-
أن موجة استقلال البلدان التي أدت إلى توالد الدول، وتكوين "عالم ثالث" شاسع تدعو تسميته إلى الاعتقاد بأنه يمر بمرحلة تدريبية في عالم خاضع لمعايير موحدة، وتؤدي إلى التصور بأنه لا بدّ لمسيرة هذا العالم الثالث أن تقوده في النهاية نحو الديمقراطية التي هي - لعدم وجود نماذج أخرى - وجهة التاريخ النهائية.
-
أن هذه الرؤى تنتمي إلى المدرسة التطورية التي تقوم باستنزاف أوهامها المتبقية على حد تعبير "بادي"، بينما تنقشع أحلام التقارب (بمعنى حصول البلدان على نتائج، ووصولها إلى أهداف متقاربة) وتتبدّد أسطورة التقدم المطرد والمستمر.. لقد أدت مجريات الأحداث دورها وأنجزت مَهمتها؛ إذ لم تكن مسيرة الدول الإفريقية والآسيوية خلال هذا الثلث الأخير من القرن متطابقة مع النماذج المعلنة.
-
فدولة التنوير لم تزدهر، وعلامات التنافس السياسي لم تتزايد، كما أن التصورات بشأن ما يجب أن تكون عليه الدولة لم تتقارب.. في حين يقوم البحث التجريبي باكتشاف مفارقات العولمة المبشر بها وآثارها المفاجئة على عملية التنمية، ترسم العولمة تكوين نظام دولي يتجه نحو توحيد مناهجه وقيمه وأهدافه، مع طموحه في ذات الوقت إلى دمج الإنسانية بأكملها داخله. وبطبيعة الحال تبدو هذه العملية المستحدثة في التاريخ أنها تدعم فرضية "التقارب" بل وترسخها، والواقع أنها تكشف عن العديد من أنواع التنافر وعدم الاتساق.[1]
-
ليس عدم ملاءمة استيراد النماذج الغربية من أنواع التنافر وعدم الاتساق الأقل شأنًا، فقد أوضحت السنوات التالية لإنهاء الاستعمار -بشكله التقليدي- بأن المحاكاة قد فشلت في جميع المجالات وبخاصة في المجال البنيوي. ومع ذلك فإن كل شيء يشير إلى عدم توقّف عملية المحاكاة بل إلى اتساع نطاقها.
-
هكذا تستصحب العولمة معها الإعلاء من شأن التفرد، كما أنها مزودة بموارد وفيرة؛ إذ يرتكز توحيد النظام الدولي على إمكانات تقنية راسخة تساعد على سهولة الحركة، وعلى الاتصال والاختراق المتبادل، والواقع أنه يستهدف تقليص الخصوصيات، وتحبيذ الانتساب إلى نظام مشترك قانوني وسياسي واقتصادي بل وأخلاقي، وعلى هذا لا يمتلك التفرد المجابه لهذا النظام وسائل القوة.[2]
-
تقوم العولمة بتجديد بناء فكرة التبعية ذاتها. وحيث إنها تتصور نظامًا دوليًا موحدًا، وتتغذى على عملية متشعبة لنشر النماذج، فإنها تنطوي أولاً على وجود بنية لسلطة تقوم بتنشيط العلاقات الدولية ولا تعكس هذه البنية المتعددة في هويتها أية حتمية وحيدة، ولا يمكن اعتبارها اقتصادية فقط، ولا يمكن اختزالها أيضًا إلى مجموعة بسيطة من الفاعلية، ولا تصوّرها على أية حال بأنها "مؤامرة من متسلطين"، إن خاصيتها الرئيسية هي خلق شبكات ومجموعات مصالح ومنافع تضم فاعلين من "الشمال" وفاعلين من "الجنوب"، يحملون مصالح وأهدافًا متنوعة للغاية وحين تقوم العولمة بإيجاد السلطة فإنها تخلق -وفي الوقت ذاته- منازعتها الخاصة وصراعاتها..، وحيث إن العولمة تحصل على رؤيتها من رغبتها في توحيد النماذج فإنها تضفي على التوترات التي تُحدثها صبغة ثقافية أساسًا.[3]
-
تتضح التبعية في الثقافة وفى المحاكاة وفى الرمز، إن قدرتها الرمزية المذهلة تتفوق على تأثير البنيات الأساسية والضغوط الدبلوماسية، وحتى الإكراه العسكري.[4]