|
تعود أهمية هذه المقاربة التي تناولها الأستاذ الدكتور كمال المنوفي إلي أنها تطرقت إلي العلاقة المباشرة بين الإسلام والتنمية، ولكن في إطار قياس هذه العلاقة بين الإسلام والتنمية ضمن دراسة ميدانية، وتتسم هذه المحاولة بالريادة في هذا المقام. إلا أنها من جانب آخر مثّلت الإشكالية التي عبر عنها إسار بروتيوس في تخفي الظاهرة، وتبدل تجلياتها مع كل وقت وآن.[1] ومن أهم ميزات هذه الدراسة ما كشفت عنه من إشكالات تتعلق بعملية القياس، والمؤشرات وبناء المفاهيم والدراسة الكمية للعلاقات والربط بين أمرين ليس من نفس الجنس (الإسلام والتنمية)، والاتجاه الإجرائي الذي ارتبط بالمدرسة السلوكية في دراسة الظواهر الاجتماعية والسياسية، واستخدام المؤشرات كأداة منهاجية في قياس المتغيرات وبناء المفاهيم.[2]
وليس من هدف عرض هذه المقاربة التوجه للدراسة وعرضها عرضاً تفصيلياً، ولكن غاية الأمر أن نحدد عناصر إشكالية القياس للعلاقة بين الإسلام والتنمية والمتطلبات المنهجية التي يمكن أن تشير إليها دراسة من هذا النوع للإمساك بإسار/ بروتيوس. ذلك أن انتقال القياس من دائرة الوسائل إلي دائرة الغايات مثّل بحق أهم عناصر قصور التوجه الذي أراد قياس العلاقة وأهم عنصرين يجب التوجه إليهما بالبحث الدقيق والفحص العميق:
-
القياس واللياقة المنهجية وحدود التعامل الكمي.
-
التعامل مع الظاهر المحسوس والاكتفاء به.[3]
ويولد هذان العنصران إشكالات بحثية مشتقة من التالي:
-
أن يتحدد استخدام القياس وفق أصول التكافؤ المنهجي بين الأداة والظاهرة بما يحقق عناصر الملاءمة البحثية والمنهجية، فمن أهم الشروط لذلك قابلية الظواهر المقاسة لعملية القياس.
-
حل إشكالية نقلت بعض الجوانب الأساسية لتلك الظواهر الاجتماعية، خاصة في حال تعلقها بسياقات القيم والثقافة من إطار القياس، لأنها بطبيعتها تتحدى القياس، ويكون إغفال هذه الجوانب في القياس معناه أن نتائج القياس قاصرة وغير كافية، بل وربما وبفعل هذا العامل في بعض الخبرات يمكن أن تكون النتائج غير صحيحة بالمرة.
إن عناصر اللياقة المنهجية تلزم الباحث الذي اتخذ من القياس أداة، ومن المؤشرات أسلوباً ومن التحديد الإجرائي اتجاهًا، أن يقوم بمناقشة نظرية حول:
-
كفاءة المؤشرات وقدرتها على مباشرة الظاهرة.
-
كفاية المؤشرات أي عدد المؤشرات الذي يصلح لتغطية مساحات الظاهرة المختلفة، ومساحات العلاقات المحتملة[4].
وهاتان الكفايتان إحداها تتعلق بالكيف والأخرى تتعلق بالكم، ثم هناك العلاقة البينية بين الكم والكيف؛ أي حينما يتحول الكم إلى كيف في إطار مؤشرات نوعية مثل كثافة المؤثر وعلاقة ذلك بعملية التأثير، والتفاعل الكمي الذي يخرج دائرة التفاعل من مجرد الجمع ضمن متوالية حسابية، ولكن التحول نحو المتوالية الهندسية، قضايا تستحق التأمل والبحث، إذا ما أريد لهذه الأداة فاعلية في التطبيق والتعميم.
فلا شك أن تمحيص مقولة الإسلام كمعوق للتنمية ليس عن طريق تلمس وعرض حجج ورؤى الكتابات التي تدافع عن الإسلام من منظور فقهي شرعي، وإنما عن طريق الاحتكام إلي قاعدة من البيانات التجريبية.
والمقام قد لا يتسع للبحث في كل إشكالات أدوات القياس، ولكن يظل ذلك من الموضوعات التي تستأهل الاهتمام من الجماعة العلمية والبحثية.
طالع بقية محاور الدراسة:
|