English

 

الأحد. يونيو. 6, 2004

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

المسلمون والعنف السياسي.. نظرات تأصيلية

مناقشة جماعات العنف في شرعيته وجدواه

دكتور يوسف القرضاوي

Image

ينبغي على أهل العلم والفكر، وأهل الرأي والحكمة أن يجادلوا جماعات العنف بالتي هي أحسن، كما أمر الله تعالى، وأن يناقشوهم، أو قل: يناقشوا قادتهم وعقلاءهم بالحكمة والمنطق الهادئ، ويقنعوهم بالحجة البالغة، في أمرين مهمين:

أحدهما: مدى شرعية العنف بالصورة التي يمارسونها، ويشهدها الناس، وأنها لا تستند إلى محكمات الشرع لا في نصوصه البينة، ولا في مقاصده الكلية.

والثاني: مدى جدوى هذا العنف، لو افترضنا شرعيته هل غير وضعًا فاسدًا؟ أو أقام حكمًا عادلاً؟ أو حقق هدفًا من الأهداف الكبرى للأمة؟

لقد أعلنت جماعات (الجهاد) ومن في حكمها، مثل جماعة التكفير، والجماعة الإسلامية، والسلفية الجهادية، انتهاء بـ (تنظيم القاعدة) الحرب على الحكومات القائمة، واختارت أسلوب الصدام المسلح، ولم تكتف بالبيان والبلاغ، أو التربية والتوجيه، أو أسلوب التغيير السلمي بالكفاح الشعبي في الجامعات والنقابات، والمساجد، والكفاح السياسي بدخول حلبة الانتخابات، ودخول البرلمانات؛ لمقاومة التشريعات المخالفة للإسلام، أو لحريات الشعب ومصالحه.

ولما كانت هذه الجماعات لا تملك القوة العسكرية المكافئة أو المقاربة لقوة الحكومات، فقد اتخذت أساليب في المصادمة تتفق مع إمكاناتها.

  • منها: أسلوب الاغتيال.

  • ومنها: أسلوب التخريب للمنشآت الحكومية.

وهذان الأسلوبان، يصحبهما -في الغالب- إصابة مدنيين برآء، ليس لهم في الثور ولا في الطحين، كما يقول المثل، ففيهم أطفال ونساء وشيوخ، وكثيرًا ما ينجو المقصود بالاغتيال، في حين يقتل عدد من المدنيين غير المقصودين.

ومعلوم أن قتل من لا يقاتل في الحرب بين المسلمين والكفار لا يجوز، فكيف بقتل المسلمين؟! وفي الحديث: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق".[1]

كما أن تدمير المنشآت الحكومية إنما هو في الحقيقة: تدمير لممتلكات الشعب في النهاية.

ومن أساليبهم: ضرب السياح، وهم قوم (مستأمنون) بلغة الفقه الإسلامي، قد أعطوا الأمان من قبل الدولة التي أمنتهم بإعطائهم سمة (تأشيرة) الدخول، فيجب أن يحترم أمانهم، ولا تخفر ذمتهم، ولا يعتدى عليهم في نفس ولا مال، ولو كان الذي أعطاهم الأمان عبد من المسلمين، فقد جاء في الحديث: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم"، وقال عليه الصلاة والسلام: "ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".[2]

وقال الرسول الكريم لأم هانئ وقد أجارت أحد أحمائها من المشركين: "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".[3] وقد فصلنا الحديث عن الأمان في دراستنا الموسعة عن (فقه الجهاد).

هل يحقق العنف هدفًا؟

وقد تبين للدارسين والمراقبين لأعمال العنف والمقاومة المسلحة أنها لا تحقق الهدف منها، فلم تسقط بسببها حكومة، بل لم تضعف بسببها حكومة. كل ما يمكن أن تنجح فيه جماعة العنف في بعض الأحيان قتل رئيس دولة أو رئيس وزارة أو وزير، أو مدير أمن أو نحو ذلك. ولكن هذا لا يحل المشكلة، فكثيرًا ما يأتي بدل الذاهب من هو أشد منه وأنكى وأقسى في التعامل مع الإسلاميين، حتى يقول القائل:

رب يوم بكيت منه، فلما صرت في غيره بكيت عليه!

أو كما قال الآخر:

دعوت على عمرو فمات، فسرني بلية بأقوام، بكيت على عمرو!

لقد انتصرت الحكومات دائمًا على جماعات العنف التي لم تكسب شيئًا، بل خسرت على عدة مستويات:

  1. مستوى الخسائر الشخصية، فكثيرًا ما يُقتل هؤلاء الشباب، ومن لا يقتل منهم يساق إلى السجون، ويقضي سنين كثيرًا ما تطول، ويتعرض للأذى البدني والنفسي، ويخسر كثير منهم جامعته إن كان طالبًا، ووظيفته إن كان موظفًا، وتجارته إن كان تاجرًا، وتتعرض أسرته للضياع المادي والأدبي في غيبته. وهذه خسائر كبيرة وحقيقية، وقد رأيناها ولمسناها. وهي لهم إن شاء الله في ميزانهم بنياتهم -إن كانوا مخلصين في نياتهم، وكانت أعمالهم مبنية على اجتهاد صادر من أهله في محله- ولكنها بمقياس دنيانا خسائر مجانية!.

  2. مستوى الخسائر للدعوة الإسلامية نفسها، في الداخل والخارج، باستغلال حوادث العنف التي تحدث من هذه الجماعات، لتشويه صورة الإسلام وأهله، وتصوير الإسلام بأنه خطر على العالم، وتصوير المسلمين بأنهم وحوش، لا قلوب لهم، ولا تعرف الرحمة إلى أفئدتهم سبيلاً، وخصوصًا بعد حوادث قاسية، مثل مذبحة الأقصر في صعيد مصر، وحوادث (بن طلحة)[4] وغيرها في الجزائر، وما حدث فيها من فظائع مروعة، تتفتت منها الأكباد، ويندى لها الجبين.

  3. إعطاء الذريعة لضرب التيار الإسلامي كله معتدله ومتطرفه، رفيقه وعنيفه، وقطع الطريق على تيار (الوسطية الإسلامية) وما يقدمه من أطروحات للحوار مع الآخر، والتسامح مع المخالفين، وطرح رؤى جديدة في الإصلاح، والتنمية والتغيير السلمي.

  4. خسائر على مستوى الوطن، بشغل بعضه ببعض، وضرب بعضه ببعض، بدل أن ينشغل بالتنمية والإبداع وتطوير نفسه، وتجديد شبابه، وتجنيد قواه كلها للمساهمة في نهضته ورقيّه، حتى لا يتخلف عن عالمه وعصره، وحتى يقف جميع أبناء الوطن الواحد جبهة متراصة في وجه العدو الحقيقي للأمة.

مراجعات شجاعة ومستنيرة لـ"الجماعة الإسلامية"

ومما يجب أن نسجله هنا بكل اعتزاز وإنصاف ما أعلنته (الجماعة الإسلامية) في مصر، وأيدها زعيمها الروحي الشيخ عمر عبد الرحمن، المسجون في أمريكا فك الله أسره، (وهي صنو جماعة الجهاد) من إعلان مبادرة لوقف العنف، والجنوح إلى السلم، والتخلي عن أسلوب المواجهة المسلحة مع الحكومة، ونقد ما وقع لها من أخطاء في طريق الصدام المسلح أو الجهاد، أعلنت الجماعة ذلك جهارًا في المحكمة في الخامس من شهر يوليو سنة 1997، أثناء نظر القضية العسكرية (235) حين فوجئ الحاضرون بأحد الإخوة المتهمين في القضية -وهو يقف في مواجهة رجال الإعلام- يلقي بيانًا مذيلاً بتوقيع القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية، يدعو أعضاء الجماعة لإيقاف العمليات القتالية، وحقن الدماء.

وقد شكك بعض قياديي الجماعة في صحة هذه المبادرة، ثم ما لبثوا بعد أخذ ورد، وجذب وشد أن اقتنعوا بها، وانضموا إلى ركب الداعين إلى السلم والصلح. وبدأ تأييدهم فرادى يتوالى، ثم أعلنوا بجملتهم بيانهم في 28 مارس سنة 1999 بالتأييد الكامل للمبادرة، ووقف جميع عمليات العنف تمامًا، والبيانات المحرضة عليها.

ثم أصدر الإخوة من قيادات الجماعة الإسلامية سلسلة من الدراسات الإسلامية والواقعية، تشرح هذه المبادرة ومبرراتها والتدليل عليها بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وشروح الأئمة، سموها سلسلة (تصحيح المفاهيم). قال ناشر هذه السلسلة هي إحدى الثمار الطيبة لهذه المبادرة، أراد لها كاتبوها أن تكون بيانًا لمفاهيم أسيء فهمها، وتصحيحًا لمسارات تبين خطؤها، وتكميلاً لأمور ظهر مسيس الحاجة إليها في مسيرة العمل للإسلام.

قال: وتأتي عظمة هذه السلسلة أنها خُطت وروجعت وأقرت بأيدي القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية كرم زهدي، ناجح إبراهيم، أسامة حافظ، فؤاد الدواليبي، حمدي عبد الرحمن، علي الشريف، عاصم عبد الماجد، عصام دربالة. انتهى.

ومما لفت نظري في هذه الدراسات أن كتبي كانت من (المحظورات) عندهم، ولكني وجدتهم ينقلون منها صفحات وصفحات، في مواضع شتى، وهذا يدل على أن القوم مخلصون في توجههم، وأنهم تحرروا من العقد القديمة، ومن أسر التعصب لمدرسة واحدة، وهذا من دلائل الرشد، والتماس الحكمة من أي وعاء خرجت.

عشرة موانع شرعية عن قتال الأنظمة

لقد وجد الإخوة أن الجهاد المسلح أو القتال للأنظمة الحاكمة الذي كانوا يتبنونه ويعتقدونه أمرًا واجبًا شرعيًّا، لم يَعُد اليوم واجبًا عليهم؛ لوجود موانع عدة تمنع ذلك، وعدوا عشرة موانع، ودللوا عليها، وذلك في كتابهم الأول تحت عنوان: (مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية ونظرة شرعية).

  1. المانع الأول: أن يغلب على الظن أن الجهاد أو القتال أو الصدام المسلح لن يحقق المصلحة المتوخاة منه والتي شرع من أجلها.

  2. المانع الثاني: إذا تعارض القتال مع هداية الخلق. (بل ربما أصبح منفرًا لهم).

  3. المانع الثالث: العجز، أي عدم القدرة، فكل الواجبات تسقط بالعجز "فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن: 16).

  4. المانع الرابع: التهلكة، كما قال تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" (البقرة: 195).

  5. المانع الخامس: وجود مسلم أو مسلمين في صفوف المشركين، فإن حرمة دم هذا المسلم الذي اختلط بالمشركين ولم يتميز عنهم تصون دماء هؤلاء، وتحرم المساس بهم حماية للمسلمين معهم، وفي هذا يقول القرآن: "ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليمًا" (الفتح: 25).

  6. المانع السادس: نطق الكفار بالشهادتين، وتوبة المرتد ورجوعه إلى الإسلام. ورجوع العاصي إلى الطاعة.

  7. المانع السابع: إذا كانت المفاسد والفتن المترتبة على القتال أعلى من المصالح المتوقعة منه.. أو إذا كان ما يضيعه من المصالح أعظم مما يجلبه منها.

  8. المانع الثامن: وهو خاص بأهل الكتاب، وخلاصته: أنهم إذا أدوا الجزية إلى الحاكم، وعقد لهم عقد الذمة، امتنع قتالهم، سواء دفعوا إليه باسم الجزية أم غيرها، فما داموا قد أبدوا رغبتهم في الدخول مع المسلمين في عقد ذمة وجب إجابتهم، وامتنع قتالهم. فإن فعلوا ذلك، فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا.

  9. المانع التاسع: عدم بلوغ الدعوة، ولا يجوز قتال من لم تبلغه الدعوة.

  10. المانع العاشر: عقد الصلح، والصلح خير، قال الشيخ الحصكفي في الدر المختار شرح تنوير الأبصار: ويجوز الصلح على ترك الجهاد معهم بمال منهم أو منًّا، لو خيرًا؛ لقوله تعالى: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله" (الأنفال: 61). قال ابن عابدين في حاشيته: والآية مقيدة برؤية المصلحة إجماعًا.[5]

وهذا الصلح متى أبرم امتنع القتال، سواء كان الصلح مؤقتًا أم غير مؤقت.

هذه الموانع العشرة التي ذكرتها دراسة الإخوة في الجماعة الإسلامية، وفصلوها بأدلتها في كتابهم الأول: (مبادرة وقف العنف) وختموا الكتاب بهذه الفقرة القوية المعبرة عن اتجاههم الجديد بكل جلاء.

قالوا: (فإننا كجزء من الحركة الإسلامية يجب أن يكون واضحًا أمامنا الهدف الذي نسعى إليه، ولا بد أن نقيِّم كل خطوة نخطوها على ضوء مدى مساهمتها في تحقيق هذا الهدف. وإن هدفنا الأسمى هو ما جاءت به الرسل أقوامهم: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" (المؤمنون: 32). هدفنا تعبيد الناس لربهم أي هداية الخلائق، ولا بد أن نتملك الشجاعة الكافية للإقدام على أي قرار نراه محققًا لهذا الهدف.

ولا بد أيضًا أن نمتلك الشجاعة الكافية للإحجام عن أي قرار نراه مباعدًا بيننا وبين هذا الهدف، ولا بد كذلك أن نتملك شجاعة أكبر وأكبر للعدول عن أي قرار أو خطوة قد أقدم عليها بعضنا بالفعل، ويتبين لنا أنها لن تعين على الوصول لهدفنا سالف الذكر، أعني: هداية الناس. وليس من الشجاعة في شيء أن نترك رحى الحرب دائرة بين أبناء وطننا، ونحن متأكدون أنها قبل أن تطحن جماجم وعظامًا، ستطحن دعوة هذا الدين.

بل الشجاعة هي ما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين رأى المصلحة في ترك قتال قريش، فوادعهم حتى قال عمر: ولم نعطي الدنية في ديننا؟[6]

ومن شجاعته صلى الله عليه وسلم: تعلم خالد بن الوليد، فانسحب بالمسلمين يوم مؤتة، تاركًا القتال حتى صاح فيه وفي جيشه بعض المسلمين: يا فُرَّار يا فرار.

وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم تلقينا، ومنه تعلمنا، ومن ثَمّ أصدرنا مبادرة وقف الأعمال القتالية بمصر. انتهى.

أعتقد أن موقف (الجماعة الإسلامية) في مصر، ورجوعها عن أفكارها ومواقفها السابقة، وتخطئتها لنفسها في شجاعة، وإصدارها سلسلة (تصحيح المفاهيم) يؤيد جدوى الحوار مع جماعات العنف، ويرد على أولئك الذين ينادون بالمواجهة الأمنية وحدها، فالمواجهة الأمنية قد تهزمهم وتلزمهم جحورهم إلى حين، ولكن المشكلة الفكرية باقية، ولا زالت معششة في الرؤوس، حتى تجد الفرصة مرة أخرى، فتظهر باسم جديد، وفي شكل جديد.

محاور الدراسة:


رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

[1] رواه النسائي في كتاب تحريم الدماء من سننه (7/82،83) عن عبد الله بن عمر، وروى نحوه من حديث بريدة، ورواه الترمذي في الديات (1395) مرفوعا وموقوفا، ورجح الموقوف، ورواه ابن ماجة عن البراء بن عازب (2619) وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون. وحسنه الحافظ ابن حجر في التلخيص، وصححه الألباني.

[2] متفق عليه: رواه البخاري (1771) ومسلم (1371/47) عن عليّ.

[3] متفق عليه: رواه البخاري (350) ومسلم (336/70).

[4] اسم حي لضاحية من ضواحي الجزائر العاصمة، كان يسكنه جم غفير من الإسلاميين المخالفين لجماعات العنف.

[5] راجع ذلك فيما كتبناه في باب (بماذا ينتهي القتال؟) من دراستنا الموسعة (فقه الجهاد).

[6] جزء من حديث رواه البخاري (3010) و(3011) ومسلم (1785/94) عن سهل بن حنيف رضي الله عنه.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم