English

 

الثلاثاء. أكتوبر. 28, 2003

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية

لنتعاون في المتفق عليه.. ولنتحاور في المختلف فيه

دكتور يوسف القرضاوي

Image

ومن المبادئ المهمة في هذا الحوار أن نركز على مواضع الاتفاق، لا على نقاط التمايز والاختلاف، وخاصة أن معظم نقاط الاتفاق في الأمور الأساسية التي لا يقوم الدين إلا بها، بخلاف نقاط التمايز؛ فجلها في الفرعيات.

من هذه النقاط:

أ - الاتفاق على الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم النبيين، وأنه جاء ليتمم رسالات السماء جميعا، والإيمان بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان بجميع كتب الله، وجميع رسل الله، كما قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285]، فهذه قواعد الإيمان الأساسية نتفق جميعا على الإيمان بها، وهي أسس الدين وركائزه.

ب - الاتفاق على الإيمان بالقرآن الكريم، وأنه كتاب الله المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)[هود: 1] وأنه محفوظ من التحريف والتبديل بضمانة الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]. وأنه لا يخالف مسلم –سني أو شيعي – في أن ما بين الدفتين كلام الله.

وبهذا المصحف وآياته وكلماته يستدل المناظرون في العقائد، ويحتج بها المستنبطون للأحكام، ويرجع إليها أهل الدعوة والتربية والتوجيه؛ فينهلون من معينها العذب، ويقتبسون من سناها المضيء.

أما هل هناك زيادة على هذا القرآن -وهو ما زعمه قوم- فهذا لا نثيره؛ لأنه استطراد لا نحتاج إليه؛ فهذا القدر الذي اتفقنا عليه هو الذي يلزمنا، وهو المفروض علينا اتباعه والعمل به، وعدم الإخلال بأي جزء منه: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50،49]. فهنا نجد النص القرآني يحذر الرسول من اتباع أهواء أهل الكتاب وأمثالهم، وأن يفتنوه عن (بعض ما أنزل الله إليه)، إشارة إلى أن كل ما أنزل الله واجب الاتباع.

جـ- ومن نقاط الاتفاق: الالتزام بأركان الإسلام العملية: من الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. فالفريقان –سنة وشيعة- يؤمنون بهذه الأركان أو الفرائض، وإن وجد خلاف بينهم في بعض الأحكام؛ فهو كما يحدث بين مذاهب السنة بعضها وبعض، فكم من فرق بين المذهب الحنبلي مثلا والمذهب الحنفي أو المالكي، وكم من مسائل انفرد بها المذهب الحنبلي عن المذاهب الأربعة، عرفت باسم (مفردات المذهب) ونظمها بعضهم في منظومة معروفة.

ومن يقرأ كتابا يهتم بفقه الاختلاف مثل (نيل الأوطار) للإمام الشوكاني رحمه الله يجد أنه يذكر علماء الأمصار وأئمة الفقه من أهل السنة ومن الشيعة، أو كما يسميهم هو وغيره فقهاء (العترة) أو (آل البيت) مثل الباقر والصادق والناصر والهادي وغيرهم، فلا يكاد القارئ أو الدارس يحس بفرق معتبر بين هذه المذاهب ومذاهب السنة، إلا كما يحس الفرق بين مذاهب السنة بعضها وبعض.

وإذا كان هذا واضحا بينا في العبادات، فهو أبين وأوضح في المعاملات.

وإذا كانوا هم لا يعترفون بكتب أهل السنة التي تعد مراجعهم في الحديث النبوي، مثل الكتب التسعة: الموطأ ومسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والدارمي، وغيرها من الكتب، فإن معظم ما ثبت عندنا بالسنة ثبت عندهم من طريق رواتهم، إما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وإما عن طريق إمام من أئمتهم الذين يعتبرونهم معصومين.

والمهم: أن الفقهين في النهاية –فقه السنة وفقه الشيعة- يتقاربان إلى حد كبير؛ لأن المصدر الأصلي واحد، وهو الوحي الإلهي المتمثل في القرآن والسنة، والأهداف الأساسية والمقاصد الكلية للدين واحدة عند الفريقين، وهي: إقامة عدل الله ورحمته بين عباده.

وكثير من الآراء التي تعتبر شاذة عندنا من أحكامهم نجد بين أهل السنة من قال بها إذا أجدنا البحث والتنقيب.

خذ أشهر مسألة في الفقه حدث فيها الاختلاف بين المذهبين، وهي: زواج المتعة؛ فقد قال بها حبر الأمة ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنها، ولكن ظل عدد من أصحابه في مكة وفي اليمن يفتون بها، مثل: عطاء وسعيد بن جبير وطاوس رضي الله عنهم جميعا.

التحاور في المختلف فيه

كان العلامة الشيخ محمد رشيد رضا صاحب (مجلة المنار) و(تفسير المنار) قد وضع قاعدة للتعامل بين المختلفين من (أهل القِبلة) سماها (القاعدة الذهبية) وهي القاعدة التي تقول: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه).

وقد تبنى هذه القاعدة كل المصلحين من أهل الحكمة والاعتدال، وعلى رأسهم الإمام حسن البنا الذي ردد هذه الكلمة في بعض رسائله ومحاضراته، حتى حسبها بعض أتباعه من كلمات البنا نفسه. وقد شكك بعض إخواننا من السلفيين في الشق الثاني من هذه القاعدة، وقال: كيف نعذر المختلفين إذا خالفوا النص؟ وقد رددت على هؤلاء فيما كتبته في الجزء الثاني من كتابي (فتاوى معاصرة)، وبينت أن النصوص منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة، وهذا لا عذر لأحد في مخالفته، ولكن هذا النوع من النصوص قليل جدا.

ومعظم النصوص إما قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت قطعية الدلالة، أو ظنية الثبوت ظنية الدلالة، وفي هذه (الظنية) مجال الاجتهاد والاختلاف، وهنا يكون عذر المخالف.

فقد يكون معك حديث في المسألة، ولكني أخالفك فيه؛ لأنه ثابت عندك، وليس بثابت عندي، ولهذا أمثلة لا تحصر. أو يكون ثابتا عند كلينا، ولكن فهمي له غير فهمك له، واستنباطي منه يخالف استنباطك، ومخالفتي لك هنا ليست مخالفة للحديث، بل لفهمك له، والحديث وحي، ولكن فهمك له ليس وحيا.

هذه القاعدة الذهبية حورها أحد إخواننا الباحثين المعاصرين، فجعلها بهذه الصيغة: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ونتحاور فيما اختلفنا فيه). هكذا عدلها أخونا وصديقنا الباحث المدقق عبد الحليم محمد أبو شقة رحمه الله، صاحب موسوعة (تحرير المرأة في عصر الرسالة). وهو يرى رحمه الله: أن كل مختلف فيه قابل للحوار، إذا كان الحوار جادا ومخلصا في طلب الحقيقة، بعيدا عن التعصب والانغلاق. وربما أدى تلاقح الأفكار، وتفاعل الآراء، إلى جلاء نقطة غامضة، أو تقريب مسافة كانت بعيدة، أو الخروج بتفسير يقبله الطرفان أو غير ذلك.

ورأيي أن نركز في الحوار على (الجوانب العملية) ونؤجل الجوانب النظرية والتجريدية، فالغالب أن الجدل فيها لا يوصل إلى نتيجة، مثل (رؤية الله في الآخرة) فالخلاف فيها بين أهل السنة والمعتزلة –ومنهم الشيعة الجعفرية والزيدية والإباضية- خلاف قديم عميق، والجدال حوله لا يقدم ولا يؤخر؛ لأن كل فريق متشبث برأيه، مُصِر على موقفه.

ذكر أبو حيان التوحيدي في (البصائر والذخائر) عن شيخه القاضي أبي حامد المَرْوَرُّوذي من أعلام الشافعية: أنه كان إذا رأى تراجع المتكلمين في مسائلهم، وثباتهم على مذاهبهم بعد طول جدلهم، ينشد:

ومَهْمَهٍ دليلُـه مطـوَّح   يدأب فيه القوم حتى يَطلحوا
ثم يظلون كأن لم يبرحوا   كأنما أمسوا بحيث أصبحوا![1]

و(الجوانب العملية) التي أشير إلى جدوى الحوار فيها أقصد بها أمرين:

الأمر الأول: ما يتعلق بمواقفنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ بحيث نجتمع حول هدف واحد، ونصدر عن موقف واحد، ونواجه المخططات المعادية بإستراتيجية واحدة.

وإذا كان في بعض الأحيان وقفت الجهات الإسلامية (الأزهر ورابطة العالم الإسلامي والجمهورية الإيرانية الإسلامية) في مؤتمر السكان بالقاهرة صيف سنة 1994م مع ممثلي الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية في جبهة واحدة.. ضد دعاة الإباحية واستحلال الإجهاض بإطلاق، ودعاة العري والحرية الجنسية المطلقة، ورفع سلطة الأسرة عن التربية الجنسية للأطفال وغير ذلك؛ فقد اقتضت المصلحة المشتركة، والموقف الفكري المشترك أن يقف ممثلو الإسلام والنصرانية في خط واحد؛ فكيف لا يقف السنة والشيعة في خط واحد إذا كان العدو واحدا يريد الخلاص منهما جميعا؟!

والأمر الثاني: ما يتعلق بالأحكام الفقهية العملية؛ فالحوار فيها أيسر وأقرب منالا من البحث في الأمور العقائدية والكلامية. وربما كان البحث في المعاملات والفقه الاقتصادي أسهل من البحث في العبادات والشعائر والأركان الدينية. ولا مانع من البحث في العبادات بروح من يريد أن يجد حلا للمشكلات القائمة، لا بروح المتعصب المنغلق، الذي لا يريد أن يفتح بابا للتفاهم والتقارب.

ومن ذلك: البحث في "الجمع بين الصلاتين" (أي بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء) عند الشيعة: أهو رخصة يراد بها التيسير أم هو فريضة ملتزمة، كما نرى عند الشيعة اليوم في واقع الأمر؟ أم هل يقصد به مخالفة أهل السنة والتميز عنهم؟

والذي رأيته عند الشيعة ما قاله الشيخ السبحاني في كتابه (الإنصاف) الذي سبقت الإشارة إليه: "اتفقت الإمامية على أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختيارا، وإن كان التفريق أفضل"[2].

ومن ذلك البحث في الشهادة الثالثة في الآذان: (وأشهد أن عليا ولي الله) أهذه الشهادة الزائدة على الشهادتين المتفق عليهما مما قرره الفقهاء وألزموا به؟ ومن أي عصر تقرر هذا؟ أم هذا من زيادات العوام، سكت عليها العلماء، خوفا من هياج العامة؟ وهو الظاهر.

مثل هذه المحاورات في الفقه العملي اليومي تكون مجدية إذا بحثت بروح الجدية والأخوة والتسامح، دون تشنج أو اتهام.

محاور موضوع الشيخ القرضاوي:

طالع أوراق ملف (التقريب بين السنة والشيعة):


رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

[1] انظر : البصائر والذخائر: 1/60، 21، وطبقات الشافعية الكبرى: 3/13، والمهمه: الصحراء، ويطلحوا : يعيبوا.

[2] الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف (1/285).

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم