English

 

الخميس. أغسطس. 16, 2001

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » الاقتصاد والتنمية

 

مشروعية السوق المالية

رابعاً: أنواع عمليات أسواق الأوراق المالية

أحلام الربح السريع وأوهامه
أحلام الربح السريع وأوهامه

تنقسم عمليات أسواق الأوراق المالية إلى عمليات عاجلة وعمليات آجلة.

أ - العمليات العاجلة:

وهي العمليات التي يلتزم كل من المشتري والبائع بتنفيذ عقودها، وذلك بأن يسلم البائع الأوراق المالية، ويسلم المشتري ثمنها حالاً، أو خلال مدة وجيزة جدًّا: أي خلال 48 ساعة على الأكثر.

وتجري العمليات في السوق العاجلة، على أية كمية من الأوراق المالية ولو ورقة واحدة. ويعمد المتعاملون في سوق الأوراق المالية، إلى التعامل العاجل لواحد من السببين التاليين أو لكليهما:

  1. للاحتفاظ بها، والاستفادة مما تدره عليهم من أرباح عند توزيع الأرباح، وغيرها من الحقوق المتعلقة بالأوراق المالية المشتراة.

  2. للمضاربة على ارتفاع أسعارها، فيعمدون إلى بيعها لدى تحسن أسعارها في السوق، مع ملاحظة أن أسعار الأوراق المالية في السوق العاملة أقل ارتفاعًا من أسعارها في السوق الآجلة.

ب - العمليات الآجلة:

وهي العمليات التي يلتزم بموجبها كل من المشتري والبائع على تصفيتها في تاريخ مقبل معين، يجري فيه التسليم والتسلم. ما عدا حالات التأجيل التي يتفق فيها الطرفان على شروط تأجيلها وتعويضها. وتجري التصفية في كل شهر مرة واحدة، حيث تسوى الصفقات نهائيًا بين المتعاملين، ويتم دفع الثمن وتسلم الأوراق المالية ـ فعليًا ـ خلال عدة أيام من تاريخ التصفية.

ويشترط في الأوراق التي تشملها عمليات السوق الآجلة، أن تكون موجودة بكثرة، وأن يكون تداولها مألوفًا بصورة دائمة، وأهم العمليات التي يجري بها التعامل في السوق الآجلة العمليات التالية:

  1. العمليات الباتَّة القطعية:

    يُحدد تنفيذها بموعد ثابت يُسمَّى موعد التصفية، يلتزم المتعاقدون فيه بدفع الثمن، وتسلم الأوراق المالية موضوع الصفقة، ولا يمكنهم الرجوع عن تنفيذ العملية، إلا أنه للمتعاملين في العمليات الباتة تأجيل موعد التسوية النهائية حتى موعد تسوية لاحق، ويؤدي تنفيذ البيع البات، إلى خسارة أحد الطرفين المتعاملين ـ البائع أو المشتري ـ إلا إذا كان السعر يوم التصفية معادلاً لسعر البيع نفسه.

    ويمكن أن يتضمن البيع البات ما يُسمَّى بشرط خيار التنازل عن الأجل، ويتمتع المشتري وحده بهذا الخيار، ويلجأ المشتري إلى استعمال هذا الخيار لإيقاف حركة هبوط السعر، فعندما يلاحظ اتجاه الأسعار نحو الهبوط، يُطلب من البائع تسليمه الأوراق المالية موضوع الصفقة قبل الموعد المتفق عليه، فيشتري البائع هذه الأوراق من السوق بالسعر العاجل، فيزيد من الطلب عليها، وبالتالي ترتفع أسعارها مرة أخرى، أو على الأقل تقف حركة الهبوط في سعر الورقة المالية المعينة، ولا يلزم مشتري الأوراق بالبيع، بل يمكنه تكليف وسيط، ببيع هذه الأوراق، ويسجل رصيد العملية إذا اقترنت بربح في رصيد دائن.

  2. العمليات الآجلة بشرط التعويض:

    وهي العمليات التي يلتزم كل من البائع والمشتري بتصفيتها في تاريخ معين، على أنه يحق لأحد الطرفين عدم تنفيذ العملية، وذلك مقابل تخليه عن مبلغ من المال متفق عليه مسبقًا، كتعويض، أو يتنازل عن تنفيذ الصفقة، فيقال: إنه تنازل عن التعويض، وتنقسم العمليات الآجلة بشرط التعويض إلى:

    (أ) العمليات الشرطية للمشتري:

    ويكون الخيار فيها للمشتري بين استلام الصكوك وبين التخلي عن التعويض ويكون البائع ملزمًا بالقرار النهائي للمشتري، ويجب أن تتضمن أوامر السوق المتعلقة بالعمليات الآجلة شرط التعويض عناصر ثلاثة مهمة، وهي: السعر، ومقدار التعويض، وأجل التصفية.

    (ب) العمليات الشرطية للبائع:

    في هذا النوع من العمليات، يحق للبائع في يوم جواب الشرط تنفيذ الصفقة أو التنازع عن تنفيذها، مقابل دفع تعويض متفق عليه مسبقاً.

    (جـ) البيع مع خيار الزيادة:

    في هذا النوع من العمليات يحق لواحد من المتعاملين الاستزادة من (البيع والشراء) عند حلول الأجل المتفق عليه، ويتخذ شكلين:

    1. خيار الزيادة للمشتري.

    2. خيار الزيادة للبائع.

    إذا كان حق الزيادة للمشتري (للبائع) فيمكنه طلب تسلم (تسليم) ضعف الأوراق المشتراة (المبيعة) أو أكثر، ويعتبر الشراء (البيع) باتًا في الكمية المتفق عليها مسبقًا، واختياريًا بالنسبة للكميات الزائدة، وتكون أسعار الأوراق المالية في هذه الحال أعلى (أدنى) من أسعارها في السوق الباتة.

    والمشترى (البائع) يوازن بين الأسعار الباتة، والأسعار الآجلة بشرط الزيادة، وأسعار السوق في موعد التصفية، محاولاً معرفة إمكانات الربح والخسارة.

    (د) العمليات الآجلة بشرط الانتقاء:

    للمتعاملين في سوق الأوراق المالية بموجب هذا الشرط الخيار في إبرام الصفقة في موعدها بصفتهم من المشترين أو البائعين لقيمة معينة من الأوراق المالية المتفق عليها مسبقًا. ولهذه العمليات سعران، وللمتعامل الخيار في الشراء بالسعر الأعلى، أو البيع بالسعر الأدنى. فالمتعاملون بهذه العمليات يعتقدون أنه سيحدث تغير كبير في أسعار الأوراق المالية ارتفاعًا أو هبوطًا، بينما يعتقد بائعو الأوراق المالية أن الأسعار لن يطرأ عليها تغير كبير، بل إن السوق ستبقى هادئة.

    (هـ) المرابحة والوضيعة:

    تتطلب تسوية صفقات سوق الأوراق المالية الناجمة عن إبرام العمليات الباتة، وجود أموال نقدية كبيرة في متناول يد المشتري، تخصص لإيفاء الدين المترتب على عقد الصفقة، كما يتطلب مجموعة من الأوراق المالية، وعدم التصرف فيها انتظارًا لتنفيذ العقد. ولأن هذا فيه إرهاق كبير للمتعاملين ـ من وجهة نظر سوق الأوراق المالية - فقد تضمنت أنظمة التعامل بالسوق نوعًا من العمليات الآجلة، فيه بعض التسهيلات حسب ما تتطلبه عمليات المضاربة، وأهم هذه العمليات عمليات المرابحة والوضيعة.

    وبمقتضى هذه العمليات يجوز للمتعاملين في سوق الأوراق المالية، تأجيل موعد تسوية الصفقة حتى موعد التصفية اللاحق. ويحدث ذلك عندما يشعر المتعاملون في السوق بأنهم لن يستطيعوا تنفيذ الصفقة التي عقدوها، نظرًا لتطور الأسعار خلافًا لتقديراتهم.

    (و) العمليات المركبة:

    يلجأ المضاربون في سوق الأوراق المالية، إلى القيام بعمليات مركبة من العمليات التي سبق ذكرها، ولا حصر للعمليات المركبة نظريًا، ولكن أكثر العمليات المركبة تعاملاً بها هي العمليات الأربع:

    1. شراء عاجل مقابل بيع بشرط التعويض (الخيار للمشتري).

    2. شراء بات مقابل بيع بشرط التعويض.

    3. شراء بشرط التعويض مقابل بيع بات.

    4. شراء بشرط التعويض مقابل بيع بشرط التعويض.

    الحكم الشرعي لهذه العمليات:

    (أ) العمليات العاجلة:

    وهي – بصفة عامة - عملية بيع وشراء شرعيين، وينطبق عليها من حيث التفصيل الكلام المتقدم في بيع وشراء السندات والأسهم وحصص التأسيس.

    (ب) العمليات الآجلة:

    • في الغالب تتم العمليات الآجلة على سلع وهمية ـ غير موجودة عند البائع ـ وتكون عمليتا البيع والشراء صوريتين، حيث تباع الأوراق المالية، وتنتقل من يد إلى يد على الورق فقط، دون أن يكون لها وجود فعلي. فإن كان الأمر كذلك، فهذه المعاملة لا تجوز؛ لأنها من أنواع بيوع الغرر: أي أنها بيع معدوم. قال النووي: بيع المعدوم باطل بالإجماع، ونقل ابن المنذر، وغيره إجماع المسلمين على بطلان بيع الثمرة سنتين ونحو ذلك. ودليلهم نهي الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن بيع الغرر، ونهي الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن بيع الإنسان ما ليس عنده.

    • كما أنه في الغالب أن يبيع المشتري لمشتر آخر أوراقه المالية قبل قبضها من البائع، وهذا الأمر وإن لم يجره جمهور الفقهاء، فقد أجازه المالكية في غير الطعام، ومنعوه في الطعام بشروط.

    فإن سلمت العمليات الآجلة من بيع المعدوم فإنها تحتاج إلى تفصيل كما يلي:

    أ. العمليات الباتة القطعية:

    وهي ـ كما بينا ـ تلك العمليات التي يحدد موعد تنفيذها بموعد ثابت، يُسمّى موعد التصفية، يلتزم المتعاقدون فيه بدفع الثمن وتسلم الأوراق المالية، إلا أن للمتعاقدين تأجيل موعد التصفية النهائية حتى موعد تصفية لاحق.

    والبيع في هذه الصورة صحيح، إن كان التعامل يجري على أوراق مالية يجوز التعامل فيها ـ كما بينَّا سابقاً، ويملك المشتري المبيع، ويملك البائع الثمن، ويتم ملك المشتري للمبيع بمجرد عقد البيع الصحيح، ولا يتوقف على التقابض، وإن كان للتقابض أثره في الضمان.

    وقد جاء في الموسوعة الفقهية: "ولا يمنع من انتقال الملك في المبيع أو الثمن كونهما ديونًا ثابتة في الذمة، إذا لم يكونا من الأعيان؛ لأن الديون تملك في الذمم، ولو لم تتعين، فإن التعيين أمر زائد عن أصل الملك. فقد يحصل مقارنًا له، وقد يتأخر عنه إلى أن يتم التسليم، كما لو اشترى مقدارًا معلومًا من كمية معينة من الأرز، فإن حصته من تلك الكمية لا تتعين إلا بعد التسليم، وكذلك الثمن في الذمة.

    ويرى المالكية والحنابلة وغيرهما أنه يجوز أن يشترط تأجيل تسليم المعين إلى المدة التي يحددها المتعاقدان، واستدلوا بحديث جابر (رضي الله عنه) "أنه كان يسير على جمل قد أعيى، فضربه النبي (صلى الله عليه وسلم) فسار سيرًا لم يسر مثله، فقال: "أتعنيه".. فبعته، واستثنيت حملانه إلى أهلي.

    أما الدين فلا خلاف في جواز تأجيله.

    وهذه الأوراق عبارة عن ديون؛ لأنها لا تتعين بالتعيين، ولكن تحدد بالجنس والنوع ـ كأسهم من الشركة الفلانية… إلخ.

    وفي حالة رغبة المتعاقدين في تأجيل موعد التصفية، يجب أن يكون ذلك مجانًا، فإن كان التأجيل في مقابلة زيادة من أحد الطرفين، فإنه لا يجوز، لأنه ربا، والله أعلم.

    ب. العمليات الآجلة بشرط التعويض:

    وهي ـ كما بينّا ـ العمليات التي يلتزم فيها المتعاقدون بتصفيتها في تاريخ محدد على أنه يحق لأحد الطرفين عدم تنفيذ العملية، وذلك مقابل تخليه عن بيع مبلغ من المال متفق عليه مسبقًا.

    وهذه العملية إن كان الخيار فيها للمشتري فهي أشبه ما تكون ببيع العربون، وجمهور الفقهاء يرون عدم صحته للنهي الوارد فيه؛ ولأنه من أكل أموال الناس بالباطل، لأنه المشتري شرط للبائع شيئًا بغير عوض، فلم يصح، كما لو شرطه لأجنبي، وفيه غرر، لأنه بمنزله الخيار المجهول.

    وذهب الحنابلة إلى صحة هذا النوع من البيوع، لما روي عن نافع بن الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، قال: فإن عمر رضي، وإلا فله كذا وكذا. قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول.. هذا عمر رضي الله عنه، فهذا البيع تم تعليقه على موافقة عمر بن الخطاب على الشروط التي توصل إليها في مفاوضات الشراء.

