه بهم، وتيئيسهم من روح الله تعالى. وجاءت بضم الكاف أيضا؟ "فهو أهلكُهم" أي أشدهم وأسرعهم هلاكا، بغروره وإعجابه بنفسه، واتهامه لهم.
والإعجاب بالنفس أحد المهلكات الأخلاقية التي سماها علماؤنا (معاصي القلوب) التي حذر منها الحديث النبوي بقوله: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه"[7].
هذا مع أن المسلم لا يغتر بعمله أبدا، ويخشى أن يكون فيه من الدخ َ ل والخلل ما يحول دون قبوله وهو لا يدري، والقرآن يصف المؤمنين السابقين بالخيرات، فيقول في أوصافهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: 60]، وقد ورد في الحديث أن هذه الآية فيمن عمل الصالحات، ويخاف ألا يقبل الله منه.
و م ن حكم ابن عطاء: ربما فتح الله لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قدر عليك المعصية ؛ فكانت سببا في الوصول، معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا. وأصل هذا من حكمة للإمام علي رضي الله عنه قال: سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك.
وقال ابن مسعود: الهلاك في اثنين: العجب والقنوط، وذلك أن السعادة لا تدرك إلا بالسعي والطلب، والمعجب بنفسه لا يسعى لأنه قد وصل، والقانط لا يسعى لأنه لا فائدة للسعي في نظره)[8] انتهى.
لهذا أرى أن أول ما ينبغي أن نطرحه من طريقنا لكي نقرب الأمة بعضها من بعض هو سوء الظن، وأن نغلب فضيلة حسن الظن فيما بيننا، كما هو شأن أهل الإيمان.
حكيت لأحد المتشددين مواقف لبعض الشيعة، رأيت فيها الصدق والاستقامة والاعتدال والإخلاص، فما كان من هذا الأخ إلا أنه قال: هذا فعله تقيّة! فالتقية جزء من تكوين الشيعة الديني.
وذكرت لمتشدد آخر أن العلماء في إيران عندما زرته م قدموني لأصلي بهم إماما، وأنا في دارهم، فقال: هذا من باب التقيّة! قلت: وما الداعي إلى التقية، ولست ممن يرجى ويخشى، ولم أطلب هذا ولم أتوقعه؟ والتقية إنما يقوم بها الضعيف، وبعد نجاح الثورة الإسلامية، وإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران أصبح القوم أقوياء.
إن حمل كل عمل طيب، أو تصرف صالح من الشيعة، على أنه من باب (التقية) هو ضرب من سوء الظن، لا مبرر له ولا داعي إليه.
محاور موضوع الشيخ القرضاوي:
طالع أوراق ملف (التقريب بين السنة والشيعة):
رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
|