أما " الوقف " فحكمه أنه مندوب - عند جمهور الفقهاء - ويعده الأحناف من قبيل المباح، ومعناه في اللغة " الحبس أو المنع " وفي اصطلاح الفقهاء هو عبارة عن " حبس العين عن أن تكون مملوكة لأحد من الناس، وجعلها على حكم ملك الله تعالى، والتصدق بريعها على جهة من جهات الخير في الحال أو في المآل " . وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أول من أنشأ وقفاً في الإسلام، وتبعه الصحابة والتابعون، ثم عامة المسلمين وخاصتهم متأسين به صلى الله عليه وسلم في عمل الخير، وفي الحرص على مصلحة الجماعة، والمشاركة في توفير المنافع العامة.
وبالرغـم من أن التوجيـه الشرعي المتعلق بالوقـف قـد جاء على سبيـل " الندب " وليس على سبيل " الوجوب " أو " الفرض "، وبالرغم من اختلاف المذاهب الفقهية حول أصول الوقف وتفاصيله ما بين مضيق مرغب عنه، وموسع مرغب فيه؛ إلا أن هـذا التوجيه قد وجد قبولاً اجتماعياً واسع النطاق، وانتشر العمل به في مختلف البلدان الإسلامية، وعبر العصور المتلاحقة منذ الصدر الأول للإسلام ولازالت آثاره باقية حتى الآن، وإن كان الإقبال عليه قد انحسر خلال معظم عقود القرن العشرين.
وإذا نظرنا إلى الأمر " بالوقف " نظر الأصوليين أواجب عيني هو أم كفائي ؟ سنجد أنه ليس واجباً عينياً ولا خلاف في ذلك، ولكن يصعب جـداً اعتـباره واجـباً كفائياً، إذ الأمر به لـم يتوجه إلى مجموع المكلفين؛ بحـيث إذا قـام بـه بعضـهم فقـد أدى الواجب وسقط الإثم والحرج (الشرعيين) عن الباقين . ومع هذا فالذي نلاحظه هو أن " الوقف " كان - ولا يزال إلى حد ما أداة أو وسيلة للوفاء بكثير من " الواجبات الكفائية "؛ ذلك لاتساع ممارسته الفردية ثم الجماعية، ولتشعبه وارتباطه - بمرور الزمن - بشتى مجالات الحياة الاجتماعية، ولدوره في توفير كثير من الخدمات، ودعم كثير من المرافق والمصالح العامة، واعتمادها عليه في الحصول على قسط رئيسي من التمويل اللازم لوجودها واستمرارها، حتى إن فقيهاً كبيراً مثل أبي يعلي الحنبلي اعتبر أن " الرزق" - وقصد به الشيء الذي ينتفع به - " يؤخذ من بيت المال، أو من الأوقاف العـامة المحبسة عـلى مصالح المسلمين وإقامة شعائر الدين[1].
إن كثيراً من الواجبات الكفائية لم يكن من الممكن الوفاء بها إلا من خلال نظام الوقف، ومن هذه الزاوية صار " الوقف " واجباً كفائياً؛ إذ مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب " .