|
إن الأمة تعاني من نوعين من الخلافات التي تصدّع وحدتها، وتوهن تماسكها، وتفرق كلمتها:
-
خلافات المصالح والمخاوف السياسية الناشئة من عوامل التفاعل والتدافع في المجال الدولي والإقليمي، وفي صميم ذلك نفوذ القوى الأجنبية غير المسلمة في العالم الإسلامي (أوروبا وأمريكا). وهذا النوع من الخلافات قائم بين الدول الإسلامية نفسها (بين دولة ودولة، بين دولة ومجموعة دول، وبين مجموعات دول).
-
خلافات المذاهب على المستوى العقائدي والفقهي، وهذه خلافات تتمظهر داخل كل دولة في علاقات المواطنة بين المواطنين أنفسهم، وفي علاقات فئة من المواطنين بالحكومة التي تختلف عنهم في الانتماء المذهبي.
يتولد من تمظهر الخلاف في علاقات المواطنة شعور النبذ والعزل، ويتولد من تمظهر الخلاف في علاقات السلطة الاضطهاد السياسي والحرمان في مجال التنمية والمشاركة في جسم الدولة.
يفترض أن منظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات الإقليمية الأضيق نطاقا (الجامعة العربية، مجلس التعاون، الاتحاد المغاربي) وهذه كلها منظمات حكومية تعالج الخلافات على المستوى الأول، ولكن لا توجد هيئة أو (هيئات) تهتم بهذا المستوى من الخلافات.
أما المستوى الثاني من الخلافات فقد كان مدار اهتمام القيادات الواعية في الأمة منذ النهضة الحديثة، بعد هجمة الاستعمار، وانهيار النظام العثماني (جمال الدين الأفغاني ومدرسته) . وقد عبرت عن هذا الاهتمام جهود فردية أول الأمر (نداءات وأبحاث لمفكرين وفقهاء)، ثم تمظهر في المؤتمر الأول الذي عقد في القدس سنة 1931م وكان همّ الوحدة أحد همومه البارزة. ثم تمظهر في مؤسسة متخصصة متفرغة لهذا الشأن هي دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي شكلها في القاهرة نخبة من الفقهاء والباحثين من الشيعة والسنة، ورعاها الأزهر من جهة، والمرجع الديني الشيعي الكبير السيد البروجردي من جهة أخرى، كما تمظهر في العلاقات التي أرساها الشيخ المرحوم حسن البنا مع علماء ومفكري الشيعة في تلك المرحلة.
خطاب الوحدة في العقيدة والشريعة
إن خطابات التأسيس تركز على وحدة الأمة في مجال الفكر والعقيدة وفي مجال العمل والسلوك.
أ. خطاب العقيدة:
إن الأمة المسلمة تكونت على قاعدة التوحيد في التصور والعقيدة، ومن ثم تكون موحدة في الولاء والانتماء، وموحدة في الموقف والفعل. وقد حفل القرآن الكريم بالآيات الكريمة التي تضمنت بيان هذه الحقيقة في مجال العقيدة ومجال التشريع، وحث المسلمين على رعايتها:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) [آل عمران/ 301].
(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران/105]
(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام/153]
(وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال/646 ]
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف/4]
ب. الخطابات العملية:
كما أن الخطابات العملية إلى الأمة تقتضي الوحدة:
-
(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) [الأنفال/60]
وأحد أعظم مظاهر القوة هو الوحدة. إن هذا الخطاب للأمة، ولا يمكن أن تملك الأمة القوة العسكرية إذا كانت منقسمة على نفسها، سواء كان الانقسام على مستوى الأمة أم على مستوى هذا المجتمع أو ذاك من مجتمعاتها.
-
النهي عن اختلافات المواقف في القضايا المصيرية:
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُو) [النساء/88] هذا لا ينافي الشورى وتعدد وجهات النظر، ولكن لا بد من التوحد على المستوى العملي. وهذا أمر متعذر إذا كانت الأمة منقسمة على نفسها، سواء كان الانقسام على مستوى الأمة أم على مستوى هذا المجتمع أو ذاك من مجتمعاتها.
-
وجوب الإصلاح في حالة الاختلاف:
افترض التشريع حصول خلافات تصل إلى حد الاقتتال:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ) [الحجرات/9].
عالمية الإسلام.. والتمذهب
الإسلام دين عالمي، والأمة الإسلامية هي مظهر لعالمية الإسلام، لكن تركيز الخلافات المذهبية وترتيب الآثار عليها يلغي عالمية الإسلام، ويحوله إلى دوائر متحاجزة لا تتمتع بأي عمومية، ولا تستطيع أن تنشئ خطابا عالميًّا.
إن فعلية وفاعلية عمومية الإسلام وعالمية الأمة الإسلامية تتوقف على التخلي عن كل ما يؤدي إلى التحزب والتشرذم؛ فوجود الأمة الإسلامية ووحدتها حقيقة عقائدية وتشريعية وتاريخية، لا مجال للمراء في ذلك على الإطلاق، وإن كون هذه الوحدة تنتظم المسلمين في جميع تنوعاتهم العرقية واللغوية والمذهبية أمر يجب الاعتراف به، وترتيب آثاره في جميع علاقات المسلمين في مجال المصالح فيما بينهم وفي مواجهة الأغيار.
