التكييف الفقهي للأسهم: الأسهم عبارة عن حصة الشريك في رأس مال الشركة المساهمة، وشركة المساهمة عبارة عن شركة عنان باتفاق جمهور العلماء المعاصرين. وشركة العنان هي:
أ - التعامل بالأسهم:
وإصدار الأسهم وتداولها بالجملة جائز، بشرط خلوها مما يستوجب الحرمة. وقد قال الدكتور محمد يوسف موسى: "والغالب أن الشركات تقسم رأس مالها إلى أسهم، يكتتب فيها من يرد، وتكون أسهمه عرضة للخسارة أو الربح، تبعًا لنشاط الشركة، ولا ريب في جواز المساهمة في الشركات بملكية عدد من أسهمها، لتوفر الشروط الشرعية فيها؛ إذ إن لها حقها من الربح، وعليها نصيبها من الخسارة، فالربح يستحق تارة بالعمل، وتارة بالمال، ولا شيء من الربا وشبهته في هذه العملية".
ويمكن أن نستشهد بصحة تداول الأسهم بيعًا وشراء بقول النووي (رحمه الله) بالمجموع: "المال إما دين وإما عين، والعين ضربان: أمانة، ومضمون. فأما الأمانة: فيجوز للمالك بيع جميع الأمانات قبل قبضها؛ لأن الملك فيها تام، وهي كالوديعة في يد المودع ومال الشركة والقرض في يد الشريك والعامل. وهذا الكلام مجمل يحتاج إلى شي من التفصيل.
ونبدأ هذا التفصيل بالكلام على أنواع الأسهم:
أ - تقدم أن الأسهم تنقسم من حيث الحصة التي يدفعها الشريك إلى أسهم نقدية: وهي التي تدفع نقداً، وأسهم عينية: وهي التي تدفع أموالاً من غير نقد.
وقد أجمع الفقها على جواز الشركة بالأثمان المطلقة التي لا تتعين بتعيين في المعاوضات كالنقدين. وتعتبر العملة الرائجة، والأوراق النقدية في حكم النقدين. وعلى هذا فلا خلاف في إصدار السهم النقدي والتعامل به. واختلف العلماء في جواز الشركة بالعروض إذا قومت، فذهب المالكية إلى صحتها في العروض المقومة، وأما الشافعية فذهبوا إلى صحتها في المثليات من العروض. وعلى هذا يمكننا أن نحكم بصحة إصدار السهم العيني والتعامل به، اختيارًا لمذهب من قال به، وتيسيرًا على المسلمين في معاملاتهم، لا سيما الممانعين لم يستدلوا على المنع بدليل نقلي، والله أعلم.
ب - وتنقسم الأسهم من حيث الشكل إلى: أسهم اسمية: وهي التي تحمل اسم صاحبها، وأسهم لحاملها: وهي التي لا يذكر فيها اسم مالكها، ولكن يُذكر أنها للحامل؛ فيكون أي شخص يحمل هذا الصك هو المساهم في الشركة. وهناك أسهم للأمر: وهي التي يكتب عليها للأمر، وتتداول بطريقة تظهير.
فأما الأسهم الاسمية، فلا خلاف في جوازها؛ لأنها صكوك تحمل اسم صاحب الأسهم وتثبت ملكيته لها، وهذا هو الأصل في الشركة شرعًا.
ولا خلاف في عدم جواز إصدار الأسهم لحاملها، لجهالة الشريك، وذلك يفضي إلى النزاع والخصومة، كما يؤدي إلى إضاعة الحقوق. فإذا استولى عليها مغتصب أو ضاعت والتقطها إنسان آخر، فإن حاملها سيصير شريكًا في الشركة من غير وجه حق.
وبالنسبة للأسهم للأمر، فقد قال الدكتور عبد العزيز الخياط: "يفترق هذا النوع عن سابقه في أن الشريك يكون معروفًا في مبتدأ الاشتراك؛ إذ إن الشريك الأول صاحب السهم يكون مقيدًا لدى الشركة، وهو لا يحيل أسهم إلا إلى شخص آخر معروف لديه، ولا يعتبر الثاني مالكًا له ولو حمله، فيكون صاحب الأسهم معروفًا على كل حال، والتظهير نقل لملكية السهم إلى الشريك الثاني، أي يصبح الشريك الثاني مالكًا حقيقة للسهم، بدلاً من الأول، ويكون الأول متخليًا عن حقه قبل الشركة، بنقل ملكية السهم الثاني".
وهو نوع من انتقال الحصة إلى شريك آخر، وهذا جائز شرعًا سواء أكان بعوض كالبيع، أم بغير عوض كالهبة، ولا شيء فيه؛ لأن الجهالة منتفية بمعرفة الشريك، ولا يُفضي إلى منازعة أو ضرر، ولأن باقي الشركاء قد ارتضوا شركة الثاني بموافقتهم على نظام الشركة الذي يبيح ذلك، والمؤمنون عند شروطهم، ولا يمنع قلة تداول هذا النوع من الأسهم شرعية جوازه؛ إذ إنه في حقيقية نقل لملكية الأسهم وتنازل من الشريك الأول عما يمثله هذا السهم في أموال الشركة للشريك الثاني.
ج - وتنقسم الأسهم من حيث الحقوق إلى أسهم عادية: وهي التي تتساوى في قيمتها، وتخول أصحابها حقوقًا متساوية، وأسهم ممتازة: وهي الأسهم التي تختص بمزايا لا تتمتع بها الأسهم العادية، قد بيناها فيما سبق.
أما الأسهم العادية فليس في إباحتها أي تردد؛ لأن الأسهم إنما تمثل حصة الشريك في الشركة، وهذه الحصة هي التي تعطي صاحبها الحق في الربح وغيرها، وما دامت الأسهم متساوية في قيمتها الاسمية، فليس لأي سهم الحق في زيادة الربح.
وإصدار الأسهم الممتازة بجميع أنواعها لا يجوز؛ لأن فيها مخالفات لأصل الشركة في الشرع.
فأما إعطاء أصحاب الأسهم الممتازة حق الأولوية في الحصول على الأرباح، وذلك بأن يأخذوا 5% مثلاُ ، ثم توزع الأرباح بعد ذلك على المساهمين، فغير جائز، ومخالف لأصل الشركة.
وأما أن يكون الامتياز بتقدير فائدة سنوية ثابتة لبعض الأسهم، فباطل شرعًا؛ لأن هذه الفائدة ربا، كما بينا في الكلام على السند.
وجاء في فتح القدير: ولا تجوز الشركة إذا شرط لأحد دراهم مسماة من الربح. قال ابن المنذر: لا خلاف في هذا لأحد من أهل العلم.
وكذلك منح بعض أصحاب الأسهم الممتازة حق استرجاع قيمة أسهمهم بكاملها عند تصفية الشركة، وقبل إجراء القسمة بين الشركاء، غير جائز شرعًا؛ لأن الشركة تقوم على المخاطرة، إما ربح وإما خسارة.
ومنح بعض الأسهم الممتازة أكثر من صوت في الجمعية العمومية غير جائز أيضًا؛ لأن المفروض تساوي الشركاء في الحقوق، ومنها التساوي في الأصوات بعدد الأسهم.
وبصفة عامة، طالما أن رأس مال الشركة يتجزأ إلى أسهم متساوية القيمة، فيجب أن تكون متساوية فيما لها من حقوق وما عليها من واجبات.
د - وتنقسم الأسهم من حيث إرجاعها إلى أصحابها أو عدم إرجاعها إلى أسهم رأس المال: وهي التي لم تستهلك قيمتها. وأسهم تمتع: وهي تستهلك قيمتها بأن ترد إلى المساهم قبل انقضاء الشركة.
فأما الأسهم الأولى فجائزة، ولا شيء فيها. وأما أسهم التمتع، فالاستهلاك فيها استهلاك صوري لا حقيقي، وذلك لأن الذي يأخذه المساهمون في مقابل أسهمهم، أو في مقابل أجزاء منها هو حقهم في الربح، وليس شيئًا آخر، فهم يأخذون حقوقهم، وما يُسمى بالاستهلاك لا وجود له في الحقيقة؛ لأن السهم يظل باقيًا على ملك صاحبه، وليس هناك طريق شرعية لاعتباره مبيعًا أو مسقطًا، فيبقى لأصحابه إلى أن تصفى الشركة، فيؤول إليه من موجودات الشركة عند التصفية، سواء قلت أم كثرت أم انعدمت، أو يهبه للدولة إن شرط في الشركة أنها تؤول إلى ملك الدولة، وهو ما يعرف بشركات الامتياز. فالحكم على الأسهم بالاستهلاك هو حكم قانوني لا شرعي، وكل ما يأخذه الشركاء من الربح فهو حقهم، سواء أخذوه في صورة ربح، أم في صورة ثمن للأجزاء المستهلكة للأسهم.
ب - قيمة الأسهم:
من المعروف أن للسهم أربع قيم هي:
-
القيمة الاسمية: وهي القيمة التي تكون مبينة في السهم، وذلك عندما يصدر السهم، فإنه يكون بالقيمة الاسمية، أي القيمة التي دفعت لامتلاكه ابتداء، وهذا ما يفرضه الشرع؛ إذ إن الصك الذي يثبت حصة الشريك قي رأس مال الشركة، يجب أن يكون مطابقًا للمبلغ الذي ساهم به الشريك حقيقة، خاصة أنه يترتب على مقدار قيمته حصة الشريك في الأرباح.
-
القيمة الحقيقية: وهي النصيب الذي يستحقه السهم من صافي أموال الشركة من منقولاتها وعقاراتها. فهذه القيمة الحقيقية تختلف بعد ابتداء العمل في الشركة عن القيمة الاسمية، فقد تصبح القيمة الحقيقية أكبر أو أصغر من القيمة الاسمية، حسب ما تصادفه الشركة من نجاح أو فشل في أعمالها.
واعتبار القيمة الحقيقية أمر جائز شرعًا؛ لأنه إن صادفت الشركة نجاحًا وتوسعت ونمت أموالها وموجوداتها بالطرق المشروعة، يكون امتلاك مجموع المساهمين لهذه الزيادة من حقهم، وهو مقصودهم من الشركة. وإن صادفت الشركة خسارة في أعمالها فإن قواعد الشرع تقضي بأن يتحمل المساهمون الخسارة كما يأخذون الربح؛ ولذا تقل قيمة هذه الأسهم، بحسب حجم الخسارة.
-
القيمة السوقية: وهي قيمة الأسهم عند عرضها للبيع، والقيمة السوقية تختلف عن القيمة الاسمية وذلك بحسب نجاح الشركة في أعمالها، وضخامة موجوداتها، وبحسب رأس مالها الاحتياطي، وبحسب الظروف والأزمات المالية والسياسية، وبحسب الرغبة والإقبال على شرائها، أو عدم الرغبة والإحجام عنها. وهذا أمر جائز شرعًا، فللإنسان أن يبيع سلعته بأي سعر يشاء، دون أي قيد عليه، إلا إذا كانت السلعة من الربويات.
-
القيمة الإصدارية: تلجأ الشركات في كثير من الأحيان إلى إصدار أسهم تباع بأقل من قيمتها الاسمية، وذلك كأن تكون قيمة السهم الاسمية 4 وحدات نقدية، فتصدره الشركة بقيمة 3 وحدات نقدية، وذلك بقصد زيادة رأس المال. وهذا أمر جائز شرعًا، لأنه في الغالب تكون قيمة السهم الإصدارية قريبة من القيمة السوقية للسهم، والله أعلم.
جـ- بيع الأسهم قبل الوفاء بكامل ثمنها: وهذا الأمر جائز شرعًا؛ لأن المشتري بمجرد العقد، وانقطاع الخيارات صار مالكًا للسلعة، فجاز له التصرف فيها بما شاء، والله أعلم.
د - زكاة الأسهم: إذا قامت الشركة بتزكية أموالها فلا يجب على المساهم إخراج زكاة أخرى عن أسهمه، منعًا للازدواج. أما إذا لم تقم الشركة بإخراج الزكاة فإنه يجب على مالك الأسهم تزكيتها على النحو التالي:
-
إذا اتخذ أسهمه للمتاجرة بها بيعًا وشراءً، فالزكاة الواجبة فيها هي ربع العشر(2.5%) من القيمة السوقية يوم وجوب الزكاة، كسائر عروض التجارة.
-
أما إذا اتخذ أسهمه للاستفادة من ريعها السنوي، فزكاتها كما يلي:
أ. إذا مكنه أن يعرف ـ عن طريق الشركة أو غيرها ـ مقدار ما يخص كل سهم من الموجودات الزكوية للشركة؛ فإنه يخرج زكاة ذلك المقدار بنسبة ربع العشر (2.5%).
ب. وإن لم يعرف فعليه أن يضم ريعه إلى سائر أمواله من حيث الحول والنصاب ويخرج منها ربع العشر (2.5%) وتبرأ ذمته بذلك.