|
أردنا أن نضع ابن خلدون بمقاربته العمرانية ضمن سلسلة من المقاربات التي سبقته أو لحقته حتى لا يتصور البعض مع من يتصورون أن ابن خلدون فلتة لا تقبل التكرار، ومصادفة لا يقاس عليها، أو هو نتوء ضمن إسهامات معرفية أو منهجية أو علمية متواضعة، فإن هذا مثلما يحمل ظلماً لابن خلدون فإنه يعبر من جانب آخر عن ظلم فادح للحضارة التي أنجبته، وتغذى من مرجعيتها ما شاء، فكانت مقدمته التي لا تدعي انفصالاً عن حضارته بل لبنة ضمن بنائها، وليس من غرضنا استعراض نصوص خلدونية في مقدمته، بل الغرض أن نشير إلى ما تميزت به مقاربته العمرانية، والمفاتيح التي دلف من خلالها إلى الظاهرة العمرانية والتعرف على عناصرها وشبكة علاقاتها، والمستلزمات والمتطلبات التي يجب التسلح بها عند مقاربة ظاهرة العمران، ومن هنا فقد أشار ابن خلدون إلى:
-
ضرورة الاعتبار بالتاريخ، فأسّس وأصَّلَ فكرة أن للظاهرة الاجتماعية والسياسية والعمرانية عمقاً تاريخيًا، وللظواهر التاريخية عمقًا حضاريًا عمرانيًا.
-
ضرورة النظر إلى الظاهرة العمرانية ضمن امتداداتها، وعناصر شمولها، فلشئون العمران ما يعرض له، وفيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان (ظاهرة السلطة)، والكسب والمعاش والصنائع والعلوم (مجالات العمران)، وعمارة الحياة والأمة التي هي مقصد عالم عمران ابن خلدون (المقاصد العمرانية).
فقد شرح ابن خلدون "من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك".[1]
وهى إشارات واضحة إلي التنبيه إلي علم الاجتماع العمراني والسياسي الذي يرى الظاهرة السياسية في جوف الظاهرة الاجتماعية والظاهرة التاريخية.
-
يكمل ذلك تصوره للعمران البشري والمقدمات المتعلقة به التي تتصل بالجغرافيا الطبيعية والبشرية، وأثر البيئة على أبدان البشر وأحوالهم وما ينشأ من العمران، وهو يصنف أنواع العمران من عمران بدوي، ونشأة الدول وتطورها وقوتها ثم ضعفها، والعمران الحضري، ونشأة الهياكل العظيمة، وبنائها وخراب الأمصار إذا تراجع عمرانها أو إذا انقرضت الدول القائمة فيها، والمعاش: وجوبه ووجوهه وأصنافه ومذاهبه، والعلوم التي هي من أهم مقدمات العمران وأصنافها، والتعليم وطرائقه وسائر وجوهه. وعكف ابن خلدون يتحرى شبكة العلاقات بين تلك المقدمات العمرانية محققاً أصول تحليله في ضوء عناصر الترتيب المقترن بنظرية المقاصد الكلية العامة من الضروري والحاجي والتحسيني، والأصلي والمكمل.[2]
-
وفى هذا السياق ينتقل ابن خلدون إلي فكرة الأطوار متبعاً منهجاً سننياً، فالأطوار الحضارية محكومة بقوانينها وسننها؛ سنن تتعلق بالمظاهر العمرانية وتحويلها إلي عالم أفكار تتعلق بالقيم المتعلقة بها.
-
يعالج ابن خلدون كذلك أسباب الانهيار والتي عدد بعضها، إلا أنه يؤكد على سنة ذهبية وناموس عمراني، هما في غالب الأحوال تعبير عن سنة تحذيرية "أن الترف مؤذن بخراب العمران" الترف أو الانغماس في التمدن هو من أسباب انهيار الحضارة.[3]
مفاتيح عمرانية خلدونية يمكن أن تولد رؤية للتنمية على شاكلتها، وتؤصل منهج تعامل وتناول للظاهرة العمرانية والإنمائية، وتحرك عناصر لفهم جوهر العلاقة بين الإسلام والتنمية.[4]
طالع بقية محاور الدراسة:
|