لا بد من تجاوز الوقائع التاريخية التي أدت إلى نشوء انقسامات سياسية تلابست بعد ذلك مع الاختلاف في الرؤية العلمية أو الرؤية الفكرية في مجال التشريع، إن كان في مجال الأدلة أو في مجال الاستنباط.
كما أنه لا بد من اعتماد أسلوب يراعي وحدة الأمة في تثقيف عامة الناس بهذه الوقائع التاريخية وبتفاعلاتها السياسية، ويتجنب ما يؤدي إلى القطيعة، ذلك أن التحزب ينقل تفاعلاتها إلى حاضر الأمة وواقعها الراهن، ويتسبب في القطيعة بين مجموعات الأمة، وهو ما حرص عليه الإمام علي عليه السلام وأبناؤه على تجنب الوقوع فيه، بل قدموا تضحيات كثيرة مادية ومعنوية لتفاديه حفاظًا على وحدة الأمة وسلامة كيانها.
يجب أن نلاحظ الواقع الذي نعيش فيه؛ فلا يمكن أن نبني الوحدة بإحياء خلافات الماضي، بل نبني الوحدة بالتركيز على حاجات الحاضر، وعلى المسلمات الثوابت في العقيدة والشريعة الإسلامية التي تجعل من المسلمين أمة واحدة.
من جهة أخرى لا بد أن نعيد الاعتبار، على مستوى المجتمعات والحكومات الإسلامية، إلى حكم شرعي إسلامي تنظيمي أساسي هو تولي المسلمين بعضهم بعضًا، قبل أن ينساق هذا المجتمع أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك، إلى تحالفات مع قوى أجنبية غير مسلمة تؤدي إلى وقوف بعض المسلمين ضد بعضهم الآخر نتيجة لتعدد الولاءات والأحلاف مع الأجانب.
وهذا المبدأ نص عليه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالنهي عن تولي غير المسلمين بما يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين وإيجاد الشقاق والخلاف بينهم، ولا يمكن أن يبرر ذلك أي سبب أو أية ذريعة يتذرع بها هذا المجتمع أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك. كذلك نصت عليه السنة الشريفة في جملة من الأحاديث الصحيحة.
يجب أن يلاحظ أيضا أن البحث المجرد الموضوعي من قبل علماء ومفكري وباحثي كل مذهب وطائفة لعقائد الطوائف الأخرى ومناهجها الفقهية سيكشف للجميع أن المساحات المشتركة واسعة جدا. أما الخلافات فيمكن الوصول في كثير منها إلى نقاط وفاق، وأما ما لا يمكن الوصول فيه إلى نقاط وفاق فيترك لكل مذهب؛ بحيث يكون من خصوصياته ومميزاته، ولا يُجعل ذريعة لاعتبارها أساسا للخلاف والنزاع وإفساد العلاقات الإسلامية.
ومن هنا فإن التنوع المذهبي الذي اعتبر عامل انقسام هو واقع قائم ضمن الوحدة، ولا يجوز على الإطلاق الاسترسال مع هذا التنوع أو هذا الاختلاف؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بوحدة الأمة باعتبارها وحدة عقائدية وتشريعية. وإذا كان يراد بحث وقائع التنوع والاختلاف فلتُبحث في الدوائر العلمية الضيقة والمتخصصة، ولا تُجعل مادة للحديث اليومي أو الموسمي.
من الأمور الأساسية التي يجب أن تلحظ في قضية الوحدة والتقريب بين المذاهب أن هذه الاتجاهات الفقهية في الشريعة، والتنوعات الكلامية في تفريعات العقيدة موجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي وبين جميع الشعوب الإسلامية. ومن النادر أن يكون هناك مجتمع إسلامي خالٍ من أي تنوع مذهبي. وقد أشرنا في فقرة سابقة إلى أن التمذهب ظاهرة طبيعية داخل الإسلام، ولا يمكن أبدا فرض مذهب معين على الناس بقرار سياسي.
لقد حدث كثيرا أن حاول بعض المتسلطين والحكام القيام بشيء من ذلك، ولم يفلحوا، بل انتهى الأمر بكوارث. رأينا هذا في محاولات المعتزلة لفرض رؤيتهم الكلامية، ثم رأينا المحاولات المقابلة للاعتزال، وهي محاولات أهل الحديث السلفيين، لفرض رؤيتهم الكلامية في العهد العباسي الثاني منذ عهد المتوكل.. وحدث الصراع المشئوم الذي نعرفه.
كما حدث أن قامت محاولات كثيرة لفرض اتجاه مذهبي محدد وإلغاء المذهب الآخر أو المذاهب الأخرى، كما لاحظنا ذلك في العهد الفاطمي. قام الفاطميون في مصر بمحاولة إلغاء المذاهب الأخرى غير مذهبهم وفشلوا، ثم جاء الأيوبيون فحاولوا نفس المحاولة ضد الفاطميين، وكان بعض المذاهب مستهدفا بصورة دائمة كما هو الشأن في مذهب الشيعة الإمامية.
وقد خلفت هذه المحاولات في الذاكرة العامة لأتباع هذا المذهب أو ذاك ذكريات أليمة كونت موقفا نفسيا وجدانيا يتنافى مع ما تقضي به عقيدة الوحدة من تصور بالأخوة والانتماء وكون المسلمين بعضهم أولياء بعض. هذه الحقيقة المرة يجب أن تثبت في وعينا جميعا في هذا العصر، بأن الموقف السليم والاتجاه الشرعي المستقيم يقتضيان الاعتراف بكل مذهب.
وهنا تُذكر مأثرة الإمام مالك بن أنس الذي رفض عرض المنصور العباسي عليه بأن يحمل الناس على "الموطأ" في القضاء والفتيا ويجعله للناس إماما، ولكن الإمام مالكا رفض هذا العرض، وقال: "إن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار فحدثوا عند أهل كل مصر حيث حلوه، وكلٌّ مصيب".
وعلى هذا الأساس كان أئمة أهل البيت يوجهون المفتين من أصحابهم إلى احترام المناهج الفقهية الأخرى والإفتاء لأتباعها بما انتهت إليه من آراء فقهية. فمن ذلك توجيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام للفقيه الشيعي الإمامي أبان بن تغلب، وكان يجلس للإفتاء في المسجد النبوي "انظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك"[1]، إذن علينا أن نتجه هذا الاتجاه. لقد تحقق هذا الهدف في المذاهب الأربعة؛ حيث نجد غالبا أن الاعتراف المتبادل بين هذه المذاهب هو السمة العامة الظاهرة في معظم أنحاء العالم الإسلامي، ولكننا لا نزال نواجه صعوبات في هذا الحقل بين هذا المذهب أو ذاك من هذه المذاهب، أو بين جميع هذه المذاهب والمذهب الشيعي الإمامي الإثنا عشري أو المذهب الزيدي، أو المذهب الإباضي، وبين كل مذهب من هذه المذاهب والمذاهب الأخرى.
هذه النقطة هي ما نستهدف الوصول إلى حل الإشكال بشأنها إلى أن يتم الاعتراف المتبادل المبني على التفهم العلمي والوعي الحقيقي؛ لأن كل واحد من هذه المذاهب يستحق على المذاهب الأخرى الاعتراف بإسلاميته.
الاعتراف بالمسلم أو محاولة الإلغاء
والوحدة تارة تقوم على أساس وعي حقيقة الوحدة والعمل من أجل التقريب، وتارة تقوم على أساس الطلب إلى الآخر أن يلغي نفسه أو يهذب نفسه، وتارة تقوم على أساس الاعتراف بالآخر.
الواقع أن الدعوة إلى إلغاء الذات ليست في الحقيقة دعوة إلى الوحدة، ولن تتحقق هذه الوحدة على الإطلاق، ولن يتحقق أي تقارب بهذا الأسلوب. المهم هو الاعتراف بالآخر. الاعتراف بخصوصيته، والاعتراف بإسلاميته. نفس المنهج الذي تم في التقريب بين المذاهب المنتمية إلى الخط الأشعري، ما يسمى المذاهب السنية، يجب أن يسود فيما بين هذه المذاهب وبين المذاهب الإسلامية غير الأشعرية. إن هذا الهدف هو أحد الأهداف الكبرى التي يجب أن ينصب عليها اهتمام المعنيين بالإجماع الإسلامي العام.
في مجال آخر نلحظ أن السدود الثقافية والمعرفية أو التعليمية التي تواجه مذهبا تجاه مذهب آخر قد بدأت تتقلص، وأن طوق العزلة الثقافية قد بدأ يتبدد وينكسر. ونحن نلاحظ بسعادة كبيرة أن التواصل الثقافي والفكري، وأن التثاقف بين القيادات الفكرية والفقهية لكل المذاهب في حالة نمو وتكامل: وهذه اتجاه صحيح يؤدي إلى تعميق الشعور بالوحدة والشعور بالانتماء إلى الأمة الواحدة، ويزيل حالة الشعور بالانفصال، بل ينمي حالة الشعور بالتكامل.
مشكلة التبشير داخل الإسلام
والمهم أن نتجنب حالة التبشير في داخل الإسلام، ومحاولة حمل أتباع مذهب على ترك مذهبهم واتباع المذهب الآخر بالأسلوب التبشيري؛ حيث إن التكامل الثقافي لا يكون بمحاولة الاستفزاز، وإنما يكون بمحاولة الإغناء والإضافات والتكامل.
ومن هنا يجب إعادة النظر في جميع المؤسسات التي تقوم على أساس فكرة التبشير والدعاية المذهبية في مقابل المذاهب الأخرى، وهذه المؤسسات تعوق بشكل مدمر نمو عوامل التقريب، وتخرب الوحدة تخريبا عميقا، ونحن نشاهد بعض مظاهر ذلك بين الفنية والأخرى.
هيئة قضايا الوحدة والتقريب
إن هيئة قضايا الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية ستعنى بالتواصل مع الدوائر الفقهية والفكرية في كافة المراكز الإسلامية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، للمشاركة بأي صيغة ممكنة في هذا الجهد الذي تقوم به هذه الهيئة.
وعلى أساس هذا الميثاق التأسيسي لهيئة الوحدة والتقريب بين المذاهب ستعمل الهيئة على إصدار مجلة عالمية بلغات حية، وفي مقدمتها اللغات الإسلامية: العربية والفارسية والتركية والأوردية، تهتم بنشر عقيدة الوحدة وأفكار التقريب بين المذاهب.
كذلك ستعمل على إنشاء هيئات تمثيلية لها في كافة المناطق في العالم الإسلامي، كما ستدعو إلى مؤتمرات بحثية عامة فيما يتعلق بقضايا الوحدة، ومؤتمرات أو ندوات ذات طابع خاص تعنى بقضايا محددة ذات أولوية وأهمية استثنائية فيما يعود إلى الوحدة الإسلامية.
إن أحد أهم مقاصد هذه الهيئة العمل من أجل الانفتاح الفقهي بين المذاهب الإسلامية على مستوى الدراسة والاجتهاد، ومن أجل ذلك ستعمل "هيئة قضايا الوحدة" على أن تعنى كليات الشريعة ومعاهد الدراسات العليا في العالم الإسلامي بالتدريس الجاد لكل المذاهب على قاعدة أصول الفقه المقارن، وكذلك تشجيع كل ما يمكن أن يؤدي إلى تعميق أواصر الوحدة والشعور بالانتماء وإلى اكتشاف المسلم الآخر وقبوله كما هو ومحاورته من منطلقات مشتركة بين الجميع.
الوحدة الإسلامية وقبول الآخر غير المسلم
وهنا نضيف أن عناية هذه الهيئة بقضايا الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب تحمل في ثناياها توجها أساسيا على مستوى العالم، وعلى مستوى الأمة الإسلامية، وعلى مستوى كل وطن وكل بلد من أوطان وبلاد المسلمين، وهو أن هذه الدعوة تستبطن مبدأ قبول الآخر غير المسلم، والحوار معه، ومحاولة بناء حياة مشتركة تقوم على القيم الإيمانية الكبرى.
ويقوم هذا التوجه على أساس المبدأ الأساس العام في الإسلام في مجال الفقه السياسي، الذي صرح به القرآن الكريم والذي يتجلى في سورة الممتحنة (لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة/8].
الخلافات السياسية وأسبابها الطائفية والمذهبية
نحن نلاحظ بقلق عميق أن بعض الخلافات السياسية التي تحدث بين المجتمعات الإسلامية أو في ضمن تلك المجتمعات تعود إلى أسباب طائفية ومذهبية، وهذا يشكل عنصرا مدمرا لقضية الوحدة.
وفي هذا المجال نذكر أن التعارض الكبير الذي يظهر بين حين وآخر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين محيطها والذي يعود قسم منه إلى اعتبارات مذهبية.
ونذكر التعارض الكبير الدموي الذي حدث داخل أفغانستان بين فئات الشعب الأفغاني، أو بين حركة طالبان وإيران.
ونذكر التعارض الدامي والأليم الذي حدث بأشكال متنوعة في العراق أو في بعض دول الخليج. ونذكر بعض التعارضات التي تحدث بين حين وآخر في باكستان مثلا.
إن بعض علماء الدين الذي قد لا يتمتعون بالكفاءة العلمية المناسبة ولا بالورع الذي تقتضيه مناصبهم ينطلقون من التنوع المذهبي لإصدار فتاوى علنية أو مقنعة ضد أتباع المذهب الآخر أو المذاهب الأخرى، وهذه ظاهرة كانت موجودة قديما على نطاق واسع ولا تزال بعض مظاهرها تتكرر الآن بين الحين والآخر، وهي تظهر لدى الشيعة والسنة على السواء. هذا الأمر ينعكس على علاقات المسلمين العامة فيما بينهم فيسممها، ويؤدي إلى انعكاسات سياسية وإلى حالات تربص وحذر سياسي يشل قدرة الأمة ويصدع وحدتها، ويطيح بعوامل التقريب بين مذاهبها.
علم الكلام الجديد وقضية الوحدة
-
إن المبدأ الأساسي الذي يجب أن يلحظ عند النظر في قضايا الوحدة والتقريب، هو أن وحدة المسلمين باعتبارهم أمة واحدة هي من أهم الحقائق الأساسية في الاعتقاد الإسلامي كما بينا مرارا، وهي ركن من أركان الإسلام، وينبغي أن يدرس هذا المبدأ في علم الكلام باعتباره أحد الاعتقادات الأساسية، وهذه نقطة مهمة؛ حيث إن علم الكلام لا ينظر إلى الاجتماع الإسلامي المتمظهر في الأمة باعتباره من مجالات الاعتقاد الإسلامي. ولذلك يجب أن يكون هذا المجال أحد مجالات التجديد في علم الكلام الإسلامي.
-
مما يجب أن يعنى به علم الكلام الجديد التركيز على الأثر العملي لأصول الدين الإسلامي في مجال الحياة اليومية للمسلم: أصول العقيدة الإسلامية التوحيدية بالله الواحد، بالنبوة الخاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم التي تتضمن الإيمان بالأنبياء على أساس البيان القرآني في هذا الشأن، والإيمان باليوم الآخر بالتفاصيل التي وردت في القرآن الكريم، والعبادات الإسلامية الأساسية (الصلاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالوحي القرآني، الإيمان بالقبلة) وغير ذلك.
-
من الأمور الأساسية التي يجب وعيها في هذا الشأن هو أن الدعوة إلى الوحدة لا تعني إلغاء المذاهب كلا أو بعضًا، ونحن لا نوافق على دعوة "إسلام بلا مذاهب". كما لا يجوز لدعوة الوحدة أن يراد بها محو الخصوصيات المذهبية، أو دمج المذاهب ببعضها. فالوحدة لا تعني التلفيق بين المذاهب، ولا تعني دعوة كل مذهب إلى أن يلغي خصوصياته ليتماثل ويتماهى مع المذهب الآخر، بل تعني الارتكاز إلى الثوابت العامة المشتركة في مجال العقيدة والشريعة باعتبارها أساسًا للأمة وأن التنوع الموجود هو تنوع في الوحدة وليس اختلافا أساسيًّا.
-
ينبغي التركيز على أن الخلافات بين السنة والشيعة هي من طبيعة الخلافات بين مذاهب أهل السنة نفسها، حيث نجد خلافات فقهية وأصولية، خلافات في مناهج الاستنباط وخلافات في الاستنباط داخل كل مذهب بما يقارب - أو ربما يماثل ويساوي - الخلافات بين المذاهب. ومن هنا فلا يمكن اعتبار مجرد الخلاف في المنهج الأصولي أو في المنهج الفقهي داعيا إلى الإخلال بمبدأ الوحدة.
-
من المناهج التي يجب اعتمادها في قضايا تعميق وإحياء الوحدة وتحقيق التقريب هو الدراسات المقارنة المشتركة في مجال تفسير القرآن، وفي مجال السنة، وذلك في سبيل تحقيق الفهم المشترك أو المتقارب.
أ. في مجال القرآن:
لا نقصد التوصل إلى حصر القرآن في فهم واحد؛ لأن هذا أمر لا يمكن الموافقة عليه، بل نقصد أن يتسع نظر المفسر والمفكر والفقيه عند الرجوع إلى القرآن الكريم، لمناهج البحث القرآني عند سائر المدارس الإسلامية، فلا يكون أسير نظرة واحدة.
ب. في مجال السنة:
يجب تطوير مبنى يعتمد على وثاقة الراوي وعلى التحقق من الصدور، وهذا يؤدي إلى النظر في قضايا "الرجال"، وقد لحظنا في إحدى محاوراتنا أن الشيعة لا يعتمدون على أية رواية سنية، إلا بنحو ثانوي وهامشي جدًّا، والسنة لا يعتمدون على أية رواية شيعية على الإطلاق تقريبًا، وهذه قطيعة ليس لها ما يبررها على الإطلاق.
يجب البحث الموضوعي في الأسباب السياسية التي أدت إلى مقاطعة السنة المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهجرها، وعن الأسباب الموضوعية الداعية إلى الاعتراف بمرجعية أئمة أهل البيت عليهم السلام في السنة.
لقد زالت الأسباب السياسية للقطيعة، فيجب أن تزول آثارها، وأن يصحح وضع السنة بالعودة إلى مصدرها الطبيعي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو أئمة أهل البيت عليهم السلام، مع عدم إهمال المصدر الآخر وهو الصحابة.
ينبغي أن تنشط الدراسات الحديثة المقارنة لتكشف مجالات وحدة النص أو وحدة المضمون بين السنة المروية عن أهل البيت التي تشكل معظم السنة عند الشيعة، وبين السنة المروية عن الصحابة والتابعين التي تشكل معظم السنة عند أهل السنة.
دور الحكّام في تسييس الخلافات المذهبية
يجب البحث بعمق عن دور السياسة في إذكاء وتعميق الخصوصيات المذهبية وشحنها بأسباب القطيعة وربما أسباب العداء، ويجب البحث عن الخلفيات السياسية المصلحية للحكام أو للأسر الحاكمة، وللأحزاب الحاكمة في وضع مناهج حديثية وفقهية وتفسيرية ودمجها في النظام المعرفي أو الهيكل المعرفي للإسلام، بحيث غدت عند أصحابها تمثل الإسلام المقدس المستقى من الكتاب والسنة، بينما هي في حقيقتها تعكس توجهات سياسية لا علاقة لها بالكتاب والسنة.
هنا يجب أن نلحظ أن منهج أهل البيت عليهم السلام مثال يحتذى به في النظر إلى قضية الوحدة واعتبارها عقيدة مقدسة لا يجوز التهاون في رعايتها، ونرى أنهم -كما بينا في كتبنا- كلما تعرضت الوحدة للخطر يهبون لدعمها وحمايتها وتحصينها، وهذا المنهج الذي ساروا عليه من أول الأمر حينما تعارضت قضية توليهم للسلطة مع قضية الوحدة؛ فإنهم آثروا قضية الوحدة على قضية السلطة، وحافظوا على وحدة الأمة في جميع الحالات، وكانوا يتجاوزون مواقفهم السياسية في سبيل وحدة الأمة. فنلاحظ مثلا أن الإمام زين العابدين عبر عن رؤيته هذه في عدة نصوص دُعائية من أبرزها "دعاء الثغور" وما إلى ذلك.
الوحدة والكيانات الوطنية والإقليمية الخاصة
في هذا النطاق نلاحظ مسألة عظيمة الأهمية تتصل بطبيعة الوحدة، وهي أن الوحدة لا تعني محو الكيانات الخاصة بكل مجتمع أو بكل إطار من الأطر، حيث نرى أن التعددية السياسية في صميم هذه الرؤية لا تتنافى مع الوحدة، بل نرى أن منهج أهل البيت في هذا الأمر ينسجم ويوفق بين التعددية السياسية والتنظيمية وفي نفس الوقت يحافظون على حقيقة الوحدة الجامعة لهذه التنوعات.
وفي هذا السياق يمكن أن نعتبر أن مبدأ التقية الإسلامي الذي شرعه الله تعالى في القرآن الكريم، كما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة، وطبقه أئمة أهل البيت عليهم السلام في الاجتماع الإسلامي بعد أن تفاعلت الاختلافات المذهبية الكلامية والفقهية على المستوى السياسي.. هو إحدى المحاولات العملية التي بذلها أئمة أهل البيت عليهم السلام من أجل المحافظة على الوحدة، وإلا فلنتصور أن مبدأ التقية لم يحكم المسيرة السياسية والاجتماعية لأهل البيت عليهم السلام، إذن لحدثت انشقاقات على مساحة الإسلام كله أشد وأدهى مما حصل الآن، ولما أمكن على الإطلاق المحافظة على المكاسب التي حققتها الأمة الإسلامية في عصور ازدهارها، وكانت إلى حد كبير هي العاصم من الانحلال والذوبان في عصور الضعف والوهن.
أسس الميثاق التأسيسي
إن الميثاق التأسيسي لهيئة قضايا الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب يقوم على الأسس التالية:
الأساس الأول:
هو أن المسلمين اتفقوا على أمر جامع يوحدهم في دائرة الإسلام، وعلى هذا الأساس يتشكل منهم جميعا كيان الأمة وينتزع من هذا الواقع مفهوم الأمة الإسلامية الذي ثبت له في الشرع أحكام شرعية وضعية وتكليفية. إن الثوابت الكبرى في الإسلام التي أجمع المسلمون على الإيمان بها والالتزام بها هي أساس الإسلام، حيث إن المسلم هو من آمن والتزم بها، وأن من أنكرها أو أنكر بعضها ليس مسلما، وهذه موضع وفاق بين المسلمين. وبهذا يتبين أن الواقع التنظيمي للأمة هو الوحدة.
ونحن لا نسعى إلى إيجاد وحدة مفقودة ومعدومة، وإنما نسعى إلى تأصيل وحدة قائمة وتفعيلها وجعلها حية فاعلة في حياة المسلمين العامة، فيما يتعلق بقضاياهم المحلية والإقليمية والعالمية، وهذا الأساس يجب أن يكون -كسائر الأسس الآتي ذكرها- موضوع تبصر من قبل قيادات الأمة في جميع المستويات، وخاصة في مستوى التفقه ومستوى التثقيف.
الأساس الثاني:
إن التمذهب ظاهرة طبيعية في كل عالم ثقافي حضاري وهو ما يتفق مع الفطرة. إننا لا نعتبر التمذهب بالمعنى الفقهي تمزقا في الإسلام، بل هو منسجم مع طبيعة اختلاف الأفهام والمدارك والرؤى في ضمن الإطار الواحد الجامع. إن الاختلافات المذهبية أمر طبيعي، وهي ناشئة من الاختلاف الاجتهادي في فهم ظواهر الكتاب وفي تقييم السنة، إن من حيث الصدور أو من حيث الظهور.
جوهر الخلاف ناشئ من اعتبارات عقلية ترجع إلى الفهم الفقهي، ولا يجوز أن تكون لهذه الخلافات تعبيرات سياسية وتنظيمية على مستوى علاقات المواطنة وعلى مستوى علاقات المواطنين بالدولة والحكومة وموقعهم في النظام السياسي. ربما كان يوجد اعتبار سياسي في خلفيات بعض الخلافات القديمة، ولكن هذا زمن انقضى وانقطعت مقتضيات الخلاف فيه. أما الآن فيجب أن يحصر الاختلاف في المسالك والمناهج الفقهية في اختلاف فهم ظواهر الكتاب والاختلاف في السنة من حيث الصدور ومن حيث الظهور.
هذه المذاهب تتمتع بالشرعية الكاملة من كل مذهب تجاه المذاهب الأخرى، من دون اعتبار لكونهم أقلية أو أكثرية، بل لا يجوز اعتبار التنوع المذهبي أساسا للتصنيف إلى أقلية وأكثرية، ويجب أن تحترم عقائدهم وأفهامهم الخاصة، وألا ينعكس تنوعهم إذا كانوا أقلية على إمكانات اندماجهم في المجتمع وتمتعهم بحقوق عضوية المجتمع وعضوية الأمة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، لا يجوز أن تؤدي الاختلافات المذهبية داخل المجتمع الإسلامي الوطني في أي دولة إسلامية أو على مساحة العالم الإسلامي كله، إلى اعتبار أي فريق من المسلمين أقلية لا تتمتع بحقوق الأكثرية المذهبية في ذلك المجتمع أو على مستوى العالم الإسلامي. بل يجب أن يعتبر الجميع سواء في حقوق المواطنة وواجباتها.
الأساس الثالث:
إن المرجع في فهم منهج كل مذهب ورؤيته العقائدية ومنهجه الفقهي هو أئمة وعلماء المذهب نفسه، والكتب المعتمدة فيه على نطاق واسع ورسمي وليس الآراء الشاذة منه، وليس ما يقوله عنه أو ما قاله عنه في الماضي خصومه ومناوئوه في المذاهب الأخرى. ولا يجوز أن تكون موضوع اجتهادات أو أحكام من قبل مصادر أخرى في مذاهب أخرى.
الأساس الرابع:
تحريم التبشير في داخل الإسلام، فلا يجوز للشيعة أن يقوموا بنشاط تبشيري داخل هذا المذهب الإسلامي أو ذاك، ولا يصح من أي مذهب منفرد أن يقوم بنشاط تبشيري على مستوى عام داخل المذاهب الأخرى. كما لا يجوز ولا يصح أن يقوم أهل السنة باعتبارهم كتلة عقائدية بأنشطة تبشيرية مبرمجة وممنهجة داخل الشيعة، وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب على صعيد فردي فهذا شأن من شؤون كل شخص بحسب قناعاته التي يكونها نتيجة لقراءاته وتفكيره الخاص. وإذا قرر مسلم من المسلمين، من مذهب معين، الانتقال إلى مذهب آخر فإن إرادته، ورغبته يجب أن تحترم، وتطبق عليه باحترام أحكام المذهب الذي اختاره بحرية ضميره.
الأساس الخامس:
لا يجوز أن تؤدي الاختلافات المذهبية داخل المجتمع الإسلامي الوطني في أي دولة إسلامية أو على مساحة العالم الإسلامي كله، إلى اعتبار أي فريق من المسلمين أقلية لا تتمتع بحقوق الأكثرية المذهبية في ذلك المجتمع أو على مستوى العالم الإسلامي، بل يجب أن يعتبر الجميع سواء في حقوق المواطنة وواجباتها.
فتح باب الاجتهاد
على هذه الأسس ندعو إلى تعزيز الاتجاه العام الذي وفق الله له في الأعصار الأخيرة على مستوى الأمة الإسلامية وهو فتح باب الاجتهاد.
وعلى هذا الأساس نلاحظ أن الاجتهاد لا يزال اجتهادا مذهبيا عند الجميع، بحيث إن كل أئمة وفقهاء كل مذهب يعملون على الاجتهاد في نطاق منهج وأصول وقواعد مذهبهم الخاص، وهذا أمر حسن في ذاته، ولكن هذا لا يخدم مقصد الوحدة والتقريب، وإنما يعزز الحيوية الفكرية والفقهية في داخل هذا المذهب المعين بالخصوص.
نحن ندعو -في نطاق مشروع تأصيل وحدة المسلمين والتقريب بين المذاهب- إلى تأسيس منهج الاجتهاد المطلق العام في جميع المذاهب. ومن هنا يجب أن تعزز في جميع الدوائر العلمية عند جميع المسلمين الدراسات الأصولية والفقهية المقارنة، بهدف العمل على تكوين مجتهدين مطلقين في المذاهب الإسلامية كلها، على مستوى الإسلام كله، وليس على مستوى مذهب معين.
فليكن هناك مستويان من الاجتهاد: مستوى الاجتهاد المذهبي الخاص الذي يلبي حاجة أتباع المذهب، واجتهاد مطلق عام يلبي حاجة الأمة في قضاياها الكبرى. وفي هذا الإطار يجب أن تتكون مجامع فكرية وعلمية تقوم على أساس قضية وحدة الأمة والتقريب بين اتجاهاتها الفقهية، وهذا أمر حاصل الآن بالجملة من خلال ما يعقد من مؤتمرات وندوات وما إلى ذلك، ولكن نأمل أن تؤصل فكرة إنشاء مؤسسات بحثية دائمة في هذا الشأن، ولعل مجامع الفقه الإسلامي هي بعض مظاهر هذه المؤسسات التي نشير إليها.
وهنا أرى من المناسب أن أثبت كلمة عظيمة الأهمية للمرجع الديني الكبير السيد/ البروجردي الذي قال: "إن عقيدة الشيعة مبنية على ركنين: الأول الاعتقاد بإمامة علي والأئمة عليهم السلام من بعده، وأنه كان خليفة الرسول الأول. الثاني: أن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام هم المرجع لحل المشاكل الدينية والأحكام بنص من الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الثقلين، حيث قال: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي". ويتابع المرجع البروجردي: "أن قضية الخلافة لا تحتاج إليها الأمة الآن، والبحث فيها مثار الاختلاف من دون أن يكون له ضرورة، وإنما هي في عهدة التاريخ، فلا داعي للخوض فيها. وأما أن الأئمة كانوا مرجعا للأحكام فهي حاجة تختص بزمان دون زمان فعلينا أن نكتفي في بحث الإمامة بهذه، ونسكت عن الأولى، ولا ضير في ذلك" .
إن هذه الكلمة للمرجع الإمام البروجردي تكشف عن الرؤيا القائمة على اعتبار وحدة الأمة، والناظرة إلى التقريب بين المذاهب، وهي عظيمة القيمة في أطروحتنا التي نقدمها للأمة الإسلامية في مشروع ترسيخ الوحدة والتقريب بين المذاهب.
إن ملاحظة مقتضيات عقيدة الشيعة الإمامية تكشف عن أنهم هم أهل الجماعة؛ حيث إنهم يذهبون إلى عدم جواز تفريق كلمة المسلمين، ويقفون في قضية الوحدة موقفا صارما لا لبس فيه، ولا تردد، فيجزمون بتحريم ما يؤدي إلى الفتنة بين المسلمين. وقد كان نهج أئمة أهل البيت عليهم السلام في زمن اشتعال الفتن والحروب الأهلية يقوم على تجنب الدخول في الحروب الأهلية وعدم التعاون مع أطرافها، مع الالتزام بعدم التعاون مع السلطة القائمة. ولكن هذا الموقف من الفتن ومن السلطة لا يؤدي إلى الاعتزال عن الأمة أو عدم الالتزام بوحدتها. بل يقوم على الاندماج الكامل بالأمة، وتجنب كل ما يؤدي إلى تفريق الكلمة والإخلال بالوحدة.
ومن هنا لا يمكن القول بأن الشيعة الإمامية يتمارون عن أهل السنة والجماعة في هذا الشأن. وهنا ملاحظة مهمة جدا، وهي أن تسمية أتباع المذاهب الأربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) بـ"أهل السنة" لا تعني السنة النبوية فقط، وإنما السنة بمعناها الأوسع عندهم، وهي تشمل الماضي كله؛ يعني أنهم يمثلون الخط الفكري الذي يحترم كل الماضي وكل التراث، وكل ما وقع من المسلمين، وربما يكون هذا هو الأساس لقول من قال بحجية رأي الصحابي أو رأي التابعي أيضًا (هذه النقطة يجب التوسع والتعمق فيها).
إن موقف الشيعة الإمامية من قضية ثبوت الإسلام لشخص هو اعتبار كل من نطق بالشهادتين مسلمًا، وكذلك اعتبروا أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو الحال في عقيدة أهل السنة والجماعة. ومن هنا فهم يحرمون دماء أهل القبلة، ويجرون أحكام الإسلام على كل أهل القبلة، ما لم يثبت عن بعضهم العمل على خلاف ما يقتضيه اعترافه المعلن بالشهادتين؛ حيث إن المعلن للإسلام تارة يطبق بنحو جزئي أو كامل في حياته العملية أحكام الإسلام في مجال العبادات والمعاملات، وتارة لا يطبق شيئًا من هذه الأحكام، فإذا عمل فينبغي أن يكون عمله منسجما مع الاتجاه الفقهي العام والسائد، أما أن يعمل بما يخالف الاتجاه الفقهي والسائد، ويدعي أن هذا هو ما تعنيه الشريعة، من قبيل ما يقوم به الدروز في فقههم وفي اعتقاداتهم العملية أو بعض الفرق الباطنية الأخرى.. فإن هذا يبعث على الشك في صدق عنوان الإسلام عليهم.
فالإسلام عند الإمامية دين مفتوح ومتحرك، وليس منغلقا على فئة بعينها، هي خصوص الملتزمين بالعقيدة التفصيلية في قضية الإمامة وقضية العصمة، بل الإسلام دين مفتوح ينظمهم وينتظم غيرهم من سائر المسلمين وهو منفتح لكل من دخل فيه على قاعدة الإعلان بالشهادتين، سواء انتسب في انتمائه الخاص إلى اتجاهاتهم أم إلى الاتجاهات الأخرى داخل الدائرة السنية حسب الخط الأشعري أو المعتزلي أو الماتريدي أو ما إلى ذلك.
طالع أوراق الملف:
|