|
هي المقاربة التي قدمها مالك بن نبي. وأول المفاتيح التي يقدمها ابن نبي ضمن عناصر الرؤية التنموية والعمرانية يقع ضمن تصنيفه عوالم الوجود البشرى وما يحيط به من عالم أفكار وعالم أشخاص وعالم أشياء، ثم الناظم لهذه العوالم وهو شبكة العلاقات الاجتماعية، وما يتولد عن ذلك من عوالم علاقات وأحداث ومواقف وتفاعلات في كامل عناصر الساحة الحضارية، وعناصر الوجود لدى مالك يتحرك وقبل ذلك يؤسس على أفكار أولية لتحقيق أهداف يحددها عالم الأشخاص، من خلال وسائل من عالم الأشياء في ظل شبكة العلاقات الاجتماعية تنظم هذه المنظومة، وتحقق عناصر التمايز والاختصاص بين مجتمع وآخر وزمان وآخر.
والمفتاح الثاني هو: أن عالم الأفكار وما يولده من منظومة ثقافية ومفاهيمية يتحدد بناء عليه مدى فعالية الحضارة وعمرانها ومدى قوة المجتمع، ومدى فاعلية المجتمع، فكما كانت شبكة العلاقات الفكرية أكثر انسجاماً، كانت شبكة العلاقات الاجتماعية أكثر تماسكاً وتفاعلاً، وكانت الفاعلية الاجتماعية والحضارية والعمرانية أكثر، والعكس صحيح. [1]
ووفق هذه الرؤية فإن أخطر العوالم هو عالم الأفكار، فالأمم قد تفقد عالم الأشياء وكثيراً من عالم الأشخاص، ولكنها تستطيع استئناف دورها الحضاري والعمراني، طالما ظل عالم الأفكار فعالاً وقوياً وحياً. مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
والمفتاح الثالث ضمن رؤية مالك: ذلك التمييز بين مجرد الوجود ومعاني الحضور، فالأمم قد توجد مكتفية بذاتها منغلقة على نفسها، أو مفعولاً بها غير فاعلة، وهي بهذا المعنى موجودة لا حاضرة. [2]
المفتاح الرابع: يكمن في معادلة مالك العمرانية والحضارية وما يشتق منها من رؤية للإنماء والتنمية، وذلك في إطار التمييز الذي أكد عليه من ضرورة التفرقة بين المعادلة البيولوجية والمعادلة الاجتماعية والحضارية والعمرانية، فالمعادلة الأولى: يشترك فيها جميع بني الإنسان بحكم كونهم جنساً واحداً من مصدر واحد، ولكن المعادلة الثانية: تصوغها الثقافة والخبرة الاجتماعية والتاريخية، ومن ثم فلكل مجتمع معادلته الاجتماعية الخاصة به. [3]
ويقدم مالك أيضاً عناصر فكرة هامة، وهي التمييز بين الصحة والصلاحية، إن النظرة أو الفكرة وصحتهما لا تعني صلاحيتهما، وإنه قد تكون الأفكار والنظريات صحيحة، ومنها الأفكار الفاعلية، والأفكار المخذولة، فتصنيف الأفكار تابع لوظائفها وأدوارها. [4]
أما الفكرة المفتاحية الجامعة لعناصر القصور العمراني في تلك المعادلة الجامعة بين "الظاهرة والقابلية لها" في تمييزه بين "الاستعمار والقابلية للاستعمار"، ورأى أن الاستعمار ما كان ليحقق أهدافه لولا عناصر القابلية له داخل المجتمعات.[5]
ويحرك مالك ضمن هذه الرؤية عناصر معينة لمنهج النظر إلي المعادلة العمرانية وما يتولد عن ذلك من منهج تعامل وتناول، وذلك ضمن قصور العلاقة بين الإسلام والتنمية.
طالع بقية محاور الدراسة:
|