English

 

الأحد. يونيو. 6, 2004

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

المسلمون والعنف السياسي.. نظرات تأصيلية

العمليات الاستشهادية أعلى أنواع الجهاد

دكتور يوسف القرضاوي

Image

أما العمليات الاستشهادية التي تقوم بها فصائل المقاومة الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الصهيوني، فهي لا تدخل في دائرة الإرهاب المجرّم والمحظور بحال من الأحوال، وإن كان من ضحاياها بعض المدنيين، وذلك لعدة أسباب:

أولا: إن المجتمع الإسرائيلي -بحكم تكوينه الاستعماري[1] الاستيطاني الإحلالي العنصري الاغتصابي- مجتمع عسكري لحما ودما، مجتمع عسكري كله، أي أن كل من جاوز سنّ الطفولة منه، من رجل أو امرأة، مجند في جيش إسرائيل، كل إسرائيلي جندي في الجيش، إما بالفعل، وإما بالقوة، أي هو جندي احتياط، يمكن أن يستدعى في أي وقت للحرب. وهذه حقيقة ماثلة للعيان، وليست مجرد دعوى تحتاج إلى برهان. وهؤلاء الذين يسمونهم (مدنيين) هم في حقيقة أمرهم (عساكر) في جيش بني صهيون بالفعل أو القوة. وخصوصا سكان (المستوطنات) منهم التي أقاموها بالعنف، وأنشئوها قلاعا للعدوان.

ثانيا: إن المجتمع الإسرائيلي له خصوصية تميزه عن غيره من سائر المجتمعات البشرية، فهو – بالنسبة لأهل فلسطين – (مجتمع غزاة) قدموا من خارج المنطقة - من روسيا أو من أمريكا، أو من أوربا أو من بلاد الشرق- ليحتلوا وطنا ليس لهم، ويطردوا شعبه منه، أي ليحتلوا فلسطين ويستعمروها، ويطردوا أهلها، ويخرجوهم من ديارهم بالإرهاب المسلح، ويشتتوهم في آفاق الأرض، ويحلوا محلهم في ديارهم، وأموالهم. ومن حق المغزو أن يحارب غزاته بكل ما يستطيع من وسائل، ليخرجهم من داره، ويردهم إلى ديارهم التي جاءوا منها، ولا عليه أن يصيب دفاعه رجالهم أو نساءهم، كبارهم أو صغارهم، فهذا الجهاد (جهاد اضطرار) كما يسميه الفقهاء لا جهاد اختيار، جهاد دفع لا جهاد طلب. ومن سقط من الأطفال والبرآء فليس مقصودا، إنما سقط تبعا لا قصدا، ولضرورة الحرب.

ومرور الزمن لا يسقط عن الصهاينة: صفة الغزاة المحتلين المستعمرين، فإن مضيّ السنين لا يغير الحقائق، ولا يُحل الحرام، ولا يبرر الجريمة، ولا يعطي الاغتصاب صيغة الملكية المشروعة بحال. فهؤلاء الذين يسمون (المدنيين) لم يفارقهم وصفهم الحقيقي: وصف الغزاة البغاة الطغاة الظالمين. (ألا لعنة الله على الظالمين).

ثالثا: يؤكد هذا أن الشريعة الإسلامية -التي هي مرجعنا الأوحد في شئوننا كلها- تصف غير المسلمين بأحد وصفين لا ثالث لهما، وهما: مسالم ومحارب. فأما المسالم، فالمطلوب منا أن نبره ونقسط إليه، وأما المحارب فالمطلوب منا أن نحاربه، ونقابل عدوانه بمثله. كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ) [البقرة: 190-193].

وهؤلاء هم الذين يسميهم الفقهاء (الحربيين)، ولهم في الفقه أحكامهم الخاصة بهم.

ومن المقرر شرعا أن (الحربي) لم يعد معصوم الدم والمال، فقد أسقط بحربه وعدوانه على المسلمين عصمة دمه وماله.

رابعا: يؤكد ذلك أن فقهاء المسلمين: اتفقوا -أو اتفق جمهورهم- على جواز قتل المسلمين إذا تترس بهم الجيش المهاجم للمسلمين، أي اتخذ العدو منهم تروسا ودروعا بشرية يحتمي بها، ويضعها في المقدمة، ليكونوا أول من تصيبهم نيران المسلمين أو سهامهم وحرابهم، فأجاز الفقهاء للمسلمين المدافعين أن يقتلوا هؤلاء المسلمين البرآء، الذين أكرهوا على أن يوضعوا في مقدمة جيش عدوهم –لأنهم أسرى عنده أو أقلية ضعيفة، أو غير ذلك- إذ لم يكن لهم بد من ذلك، وإلا دخل عليهم الجيش الغازي، وأهلك حرثهم ونسلهم. فكان لا بد من التضحية بالبعض، مقابل المحافظة على الكل، وهو من باب (فقه الموازنات) بين المصالح والمفاسد بعضها وبعض.

فإذا جاز قتل المسلمين الأبرياء المكرهين للحفاظ على جماعة المسلمين الكبرى، فأن يجوز قتل غير المسلمين، لتحرير أرض المسلمين من محتليها الظالمين: أحق وأولى.

خامسا: إن الحرب المعاصرة تجند المجتمع كله، بكل فئاته وطوائفه، ليشارك في الحرب، ويساعد على استمرارها، وإمدادها بالوقود اللازم من الطاقات المادية والبشرية، حتى تنتصر الدولة المحاربة على عدوها. وكل مواطن في المجتمع عليه دور يؤديه في إمداد المعركة، وهو في مكانه، فالجبهة الداخلية كلها -بما فيها من حرفيين وعمال وصناع- تقف وراء الجيش المحارب، وإن لم تحمل السلاح؛ ولذا يقول الخبراء: إن الكيان الصهيوني -في الحقيقة- (إسرائيل) كله جيش.

سادسا: إن الأحكام نوعان:أحكام في حالة السعة والاختيار ، وأحكام في حالة الضيق والاضطرار ، والمسلم يجوز له في حالة الاضطرار ما لا يجوز له في حالة الاختيار، ولهذا حرم الله تعالى في كتابه في أربع آيات: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، ثم قال: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 173].

ومن هنا أخذ الفقهاء قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وإخوتنا في فلسطين في حالة ضرورة لا شك فيها، بل هي ضرورة ماسة وقاهرة، للقيام بهذه العمليات الاستشهادية، لإقلاق أعدائهم وغاصبي أرضهم، وبث الرعب في قلوبهم، حتى لا يهنأ لهم عيش، ولا يقر لهم قرار، فيعزموا على الرحيل، ويعودوا من حيث جاءوا. ولولا ذلك لكان عليهم أن يستسلموا لما تفرضه عليهم الدولة الصهيونية من مذلة وهوان يفقدهم كل شيء، ولا تكاد تعطيهم شيئا!

أعطوهم عشر معشار ما لدى إسرائيل من دبابات ومجنزرات، وصواريخ وطائرات، وسفن وآليات، ليقاتلوا بها. وسيدعون حينئذ هذه العمليات الاستشهادية. وإلا فليس لهم من سلاح يؤذي خصمهم، ويقض مضجعه، ويحرمه لذة الأمن وشعور الاستقرار، إلا هذه (القنابل البشرية): أن (يُقَنْبل) الفتى أو الفتاة نفسه، ويفجرها في عدوه. فهذا هو السلاح الذي لا يستطيع عدوه -وإن أمدته أمريكا بالمليارات وبأقوى الأسلحة- أن يملكه، فهو سلاح متفرد، ملّكه الله تعالى لأهل الإيمان وحدهم، وهو لون من العدل الإلهي في الأرض لا يدركه إلا أولو الأبصار. فهو سلاح الضعيف المغلوب في مواجهة القوي المتجبر، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) [المدثر: 31].

الرد على شبهات المعارضين

الذين يعارضون العمليات الاستشهادية يعارضونها لشبهات ثلاثة:

  1. أنها تدخل في (الانتحار) أي قتل النفس، وإلقائها في التهلكة، والانتحار من أكبر المحرمات في الإسلام.

  2. أنها كثيرا ما تصيب المدنيين الذين لا يحاربون من النساء والأطفال، وهؤلاء يحرم قتلهم في الإسلام، حتى في حرب المواجهة بين الجيوش، وحتى الرجال الذين يُقتلون هم من المدنيين الذين لا يحملون السلاح.

  3. أنها أدت إلى إلحاق الأذى والضرر بالفلسطينيين، بسبب عمليات الانتقام الفظيعة التي تقوم بها دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) من قتل وتدمير وإحراق واستباحة للمحرمات. فلو كانت هي مشروعة أصلا لأصبحت محظورة بنتائجها وآثارها. والنظر إلى (مآلات الأفعال) مطلوب شرعا.

العلميات الاستشهادية أبعد ما تكون عن الانتحار:

فأما الذين يعارضون العمليات الاستشهادية بأنها نوع من (الانتحار) أو (قتل النفس) فهم جد مخطئين، فإن الهدف مختلف تماما بين (الاستشهادي) وبين (المنتحر). ومن ناحية أخرى: من يحلل نفسية (الاستشهادي) ونفسية (المنتحر) يجد بينهما بونا شاسعا.

فالمنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه، لإخفاقه في صفقة أو في حب أو في امتحان، أو غير ذلك، فضعف عن مواجهة الموقف، فقرر الهرب من الحياة بالموت.

أما الاستشهادي، فهو لا ينظر إلى نفسه، إنما يضحي من أجل قضية كبيرة، تهون في سبيلها كل التضحيات، فهو يبيع نفسه لله، ليشتري بها الجنة، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة:111].

فإذا كان المنتحر يموت فارا منسحبا، فإن الاستشهادي يموت مقداما مهاجما.

وإذا كان المنتحر لا غاية له إلا الفرار من المواجهة، فإن الاستشهادي له غاية واضحة، هي تحقيق مرضاة الله تعالى، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ -أي يبيعها- ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة: 207].

إصابة المدنيين:

أما شبهة إصابة المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال والموظفين والعمال وغيرهم من طبقات المجتمع المدني، ممن لا يحملون السلاح: فقد رددنا على هذه الشبهة بما يبطلها فيما مضى، وأن المجتمع الإسرائيلي مجتمع عسكري كله، وأنه مجتمع من الغزاة… إلخ، فليراجع ما كتبناه.

وبالنسبة للأطفال، نرى الاستشهاديين لا يتعمدون قتل الأطفال، ولا يقصدون ذلك أصلا، ولكن هذا يأتي تبعا، وبحكم الضرورة التي لا يمكن تخطيها. ومن المعلوم: أن للضرورات أحكامها، التي بها تباح المحظورات، وتسقط الواجبات.

الإضرار بالفلسطينيين:

وأما شبهة الإضرار بالفلسطينيين، وأنها عادت عليهم بالقتل والتدمير والإحراق، بسبب عمليات الانتقام الصهيونية، فإن ذراع إسرائيل أطول، وقدرتها على الانتقام أقوى، وهي تكيل بالصاع صاعين، بل عشرة أصوع. فنجيب هنا بما يلي:

أولا: إن إسرائيل كانت دائما هي البادئة بالشر والأذى، والمقاومة هي التي تحاول أن ترد وتدافع عن نفسها، وهذا واضح وضوح الشمس لا يستطيع أن ينكره أحد. ويكفي أن إسرائيل ـ بحكم الشرعية الدولية كما يسمونها ـ تعتبر دولة محتلة لأرض الغير، وأن الفلسطينيين يدافعون عن وطنهم المحتل، ويقاومون عدوا غازيا لهم.

ثانيا: إن هذا العدوان طبيعة في إسرائيل، منذ قامت وإلى اليوم. بل هي لم تقم إلا على المجازر والاستباحة للدماء والحرمات والأموال. وما كان بالذات لا يتخلف. فلو أغمد الفلسطينيون أسلحتهم الخفيفة القليلة لاستمر الإسرائيليون يقتلون ويذبحون ويدمرون.

ثالثا: لا ينبغي أن نضخم في أثر الضربات الإسرائيلية على الفلسطينيين، ونغفل آثار الضربات الاستشهادية في كيان بني صهيون، وما تحدثه من رعب وذعر وتهديد للمستقبل، وشعور بعدم الاستقرار، حتى فكر كثيرون في الرحيل، ورحل بعضهم بالفعل. ناهيك بما تحدثه من أثر في السياسة والسياحة والاقتصاد وغيرها.

وهو ما جعل إسرائيل وأمريكا من ورائها تحاولان بكل جهد وحيلة: إيقاف العمليات الاستشهادية بأي ثمن، ومن ذلك تحريض السلطة الفلسطينية على ضرب المقاومة والتخلص منها بدعوى مقاومة الإرهاب.

فإذا كنا نشكو، فهم أكثر شكوى منا، وقد قال تعالى: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) [النساء: 104].

محاور الدراسة:


رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

[1] انظر في بيان أوصاف هذا الاستعمار وآثاره: كتابنا (القدس قضية كل مسلم).

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم