|
تحدثنا في إطار الإشكالات والتي ترتبط بطبيعة وجوهر العلاقة بين الإسلام والتنمية عن جملة الأساطير والمغالطات التي تحيط بهذه العلاقة، وكانت واحدة من هذه الأساطير هي أسطورة برج بابل، ووجدنا من الضروري متابعة هذه المقاربة لأحد الأسباب المهمة في هذا المقام، وهو المتعلق بالمثال النموذجي الذي كان يطرحه فريد ريجز للتعبير عن بلبلة الألسن فقد كان يتعلق بمفهوم التنمية.[1] أحد طرفي العلاقة في علاقة الإسلام بالتنمية، وهو ما يجعل ريجز نموذجًا في عملية بناء مفهوم التنمية.
يصدّر ريجز مقالته بأنه قد اشترك منذ عدة سنوات في مناقشة عامة تتناول العديد من العلوم، وذلك بشأن مصطلح Development (نمو، تنمية، نشوء، تطور) في مؤتمر دولي لعلم الاجتماع، وقدمت في المؤتمر مقالات مقنعة حول المفهوم، وأخرى انتقادية شديدة، إلا أنها لم تتفق إلا على القليل من معاني المفهوم بين تلك العقول المفكرة، وذلك ببساطة يعود لأن المشتركين فيه كان بأذهانهم أفكار ومعانٍ مختلفة عن الكلمة. كان هناك عالم نفساني يفكر في مراحل نمو شخصية الفرد، وعالم اقتصاد يفكر في الظروف التي تتيح زيادة دخل الفرد، وعالم في السياسة يهتم بمستويات تتعلق بالتفرقة الاجتماعية والتنمية السياسية، وماركسي مشغول البال بنمو "التخلف"، وعالم اجتماع يهتم بقضية الرخاء الاجتماعي وأسلوب المعيشة والصحة باعتبارها مؤشرات أساسية للنمو. وفى هذا السياق كان من المفيد بعض الشيء تفسير مصطلح Development وأنه متعدد المعاني، ومن ثم فإن تلاقي المشتركين في المناقشة يمكن أن يتحقق بعد الاتفاق على المعنى المقصود بهذه الكلمة عند العالم الذي يستخدمها. إلا أنه ما بذل من جهد لفرض معنى "صحيح" للكلمة، معنى يعتنقه الكثير من المناقشين والمشتركين لم يؤد في واقع الأمر إلا إلى إثارة المزيد من النزاع والخلاف لا إلى تجمع المعرفة وتراكمها وتعزيز عملية الفهم.[2]
هذه الأعراض المتشابكة للعلوم "لبرج بابل" في عصرنا الحاضر قد يشار إليها على أنها أعراض البلبلة اللغوية، فإذا تمشينا مع المجاز الطبي، فقد نعرف سلسلة من علاجات الأعراض التي فشلت في تحقيق الأغراض المقصودة.
إن المهم في هذا السياق أن نميز بين المشكلات الواقعية والمشكلات المناهجية في العلوم الاجتماعية في طريق البحث عن المنهج المفقود. إلا أن المناهج والوسائل المطلوبة للتغلب على أعراض "بلبلة الألسن" المعقدة ليست متاحة في الوقت الحاضر، ويبدو لأول وهلة أن العمل الذي قام به علماء اللغة وبخاصة علماء دلالات الألفاظ ومؤلفو المعاجم والمصطلحات الفنية يمكن أن يزودوا هؤلاء بما هم في حاجة إليه من مهارات، ومع ذلك ولسوء الحظ فإن العمل المؤدى في هذه الفروع من المعرفة مضلل، لأنه يوجه الاهتمام إلى الأعراض الموجودة في برج بابل بدلاً من أسبابها، ومن ثم فإن نتيجتها السيئة تزيد من حدة الأعراض بدلاً من أن تخففها.[3]
من الوسائل الهامة أيضًا في التعامل مع أعراض البلبلة اللغوية "استعمال نظائر في سياق الكلام"، ومن الأمثلة الجيدة –على حد تعبير ريجز كلمة Development؛ حيث إن الكلمة أعيد تعريفها مرارًا بمعرفة علماء الاجتماع وكذا السياسة، فقد ذكر البعض أنه يستخدم هذه الكلمة لتعنى تطورًا وتطويرًا للشخصية، أو تطورًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو تبعيًا.. إن كلمة Development قد أعطيت معنى جديدًا، نوعيًا ومميزًا، إلا أنه رغم ذلك فإن هذا المثل يمكن تخطئته، ذلك أن الظروف التي حفزت على تكاثر المعاني بالنسبة للتطور السياسي كانت ظروفًا استثنائية، ومع ذلك لا بد لنا من أن نعترف بأن إمكانية وجود عوامل خارجية تؤثر في تقديم تفسيرات جديدة للمعاني بمصاحبة كلمات طنانة.. وقد تعزز وضع أو سلطة أو دخل أولئك الذين يستعملونها (مصالح ذاتية).[4]
أخيرًا وهذا هو الهام بل والأهم -في رأي ريجز- أن نقاوم أعراض بلبلة الألسن عند منبعها، أي عندما تولد مفاهيم جديدة، والهدف من ذلك هو تسهيل وتيسير تسمية المفاهيم الجديدة بطريقة من شأنها منع تخصيص معانٍ جديدة لكلمات رئيسية مألوفة حينما لا توجد سعة دلالية كافية تكفل عدم القياس للمصطلح الجديد.[5]
وقد حاول ريجز أن يعطي النموذج من خلال مفهوم التنمية ليقوم بدراسة استقصائية للمفهوم متتبعًا المعنى المعجمي، وسياقات الاستخدام، للتفرقة بين اللغة العامة الاعتيادية واللغة الخاصة الأكاديمية، مجال التطبيق المفهومي.[6]
ولا شك في أن محاولة ريجز العلمية ضمن مشروعه جديرة بالاعتبار، وهى محاولة منه لحل كثير من الإشكالات التي تبرز في الحقل الأكاديمي والجماعة العلمية، إلا أنه لم يول الاهتمام الكافي للمفاهيم الحضارية الكبرى التي تكون رؤية العالم، كما لم يهتم بأهم أسباب بلبلة الألسن والتي تكمن في "صناعة المفاهيم" و"صناعة الدلالات" و "البغي بالكلمات والمفاهيم" و "المفاهيم وعلاقات القوة"، و "عناصر التلاعب اللغوي" الذي اعتبرها بعض ما بعد الحداثيين من الأفعال المشروعة، "واختلاط الوسط الأكاديمي بالإعلامي وسياسات الدول"، ومنظومة المفاهيم المولودة من النظام الدولي وعناصر قوته في إطار العولمة.[7]
إن ما يقدمه ريجز جدير بالاهتمام إلا أن ربطه بالوسط المفاهيمي يجعلنا نسير خطوات أبعد من ذلك، خاصة لو انتقلنا من الجانب المفاهيمي إلى جانب العلاقات فيما بينها.
الإسلام والتنمية حالة اختبارية نموذجية بين مفهوم يراد تشييعه ومد مساحاته وفقاً لفهمها الغربي، ومفهوم يراد تحجيمه من خلال صناعة الصورة السلبية حياله.
طالع بقية محاور الدراسة:
|