English

 

الاثنين. مارس. 17, 2003

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » الاقتصاد والتنمية

 

استثمار الوقف وطرقه القديمة والحديثة

نظرة تجديدية للوقف واستثماراته

الشخصية الاعتبارية للوقف وأثرها على تطويره

د. علي محيي الدين القره داغي

Image

الشخصية الاعتبارية يراد بها أن تكون للشركة أو المؤسسة شخصية قانونية مستقلة عن ذمم أصحابها أو شركائها، يكون لها وحدها حقوقها والتـزاماتها الخاصة بها، وتكون مسؤوليتها محدودة بأموالها فقط[1].

وهذه الشخصية الاعتبارية لم يصل إليها القانون إلا في القرون الأخيرة، في حين سبقه فقهنا الإسلامي الوضعي في الاعتراف بالشخصية الاعتبارية للوقف؛ حيث نظر الفقه الإسلامي إلى من يدير الوقف نظرة خاصة، فرّق فيها بين شخصيته الطبيعية وشخصيته الاعتبارية كناظر للوقف أو مدير له، وترتب على ذلك أن الوقف ينظر إليه كمؤسسة مستقلة عن أشخاصها الواقفين والناظرين، لها ذمة مالية تـترتب عليها الحقوق والالتـزامات؛ فقد قرر جماعة من الفقهاء منهم الشافعية[2] والحنابلة[3] جواز انتقال الملك إلى جهة الوقف مثل الجهات العامة كالفقراء والعلماء والمدارس والمساجد، كما ذكر فقهاء الحنفية والشافعية[4] أنه يجوز للقيّم على الوقف أن يستدين على الوقف للمصلحة بإذن القاضي، ثم يسترده من غلته؛ فهذا دليل على أن الوقف له نوع من الذمة المالية التي يستدان عليها، ثم يسترد منها حين إدراك الغلة، قال ابن نجيم: "أجر القيّم، ثم عزل، ونصب قيّم آخر، فقيل: أخذ الأجر للمعزول، والأصح أنه للمنصوب؛ لأن المعزول أجره للوقف لا لنفسه"[5]، هذا يدل على أن الوقف من حيث هو يقبل الإجارة، حيث اعتبرت الإجارة له، وهناك نصوص كثيرة تدل على إثبات معظم آثار الشخصية الاعتبارية في القانون الحديث للوقف[6].

ولا أريد الخوض في تفاصيل ذلك، وإنما الذي أريد أن أقوله هو أن هذا التكييف الفقهي للوقف جعله مؤسسة مستقلة تطورت في القرون الأُولى وقدمت خدمات جليلة لهذه الأمة وحضارتها، واستطاعت أن تحافظ على عدد كبير من القضايا الأساسية للحفاظ على متطلبات الأمة وتطويرها مثل المدارس، والجامعات والمستشفيات، وبعض المؤسسات والميراث الخاصة بالأعمال التطوعية والخيرية.

فهذا التكييف الفقهي أضفى على العمل الوقفي والخيري طابعًا مؤسسيًا تميز عن الطابع الشخصي بعدة مميزات، من أهمها أن المؤسسات أكثر دوامًا من الشخص الطبيعي، وأن عملها أكثر قابلية للتأطير (بمعنى أن عملها يوضع في إطار منظم يتضمن حصرًا للموارد المتاحة، وكيفية تعبئتها، والأهداف المبتغاة والوسائل المستخدمة للوصول إلى الأهداف)، كما أنها أكثر قابلية وتعرضًا للمحاسبة والتقويم والتقييم من خارجها، بالإضافة إلى أنه يمكن تصميمها بحيث تحتوي على نظام فعال للرقابة الداخلية، كل ذلك يعود بالتطوير على المؤسسة الوقفية[7].

ولذلك كانت معظم المؤسسات الوقفية تحت إشراف الدولة الإسلامية، وبالأخص تحت إشراف القضاء، وبالأخص تحت إشراف القضاء، وبالأخص في فترات ازدهار لهذا الجانب إلاّ مع ضعف الأمة الإسلامية في مختلف مجالاتها.

ويدل على هذه الأهمية للوقف تركيز أعداء الإسلام (وبالأخص المستعمرون) على تحطيم المؤسسات الوقفية وتعييـبها وتشويش صورتها وصورة القائمين عليها، ثم اختيار سيء السمعة والإدارة لإدارتها، ولا أظن أن هذا يحتاج إلى دليل. وقصدي من ذلك أن الوقف لو ترك دون قصد تخريبه.. لتطور تطوراً كبيراً، وقام بخدمات جليلة أكثر مما قدمه على مرّ التاريخ الإسلامي.

لذلك يجب علينا حينما نـتحدث عن الوقف أن نوجه كل طاقتنا وإمكانياتنا لتطوير هذه المؤسسة في كل المجالات، وقد استفاد الغرب من فكرة الوقف كمؤسسة في شتى مجالات الحياة، وبالأخص في مجالات التعليم والأبحاث؛ فمعظم المراكز العلمية والكليات والجامعات لها أوقافها الخاصة للاستمرارية مع كل هذا الدعم الهائل من حكوماتها.

الذمة الواحدة للوقف أم ذمم مستقلة؟

لا شك أن الوقف إما أن يكون لصالح شخص وذريته، أو نحو ذلك مما يسمى في الفقه الإسلامي بالوقف الأهلي أو الذري؛ فهذا له طابعه الخاص، وتكون إدارته في إطار الشخص الموقوف عليه، أو ذريته فيما بعد، حسب تفصيل لا يهم موضوع البحث.

وأما أن يكون الوقف على جهة خيرية، مثل: الوقف على المساجد، أو المدارس، أو الفقراء أو المساكين، أو الأرامل، أو اليتامى أو لمدرسة خاصة، أو لمؤسسة علمية خاصة بدراسة علم معين، أو ابتكار معين.

وهذا النوع الثاني هو الذي نـتحدث عنه؛ حيث يرد سؤال: هل هذه الجهات لو اجتمعت كلها أو بعضها تحت إشراف مؤسسة يكون لكل واحدة منها ذمة مستقلة، وتعمل على أساس شخصيتها المستقلة، فلا يجوز التداخل بين حقوقها والتـزاماتها وبين حقوق والتـزامات جهة أخرى أم أنه ينظر إلى كلّ هذه الجهات كذمة واحدة، وحينئذ يحمل بعضها عن بعض؟

للجواب عن ذلك نقول: إن الأصل والمبدأ العام والقاعدة الأساسية هو الحفاظ على خصوصية كل وقف وكل جهة وإن كانت تحت إشراف إدارة واحدة ؛ وذلك لضرورة مراعاة أن يكون ريع الوقف لنفس الجهة التي وقف عليها الواقف، قال البهوتي: "ويتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة"[8]. وكذلك الأمر في حالة الالتـزامات، والتعمير والبناء، وذلك من خلال ترتيب هذه الجهات كصناديق خاصة لها ذمتها المالية المستقلة بقدر الإمكان.

هذا هو الأصل ما دام ذلك ممكناً ولم يكن هناك ما يعارضه ويدل عليه الأدلة المعتبرة على ضرورة الحفاظ على الوفاء بالعقود والشروط إلا الشروط التي تكون مخالفة للكتاب والسنة، أو لا تحقق الغرض المنشود من الوقف، قال القرافي: "ويجب اتباع شروط الوقف…؛ لأنه ماله، ولم يأذن في صرفه إلاّ على وجه مخصوص، والأصل في الأموال العصمة…"[9].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود إجراء الوقف على الشروط التي يقصدها الواقف، ولهذا قال الفقهاء: إن نصوصه كنصوص الشارع يعني في الفهم والدلالة فيفهم مقصود ذلك من وجوه متعددة كما يفهم مقصود الشارع"[10].

ومع هذا الأصل العام فإن الذي يظهر راجحاً هو جواز التصرف في جميع الأموال المرصودة لجهة واحدة، كالمساجد مثلاً حيث لا بدّ أن ينظر إلى جميع موقوفات المساجد الواقعة تحت إدارة الوقف كذمة واحدة حسب المصلحة الراجحة، ولكن مع تقديم مصالح الموقوف عليه من وقفه الخاص به على غيره، وإذا فضل، أو اقتضت المصلحة غير ذلك صرف منه إلى بقية الموقوف عليه من نفس الجهة وهكذا الأمر في الوقف على جهة الفقراء، أو المدارس، أو نحوها.

ولكن يرد سؤال آخر وهو: هل يمكن أن ينظر إلى جهات الخير كلها كأنها جهة واحدة يصرف من ريعها على الجميع حسب أولوية المصالح؟

فقد أفتى فقهاء المالكية بذلك حيث جاء في نوازل العلمي: (الأحباس كلها -إذا كانت لله- بعضها من بعض، وذلك مقتضى فتوى أبي محمد العبدوسي)، كما نقل فتاوى بهذا الشأن للبرزلي وابن ماجشون وغيرهما[11]، وجاء فيهما أيضًا: "قال أصبغ وابن ماجشون: إن ما يقصد به وجه الله يجوز أن ينـتفع ببعضه من بعض، وروى أصبغ عن أبي القاسم مثل ذلك في مقبرة قد عفت فيبني قوم عليها مسجداً: لم أرَ به بأساً، قال: وكذلك ما كان لله فلا بأس أن يستعان ببعضه على بعض، وقد رأى بعض المتأخرين أن هذا القول أرجح في النظر؛ لأن استنفاد الزائد في سبيل الخير أنفع للمحبس، وأنمى لأجره…"[12].

وقال أبو محمد العبدوسي في الجواب عن جمع أحباس فاس: "يجوز جمعها، وجعلها نقطة واحدة وشيئًا واحدًا لا تعدد فيه، وأن تجمع مستفادات ذلك كله، ويقام منه ضروري كل مسجد من تلك المستفادات المجتمعة…"[13].

وأفتى بعض علماء الحنابلة بجواز عمارة وقف من ريع وقف آخر على جهته، قال ابن مفلح: "ويصرف ثمنه -أي الموقوف في حالة بيعه- في مثله" كذا في المحرر، والوجيز، والفروع، وزاد: "أو بعض مثله، قاله أحمد لأنه أقرب إلى غرض الواقف" ثم قال: "وظاهر الخرقى أنه لا يتعين المثل، واقتصر عليه في المغني، والشرح، إذ القصد النفع، لكن يتعين صرف المنفعة في المصلحة التي كانت الأَولى أن تصرف إليها، لأن تغيير المصرف مع إمكان المحافظة عليه لا يجوز، وكذلك الفرس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى بثمنه ما يصلح للجهاد، وعنه رواية أخرى: يصرفه على الدواب الحبس، وما فضل من حصره وزيته جاز صرفه إلى مسجد آخر، والصدقة به على فقراء المسلمين… واختاره الشيخ تقي الدين، وقال أيضاً: وفي سائر المصالح، وبناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته..."[14].

فهذه الفتاوى لعلماء المذهبين تجيز النظر إلى جميع الجهات نظرة واحدة قائمة على ذمة واحدة حسب المصالح المعتبرة، والذي يظهر رجحانه هو أن يكون ذلك في دائرة الاستثناء ويبقى الأصل العام في رعاية كل وقف بذاته إلا لمصلحة راجحة، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية من أن يربط التصرف في أموال الوقف بالمصالح الراجحة أكثر من غيرها؛ حيث قال -بعد جواز تغيير الوقف وبيعه-: "فَـتُـتبع مصلحة الوقف، ويدار مع المصلحة حيث كانت، وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين كعمر وعثمان أنهما غيّرا صورة الوقف للمصلحة، بل فعل عمر ما هو أبلغ من ذلك؛ حيث حول مسجد الكوفة القديم، فصار سوق التمارين، وبنى لهم مسجداً آخر في مكان آخر. والله أعلم"[15].

تابع معنا بقية محاور الدراسة:

هوامش ومصادر:

[1] يراجع لمزيد من التفصيل: د. السنهوري: الوسيط (5/288)، و د. أبو زيد رضوان: الشركات التجارية (ص110)، و د. صالح المرزوقي: الشركات المساهمة في النظام السعودي، ط. جامعة أم القرى (ص191).

[2] الروضة للنووي (5/342).

[3] المغني لابن قدامة (5/640 ـ 641).

[4] فتاوى قاضي خان بهامش الفتاوى الهندية (3/298)، والدرر المختار مع حاشية ابن عابدين (4/439)، والأشباه والنظائر لابن نجيم (ص194)، وتحفة المحتاج (6/289).

[5] البحر الرائق (5/259).

[6] يراجع: مبدأ الرضا في العقود، دراسة مقارنة، ط. دار البشائر الإسلامية بيروت 1985 (1/000353).

[7] د. معبد الجارحي: ورقته المنشورة ضمن أبحاث ندوة الوقف الخيري لهيئة أبو ظبي الخيرية (ص120).

[8] شرح منتهى الإرادات (2/406).

[9] الذخيرة، ط. دار الغرب الإسلامي (6/326).

[10] مجموع الفتاوى (31/98).

[11] نوازل العلمي (2/313 ـ 314).

[12] المصدر السابق (2/344 ـ 345).

[13] المصدر السابق (2/344 ـ 345).

[14] المبدع في شرح المقنع، ط. قطر (5/355 ـ 357) بتصرف غير مخل.

[15] مجموع الفتاوى (31/361).


أســــتاذ بكلية الشريعة  بجــامــعة قــطـــر والحـائز على جائـــزة الدولة، والخبير بالمجامع الفقهية وعضو المجلـــــــس الأوربـــي للإفتاء والبحوث

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم