|
وفي إطار بحثنا عما ذكرناه آنفًا، من سبل مواجهة ما يثيره موضوع "الإسلام والتنمية" من إشكالات، ولأن محور الاهتمام في هذا الموضوع يتحدد بالحديث عن "الإسلام والتنمية"، لا الحديث في هذه العلاقة. لذلك فإن موضوع الرؤية للعملية الإنمائية هي من الأمور التي تستأهل بحثًا مستفيضَا ومتأنيًا، كما أنه ليس جهد فرد، وغاية هذا البحث أن يتحدث عن إشكالات مختلفة ومقاربات متنوعة ترتبط بهذه الإشكالات.
ويمكننا تصنيف هذه الإشكالات في أربعة مستويات:
المستوى الأول: إشكاليات المفهوم:
الإشكاليات المفردة: أي والتي تتعامل مع الظاهرة الإنمائية[1] بإشكالاتها على حدة، والظاهرة الإسلامية بإشكالاتها الأخرى.[2] والإشكالات المتعلقة بكل منهما بما يغطي مستويات التعامل المنهجي.
فمفهوم التنمية هو من المفاهيم الإشكالية، وأهم مواضعه الإشكالية تنصرف إلى أن محدوديته حبست المفهوم في مراحله الأولى ضمن القمقم الاقتصادي، ثم تحرك المفهوم ليشمل الحياة نفسها ليصف نمط الحياة بأنه متقدم أو أنه في نمو، أو سائر في سبيل التنمية، فتشمل كافة الجوانب إلي الدرجة التي يمكن دراسة كل شيء باعتباره تنمية.[3]
وهذا المفهوم وفق ما آل إليه تحرَّك ليحتلّ مساحات واسعة من الحقول المعرفية المختلفة، وظلت التخصصات المختلفة تدعي وصلاً به، وأفردت له ليس فقط الدراسات، بل جعلته أحد فروعها: "التنمية الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية السياسية، والتنمية الثقافية، والتنمية الأخلاقية …. إلخ".[4]
أما الظاهرة الإسلامية فتحيط بها من عناصر الافتعال والانفعال والإغفال ما يستحق التنويه. والإطار المفاهيمي الذي يحيط بها، مفهوم الأصولية مثلاً وطبيعة النظرة إليها منهجاً وتناولاً، وقد أوضحنا ذلك في بحث مستقل لا يسعنا في هذا المقام إلا الإحالة إليه.[5]
المستوى الثاني: الإشكال اللغوي:
من الإشكاليات التي ترتبط بالنظر في العلاقة، وأول مداخل النظر لإشكالية العلاقة بين الإسلام وما يمثله من إطار عقائدي ورؤية للعالم والتنمية باعتباره مفهوماً يشير إلى عمليات ترتبط بتراث الجماعة السياسية في كل المحاولات المختلفة هو: الإشكال اللغوي الذي يكمن في الجمع بينهما عطفًا من خلال حرف "الواو"؛ إن الوسط الذي أحاط بدراسة هذه العلاقة وعدم تحديد زاوية معالجتها جعل حرف الواو يمثل إشكالية في حد ذاته، هل هو يعنى مدخل الارتباط أو مدخل المغايرة؟ وهل يعبر عن حرف العطف بالاختيار بينهما: التنمية والإسلام: أي التنمية أم الإسلام، إشكال تثيره الدراسات الغربية التي تسمت بهذا الاسم لتحكم عناصر المغايرة بين الأمرين في إطار صناعة الصورة (الإسلام جامد غير متطور، ضد التقدم، وعقبة في سبيل التحديث، ومناقض للحداثة، وهو عامل غير مواتٍ للتنمية)، وهي تلبيسات يحركها ذلك الإشكال اللغوي.[6]
المستوى الثالث: إشكالية العلاقة على المستوى المفاهيمي:
وهو يرتبط بإشكالية العلاقة بين الإسلام والتنمية. وفى هذا المستوى نعالج هذه الإشكالية على المستوى المفاهيمي لا باعتبارهما مفردتين (الإسلام/ التنمية)، ولكن باعتبار العلاقة.
ندخل لهذا المستوى من مدخلين:
الأول: يعالج أساطير تحيط بقضية العلاقة وما تتركه من آثار في النظر والتحليل والتفسير.
الثاني: يتناول جملة من المغالطات تؤثر في إدراك وتصور هذه العلاقة ضمن الإدراك المنفعل والإدراك المفتعل والمغفل إدراكه.
1- أساطير العلاقة بين الإسلام والتنمية:
الأسطورة الأولى: سرير بروكوست:
أولى هذه الأساطير أسطورة التعامل مع الظواهر وحشرها ضمن مفاهيم وأدوات منهجية لا تصلح لدراستها ولا تبحث في لياقتها، ولكن تختار الحل الأمثل اعتسافاً، والأقرب إلي خراب الظاهرة وهلاك الناس، إنها أسطورة سرير "بروكوست".[7] والذي يعبّر عن شخصية أسطورية، كان يضع ضحاياه على سرير ثابت الأبعاد؛ فإن كانوا أطول قطع أجسامهم، وإن كانوا أقصر مطهم ليصبحوا بطوله، وإن كانوا بطول السرير تماماً أطلق سراحهم ونجَوْا من الموت.
الأسطورة الثانية: برج بابل:
أما الأسطورة الثانية والتي تتعلق ببرج بابل: فإنها توضّح جانبًا آخر من إشكالية المفردات (الإسلام والتنمية) والعلاقة بينهما.[8] وبابل إحدى مدن ما بين النهرين حاول أهلها قبل نوح -كما ورد في الكتاب المقدس- أن يشيدوا برجاً يصعد إلى عنان السماء فعوقبوا ببلبلة ألسنتهم، ولم يفهم بعضهم بعضاً، مع أنهم كانوا يتكلمون لغة واحدة. ويعللون بهذه القصة الأسطورة: تعدد اللغة وفوضى التعامل معها؛ بحيث لا تحقق اللغة مع اتحاد حروفها ما تقصده في الوصل والاتصال. إن ذلك في المفاهيم، فما بالك بعلاقات بين عالم مفاهيم وعالم قوى وعالم ظواهر؟
الأسطورة الثالثة: أليس في بلاد العجائب:
أما الأسطورة الثالثة: فتشير إليها قصة أليس في بلاد العجائب، وتشير إلي حوار بينها وبين "هامتي دامتي"، تقول أليس: "القضية هي ما إذا كنت تستطيع أن تجعل الكلمات تعبر عن كل هذه الأشياء المختلفة…؟! في تعجب شديد يجيب هامتي دامتي: "القضية هي من الذي سيكون له الغلبة، وهذا كل ما في الأمر"[9]. يوضح هذا الحوار كيف تكمن القوى خلف الكلمات، وكيف صار الأشخاص من سادة الكلمات التي تعني أشياء كثيرة مختلفة، فالكلمات مثلما يؤكد نلسون جودمان هي طريقة هامة لصنع العالم.[10]
الأسطورة الرابعة: إسار بروتيوس (القياس المحكم):
أما الأسطورة الرابعة: فهي أسطورة إسار بروتيوس[11]، فما وجدنا مفهوماً في حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية صار التعبير عنه باللغة الرقمية والأدوات الكمية (أي من خلال النماذج الإحصائية) أكثر من التنمية، إن من يتحدث عن التنمية بلا أرقام هو في العرف الأكاديمي لا يتحدث عن التنمية، وصار التكميم (الحديث عن الكمية الرقمية في العلوم الاجتماعية) أسطورة في حد ذاته. وذلك ضمن سياقات جعلت "عدّاد التنمية" يحصي كل شيء، أما إذا كان هذا الشيء لم يقبل أو يتقبل ما يفعله العدّاد فهو لا أهمية له.
2 - مغالطات العلاقة بين الإسلام والتنمية:
يوجد عدد من المغالطات التي تُرتكب بشأن العلاقة بين الإسلام والتنمية، تتمثل فيما يلي:
المغالطة الأولى: مغالطة الالتجاء إلى الانفعال[12]، الأيديولوجيات يمكن أن تلجأ إلى إثارة العواطف والانفعالات لتمرير خطابها، فحين ينجح المرسل في تأجيج عواطف وانفعالات المتلقي الإيجابية أو السلبية فهو يوفق إلى استغلال هذه الحالة التي تنخفض فيها اليقظة العقلية لحساب ازدهار وجداني تنتابه مشاعر مواتية، تجعل من اليسير تقبل الأفكار الصادرة عن المرسل. إن هذه الحالة تحرك عناصر رؤية انفعالية للعلاقة بين الإسلام والتنمية، تستدعي بشكل أو بآخر. وفى ظل شيوع مفهوم معين للتنمية، والإيحاءات المتضمنة في الكلمة "النمو" أو "التنمية"، حتى إن الشخص لا يجرؤ على رفض "التنمية"، من يكره النمو والتقدم؟! ومن لا يكره التخلف والجمود والتأخر؟! إنها حالات تحرك القبول من غير فحص التنمية كنموذج.
المغالطة الثانية: حجة الالتجاء إلي ظروف الإنسان[13]، وتعني محاولة إقناع الطرف الآخر بفكرة أو برأي انطلاقاً من ظروفه الخاصة، سواء تعلقت هذه الظروف بواقعه الاجتماعي أو اقتناعاته الفكرية، وهي تقوم على قاعدة من مراعاة الشروط التداولية للفكرة ووضعية المخاطب النفسية والفكرية. وتلامس هذه المغالطة عن قرب المسألة الأساسية من سوسيولوجيا المعرفة (البيئة الاجتماعية التي نشأت المعرفة في إطارها)، وهي إرجاع الأفكار والقيم إلي شروطها ومحدداتها وأصولها الاجتماعية، وإقامة علاقة ترابط بينها، فعندما تقتصر سوسيولوجيا المعرفة على إثبات هذا الترابط أو إقرار هذه العلاقة فهو مشروع ومنطقي، لكن عندما يتجاوز هذا العلم تلك الحدود ليحاول أن يثبت لنا صدق أو خطأ الأفكار والآراء انطلاقاً من شروطها ومحدداتها الاجتماعية فإنه يقع في المحظور المنطقي، أي في المغالطة المنطقية، وميزان هذه الرؤية يقع في التمييز لدى "مالك بن نبي" بين "الصحة" و "الصلاحية"[14] فضلاً عن التفسير الذي تبناه "علي شريعتي" حول ما أسماه "جغرافيا الكلمة".[15]
وتفترض ثنائيات الفكر منا التفكير وفق عناصر ضبط نسب العلاقات، فليس للخصوص معنى ينفي العام، وليس للعام منظور ينفي من خلاله الخصوصية والاختصاص.[16]
المغالطة الثالثة: حجة الذيوع والانتشار (حجة الجمهور)[17]، وتقوم هذه الحجة على البرهنة على صدق فكرة أو نظرية باستثارة عواطف الجمهور واستدرار موافقته على آراء تفتقد البينة والبرهنة الكافيتين، والاستعاضة عن ذلك بالعزف على الأوتار العاطفية والوجدانية للجمهور.
المغالطة الرابعة: حجة الالتجاء إلى رجل القش (خيال المآتا) [18]، وقوامها التركيز في نقد فكرة أو مذهب أو سلوك أو علاقة على نقطة الضعف أو الحلقة الضعيفة وتضخيمها.
المغالطة الخامسة: ورُبَّما ترتبط بالمغالطة الرابعة، وهي تتمثل في الامتثال التلقائي لسلطة الأحكام المسبقة[19]، ليس فقط في إطار اتباع الآبائية (لفظة معناها وراثة القيم والمعتقدات) أو الولاء للموروث بغض النظر عن فحصه، ولكن كذلك فيما تتخذه الآبائية من أشكال جديدة مانعة من فحص تلك الأحكام المسبقة مثل الانخداع برأي المجموع، أو الارتكان إلى الذيوع والانتشار، وعناصر صناعة الصورة وتكريسها.
المغالطة السادسة: هي التي تلجأ إلي الدفاع الخاص[20]، ويقع المرء في هذه المغالطة عندما يركز في الدفاع عن فكرة ما أو عن رأي أو موقف أو مذهب من خلال إبراز جزء من البرهان ملائم للظروف والشروط المحيطة، مغفلاً الجزء غير الملائم لهذه الظروف، ويبدو أن هذه المغالطة تتداخل مع مغالطات أخرى مثل مغالطة رجل القش، ويمكن أن تتخذ ليس فقط صيغة دفاعية، بل تستخدم صيغة هجومية أيضا.
المغالطة السابعة: وهى التي تنطلق من الاستناد إلى البرهنة بالسبب الكاذب أو اعتبار ما ليس بعلة بمثابة علة[21]. وهى رد ظاهرة أو فكرة أو علاقة يراد تفسيرها إلى سبب آخر غير سببها الحقيقي، قصداً أو تلقائياً.
وهى من أكثر المغالطات استخداماً، خاصة في مجال العلاقات بين الظواهر والعوامل الفاعلة فيها، فبعض الشعوب بطبيعتها غير قابلة لإحداث التنمية، وأخرى قابلة لذلك، وهو ما يولد عناصر تفكير عنصري، ولا يلحق أصل التنمية بالوعي أو السعي ضمن سننها الشرطية أو اتساق قوانينها الحاكمة.[22]
المستوى الرابع: الإسلام والتنمية: الفرضية الكامنة:
من أهم الإشكالات التي تتعلق بهذه العلاقة: ما يمكن أن تستدعيه حقيقة من تداعيات في التفكير، إنها غالباً ما تستدعي من الباحث أحد موقفين حديين: أن العلاقة بين الإسلام والتنمية علاقة انفصال أو تناقض، أو أن العلاقة بين الإسلام والتنمية علاقة اتصال وإقرار للنماذج التنموية السائدة، وهذا يعود إلي عناصر الفرضية الكامنة[23]، التي تستدعي إجابات تقع في تناقض صارخ بين الحجة ونقيضها.[24]
وتكمن الإشكالية الحقيقية هنا في التفكير في أصول وتأسيس الرؤية العمرانية والعلاقة بينهما وبين عالم المسلمين من جهة، وبقية العالم من ناحية أخرى، في ضوء معادلات فاحصة وناقدة لصيغ التعامل الدولي. ونماذج التنمية وغيرها من متعلقات تتعلق بها، فضلاً عن إشكالية قياس العلاقة بين الإسلام والتنمية.
طالع بقية محاور الدراسة:
|