    أما إذا كان الخيار للبائع، فإذا لم يرغب في البيع دفع مبلغًا من المال للمشتري، فهو أشبه ما يكون باشتراط عقد هبة في عقد البيع، لأن المشتري لا حق له في مبلغ المال إلا إذا كان على وجه الهبة.

    واشتراط عقد في عقد آخر لا يصح، لما ورد من حديث ابن مسعود قال: "نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن صفقتين في صفقة".

    ج. البيع مع خيار الزيادة:

    وهو بيع يحق لكل من البائع والمشتري الاستزادة من البيع أو الشراء عند حلول الأجل، على سبيل التخيير للطرف الآخر. وهذه العملية مركبة من بيع، ووعد بالبيع (أو الشراء) عند إتمام الصفقة الأولى، مع علم الطرف الثاني بعدم إلزام هذا الوعد، فتكون عملية البيع صحيحة، وتكون الصفقة الأخرى إذا تمت عقد بيع جديد، لا علاقة له بالعقد الأول.

    د. العمليات الآجلة بشرط الانتقاء:

    يعطي فيها الخيار للمتعاقدين، بأن يختار كل منها في موعد التصفية أن يكون إما بائعًا أو مشتريًا، إنما هو نوع من المساومة، ثم إن تم في الموعد المحدد عقد البيع بين الطرفين على سعر معلوم وكمية معلومة، فتعتبر عملية البيع عملية شرعية ـ إذا كانت الأوراق المادية من النوع المباح التعامل بها.

    هـ. المرابحة والوضيعة:

    ويمكن توضيح الكلام النظري الذي سبق عن هذا النوع من المعاملة، بالمثال التالي: متعامل في سوق الأوراق المالية اشترى في 3 إبريل 50 سهمًا من شركة ما، بسعر 50 وحدة نقدية للسهم الواحد، مضاربًا على ارتفاع الأسعار حتى موعد التصفية القادم، فعندما يحين موعد التصفية هناك احتمالان:

    الأول: ارتفاع الأسعار حسب تقديرات المشتري، كأن يبلغ سعر الورقة المالية 60 وحدة نقدية، وهنا سوف يعمد المشتري إلى تنفيذ الصفقة، ويكون ربحه من العملية 50× (60 – 50) = 500 وحدة نقدية.

    الثاني: انخفاض الأسعار خلافًا لتقديرات المشتري، كأن يبلغ سعر الورقة المالية موضوع الصفقة 45 وحدة نقدية، فإذا نفذ المشتري العملية ستكون هناك خسارة محققة تبلغ 50 × (50 – 45) = 250 وحدة نقدية. فسيقرر المشتري تأجيل موعد التصفية حتى موعد التصفية اللاحق، في انتظار تحسن سعر الورقة المالية المعنية؛ لكي يتمكن المشتري من تأجيل وضيعته، فهو يبحث عن ممول يقبل بشراء الأسهم شراء باتًا في موعد التصفية، ويبيعها له ثانية بيعًا مؤجلاً حتى موعد التصفية المقبل، وذلك لقاء فائدة يدفعها المشتري للممول تُسمّضى فائدة التأجيل أو المراجعة، وتتم هذه العملية بناء على سعر للأوراق المالية تقدره لجنة السوق.

    ويتضح من المثال السابق أن هذه العملية مركبة من عمليتين مستقلتين بعضهما عن بعض. هاتان العمليتان هما:

    • الأولى عملية بيع شرعي، اشترط فيه تأجيل تسليم السلعة والثمن إلى موعد محدد، وقد سبق الكلام عنها.

    • أما العملية الثانية منهما؛ فهي عكس بيع العينة.

    قال في كشاف القناع: وعكس مسألة العينة، وهو أن يبيع السلعة أولاً بنقد يقبضه، ثم يشتريها من مشتريها بأكثر من الأول من جنسه نسيئة، وهي مثل العينة في الحكم. وذهب جمهور العلماء إلى حرمة العينة، لما ورد من النهي فيها، ولأنها ذريعة إلى الربا، والذريعة معتبرة في الشرع، بدليل منع القاتل من الإرث. وأجازها الشافعي، مع الكراهة.

    أما العمليات المركبة فكلها لا تجوز؛ لأنها عبارة عن اشتراط صفقة في صفقة أخرى، وقد مر الكلام عنها، والله أعلم.

تابع بقية محاور الدراسة:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم