English

 

الاثنين. يونيو. 12, 2006

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

قضية فلسطين.. بين الفقه والسياسة

صحة النظر.. واختلاف الواقع

ماهر السوسي

Image

إن محور الموضوع هو عقد حركة حماس، باعتبارها حكومة الشعب الفلسطيني، اتفاقية سلام طويلة الأمد مع إسرائيل يتم من خلالها اعتراف الفلسطينيين والإسرائيليين بكل المقررات الدولية المرتبطة بالقضية الفلسطينية كمرجع لهذا الاتفاق.

وقد ذكر الكاتب كثيرا من المبررات التي دعم بها موقفه هذا، وخصوصا أنه بني على فكرة الشيخ المجاهد أحمد ياسين رحمه الله في عقد هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل مدعما ذلك بالأدلة الشرعية من مثل اتفاق النبي صلى الله عليه وسلم مع قبيلة غطفان على أن يدفع لهم ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم من التحالف الذي كان معقودا ضد المسلمين.

وكذلك استشهد بما ورد عن كثير من الفقهاء من جواز دفع المسلمين المال للكفار مقابل كف القتال عنهم إذا كان المسلمون في حالة ضعف لا يستطيعون فيها مقاومة أعدائهم.

كما استشهد بمجموعة من القواعد الفقهية مثل: الضرر قديم، والتكليف بمقدار الوسع، وكذلك فإنه اعتمد على أن الشعب الفلسطيني قد بذل كل ما بوسعه من أجل القضية الفلسطينية، وأنه يقاتل عدوا قتالا غير متكافئ من الناحية المادية؛ حيث إن العدو يملك كل ما أمكنه أن يمتلك من أحدث وسائل القتال التي شهدها العالم، وإن جيشه يعد في مصاف أوائل جيوش العالم مع الأخذ بعين الاعتبار قلة أسلحة الفلسطينيين ورداءتها.

إضافة إلى ذلك أن الإسرائيليين هم عدو لا يرقب في الفلسطينيين إلاًّ ولا ذمة، وقد ارتكبوا ما ارتكبوا من مجازر وجرائم يعرفها القاصي والداني، وأن هذا العدو لم يتورع عن ارتكاب مجازر ومذابح أخرى، إضافة إلى ذلك أبشع أنواع التعذيب والتنكيل والحصار والتجويع للشعب الفلسطيني، إضافة الى الآلاف من الأسرى في السجون الإسرائيلية وهم في مجملهم من خيرة الشباب الفلسطيني، مع العلم بأن الشعب الفلسطيني لم يترك وسعا في مقارعة هذا العدو، إضافة إلى أن القضية الفلسطينية ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل هي قضية المسلمين عامة الذين لم يقدموا شيئا على الإطلاق.

إن الطرح الذي طرحه الكاتب والذي دعمه بهذه الأدلة هو طرح من الناحية النظرية صحيح، ومبرراته صحيحة ومقبولة؛ فقد استشهد بنقول كثيرة للفقهاء المسلمين.

لكن الواقع في الحقيقة يختلف.. واقعنا اليوم يختلف عن الواقع الذي كان يعيشه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فمع صحة الطرح الذي طرحه الكاتب إلا أنه لو تصادم مع واقعنا فسينتج عنه محظورات كبيرة تكبل المسلمين كافة؛ وذلك لما يلي:

الصلح.. مع العزة والعزيمة

أولاً: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اتفق مع غطفان على دفع ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم من الحلف ضده، كان يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم أن خلفه أمة مسلمة هي في ازدياد وتنامي وإيمانها يزداد.

ويعلم أن المسلمين في نشاط دائم وأن حبهم لدينهم عظيم، وأن طاعتهم لشرعهم طاعة غير مشكوك فيها. لكنه أراد مؤقتا أن يحيّد غطفان من أرض المعركة حتى يتفرغ لغيرها ثم يعود إليها فيما بعد، والدليل على ذلك أن سعد بن معاذ رضي الله عليه اعترض على النبي لأجل هذا الأمر وقال: "كيف نرضى الدنية في ديننا؟! والله ما كنا نعطيهم هذا ونحن كفار فلا نعطيهم إياه ونحن مسلمون!".

فهذا دليل على أن المسلمين كانوا أصحاب عزة وعزيمة حتى على ضعفهم وقلة عددهم في ذلك الوقت، وأن كلهم عنفوان واندفاع لنصرة دين الله سبحانه وتعالى.

وهذا الأمر في الحقيقة غير موجود الآن؛ فنحن لا نرى إلا ضعفا في المسلمين، ولا نرى إلا تشتتًا وتهاونا وسكونا وسكوتا على حكام لا يرقبون فيهم إلاًّ ولا ذمة يزيدونهم تكبيلا على تكبيلهم وضعفا على ضعفهم. فالمستقبل في الحقيقة من هذه الزاوية مستقبل مظلم، حتى نهاية النفق ليست واضحة في هذا الأمر.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا صالح كفار مكة في صلح الحديبية أيضا أراد أن يصالحهم وهو يعلم أن له الحق، كامل الحق، في أرض مكة ومقدساتها، لكنه صالحهم على أمل ألا تسفك الدماء، وهو يعلم أيضا أن وراءه جيشا من المسلمين الذين بإمكانهم أن يحاربوا بعد انتهاء هذا الصلح، لا مسلمين متهاونين يركنون إلى هذا الصلح؛ بدليل أن صحابته رضي الله عنهم جميعا قد اعترضوا على صلحه مع كفار مكة وهاجوا وماجوا وتأخروا في نحر الهدي حتى حزن الرسول صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا.

هذا يدلل على أن الصحابة ما كانوا يركنون إلى مثل هذا الصلح وإلى مثل هذه الهدنة، بل كانت عزيمتهم قوية ونفوسهم عالية، وحبهم للإسلام كان أكبر من حبهم لأرواحهم وأموالهم وأولادهم، وهذه الصفة غير موجودة في المسلمين اليوم كما ذكرت في السابق.

الاتفاقات .. ملزمة

إضافة إلى ذلك لم تكن هناك منظمات دولية توثّق المعاهدات والاتفاقيات بين الدول والشعوب والأمم، ولم يكن هناك منظمات دولية تقرر أن الاتفاقيات ملزمة للدول مهما تغيرت الحكومات ومهما تعاقبت الأحزاب الحاكمة في دولة من الدول.

إن الاتفاقيات اليوم هي ملزمة بغض النظر عن الأشخاص الحاكمة في الدول، وبالتالي أي اتفاقية تعقدها في أي دولة من الدول فهي ملزمة لهذه الدولة إلى ما لا نهاية، أو إلى أن يصدر من الطرف الآخر ما ينقض هذه الاتفاقية.

وبالتالي، أي اتفاقية قد تعقدها حماس مع إسرائيل.. أخطر ما فيها أن يكون هناك اعتراف بإسرائيل، والاعتراف بإسرائيل هو التزام أمام شعوب العالم قاطبة بأنه لا حق لنا في فلسطين المحتلة عام 1948 بدليل أننا نعترف بإسرائيل القائمة على هذه الأرض، وهذا يعني أن شعوب العالم تشهد على هذا الأمر، والمنظمات الدولية تشهد على هذا الأمر، وأن الكل سيلزمنا في ما بعد بهذا الأمر.

ومن يدرينا إذا حاولنا -كما يفكر الكاتب- أن نتراجع عن ذلك، من يدرينا أنْ تجيّش الأمم المتحدة والولايات المتحدة جيوش العالم من أجل مقاتلتنا بحجة أننا خرجنا على الإجماع الدولي ونقضنا معاهدة قد اتفقنا عليها وقد أبرمناها على مرأى ومسمع من شعوب العالم كله.. فهذا أمر خطير يجب أن ننتبه إليه.

هذه هي المحاذير، والمتأمل قد يجد محاذير غيرها كثيرة نتجت عن اختلاف الواقع.

أنا قلت: إن النظرية التي طرحها الكاتب بمبرراتها هي نظرية صحيحة، لكنها تحتاج إلى إعادة صياغة من جديد حتى تنطبق مع الواقع بمتغيراته، وحتى لا تكبل المسلمين بقيود لا يستطيعون الفرار منها، وحتى لا يركن إليها باقي المسلمين مع تأكيدي على ما قاله الكاتب من أن هذا الاتفاق جائز للفلسطينيين دون غيرهم من المسلمين.

لكن نحن نخشى أن يركن باقي المسلمين على هذا الاتفاق فلا يتحركوا أي حركة في نصرة القضية الفلسطينية حتى لو عادت إليهم قوتهم.

إذن ينبغي الآن صياغة هذه النظرية صياغة جديدة تنطبق مع هذا الواقع، وتتجاوز هذه المحاذير التي ذكرتها، هذا ما استطعت أن أصل إليه من خلال قراءتي لهذا المقال.

اقرأ في الملف:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم