English

 

الأربعاء. ديسمبر. 27, 2000

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » التاريخ والحضارة

 

تقاليد نظام الوقف في رمضان

محرر صفحة الإسلام وقضايا العصر

Image

التكييف الشرعي لصوم رمضان وللوقف:

  1. صوم رمضان هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وفريضة من فرائضه، وحكمه " الوجوب " حيث اقتضاه الشارع على وجه التحتيم والإلزام قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين مـن قـبلكم لعلكم تتقون " ( البقرة : 183 ) وقال سبحانه " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر " (البقرة : من الآية 185) "والوجوب " في صوم رمضان هو " وجوب عيني "، طلب الشارع أداءه في شهر رمضان من كل فرد من أفراد المكلفين، ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر، شأنه شان الصلاة والزكاة والحج وسائر الواجبات العينية - وكل مكلف خال من الأعذار المانعة يسهل عليه أداء واجب الصوم؛ فما عليه إلا أن يعقد النية ويمتنع عن الأكل والشرب والمعاشرة الزوجية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس طيلة أيام الشهر، وليس ثمة إجراءات أخرى ولا ترتيبات خاصة افترضها الشرع لصحة أداء هذا " الواجب " . وللصوم آدابه، ولشهر رمضان فضائله؛ منها أنه أنزل فيه القرآن هدى للناس، وفيه تضاعف الحسنات، وهو موسم للقرب من الله بفعل الطاعات، وفيه أيضاً واجب أداء زكاة الفطر مرضاة لله تعالى، وطهرة للصائم، ‏ومعونة للمحتاج.

  2. أما " الوقف " فحكمه أنه مندوب - عند جمهور الفقهاء - ويعده الأحناف من قبيل المباح، ومعناه في اللغة " الحبس أو المنع " وفي اصطلاح الفقهاء هو عبارة عن " حبس العين عن أن تكون مملوكة لأحد من الناس، وجعلها على حكم ملك الله تعالى، والتصدق بريعها على جهة من جهات الخير في الحال أو في المآل " . وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أول من أنشأ وقفاً في الإسلام، وتبعه الصحابة والتابعون، ثم عامة المسلمين وخاصتهم متأسين به صلى الله عليه وسلم في عمل الخير، وفي الحرص على مصلحة الجماعة، والمشاركة في توفير المنافع العامة.

    وبالرغـم من أن التوجيـه الشرعي المتعلق بالوقـف قـد جاء على سبيـل " الندب " وليس على سبيل " الوجوب " أو " الفرض "، وبالرغم من اختلاف المذاهب الفقهية حول أصول الوقف وتفاصيله ما بين مضيق مرغب عنه، وموسع مرغب فيه؛ إلا أن هـذا التوجيه قد وجد قبولاً اجتماعياً واسع النطاق، وانتشر العمل به في مختلف البلدان الإسلامية، وعبر العصور المتلاحقة منذ الصدر الأول للإسلام ولازالت آثاره باقية حتى الآن، وإن كان الإقبال عليه قد انحسر خلال معظم عقود القرن العشرين.

    وإذا نظرنا إلى الأمر " بالوقف " نظر الأصوليين أواجب عيني هو أم كفائي ؟ سنجد أنه ليس واجباً عينياً ولا خلاف في ذلك، ولكن يصعب جـداً اعتـباره واجـباً كفائياً، إذ الأمر به لـم يتوجه إلى مجموع المكلفين؛ بحـيث إذا قـام بـه بعضـهم فقـد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج (الشرعيين) عن الباقين . ومع هذا فالذي نلاحظه هو أن " الوقف " كان - ولا يزال إلى حد ما أداة أو وسيلة للوفاء بكثير من " الواجبات الكفائية "؛ ذلك لاتساع ممارسته الفردية ثم الجماعية، ولتشعبه وارتباطه - بمرور الزمن - بشتى مجالات الحياة الاجتماعية، ولدوره في توفير كثير من الخدمات، ودعم كثير من ‏المرافق والمصالح العامة، واعتمادها عليه في الحصول على قسط رئيسي من التمويل اللازم لوجودها واستمرارها، حتى إن فقيهاً كبيراً مثل أبي يعلي الحنبلي اعتبر أن " الرزق" - وقصد به الشيء الذي ‏ينتفع به - " يؤخذ من بيت المال، أو من الأوقاف العـامة المحبسة عـلى مصالح المسلمين وإقامة شعائر الدين[1].

    إن كثيراً من الواجبات الكفائية لم يكن من الممكن الوفاء بها إلا من خلال نظام الوقف، ومن هذه الزاوية صار " الوقف " واجباً كفائياً؛ إذ مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب " .

  3. الحاصل أن الصوم " كواجب " شرعي وفريضة من فرائض الإسلام هو عبارة عن محض عبادة؛ يؤديها المسلم في علاقة خاصة بينه وبين الله تعالى، وامتثالاً لأمره، وثمرته هي التقوى قال ‏تعالى " لعلكم تتقون ".

أما الوقف كمندوب شرعي ففيه يجتمع معنى العبادة الدينية ومعنى المعاملة المدنية، إذ هو في جوهره عـمل مشترك بين " حق الله تعالى، وحق العبد "، وهو في مغزاه دليل على وجود حد أدنى من التّدين لدى الواقف - بشرط سلامة نيته ومشروعية عمله - وهو في حده الأقصى - رمز على تقواه وصلاحه ورغبته " ‏في المشاركة بتحمل قسط من المسئولية تجاه المحيطين به، وتجاه مجتمعه بصفة عامه.

ولكن ما علاقة الوقف بالصوم على مستوى الممارسة الاجتماعية ؟

وكيف نشأت هذه العلاقة وكيف تطورت وما أهم مظاهرها ؟


[1] انظر أبو يعلي الحنبلي: الأحكام السلطانية، صححه وعلق عليه محمد حامد الفقي (القاهرة : 1916) ص 98.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم