|
وبعد؛ فإن القضايا التي تتعلق بمصالح الأمة وتتصل بمصيرها لا يصلح أن ينفرد أحدٌ فيها برأي يفتات فيه على الأمة وعلمائها غير مكترث بأقدارهم وآرائهم. والواجب في مسائل كهذه المسألة أن يُستشار فيها أهل العلم والرأي، فلا يُصدَرُ فيها إلا عن اجتهادٍ جماعي تتكامل فيه شروط الاجتهاد، وتستتم فيها النظرة الصائبة، فيعصمها من غائلة الرأي الفردي الذي كثيراً ما يعتوره قصور النظر والهوى وسوء التقدير، وقد كتب على الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة.
ولا بد أن تكون أفعالنا مضبوطة بضوابط الشرع، مستنّةً بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنشط والمكره، وفي اليسر والعسر، فمهما بدت الحوادث التي تعصف بالأمة مؤلمةً شديدةَ الوقع في النفوس، فإن ذلك لا يعفينا من ضرورة الصدور عن الدليل الشرعي والتزام قيمنا ومبادئنا، والتقيد بضوابط الشرع في التعامل مع الكفار على اختلاف الأحوال.
وإذا كنا نتنادى بضرورة تحكيم الشريعة، فإن أول ما يتقاضانا هذا الواجب أن نحكِّم الشريعة في أنفسنا وأعمالنا. فمن المقرر لدى كل مؤمن أن تحكيم الشريعة ليس متوجّهاً للأنظمة والحكومات فحسب، بل يجب أن تكون شريعة الرحمن هي المهيمنة على الحياة كلها...حياة الأفراد والمجتمعات، وفي التعامل مع الأحبة والأعداء.
وإذا كان واجب على الشباب أن يصدروا عن علماء الأمة فيما يحتسبونه عند الله من مسائل الجهاد وغيره، فإن على العلماء أن يوسعوا لهم صدورهم ومجالسهم، وأن يتلقّفوهم بأيدٍ حانية تذللهم للحق، وتصرِّف عاطفتهم الصادقة على ما يحب المولى ويرضاه.
وختاماً للخاتمة فإن القول في هذه المسائل خطير، والخطأ فيها قد يكون باب هلكة؛ ولذا فإن علينا بذل الجهد في البحث، وجمع النصوص والأقوال مكتملة غير منقوصة، ومراجعة العلماء ومباحثتهم، وقبل ذلك وبعده اللياذ بالله -عز وجل- وصدق اللجأ إليه، ودعائه والضراعة إليه أن يهدينا الصراط المستقيم، وأن يهدينا فيمن هدى، وأن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يهدينا للتي هي أقوم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن نتذكَّر وصاية النبي -صلى الله عليه وسلم- لحبيبه وقريبه وصهره علي -رضي الله عنه- أن يكثر من قول (اللهم اهدني وسددني)، وأن نتذكَّر بالهداية هداية الطريق وبالسداد سداد السهم، فنكثر من هذا الدعاء النبوي العظيم اللهم اهدنا وسددنا.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تابع في نفس الموضوع:
|