|
الفتنة.. طائفية أو حزبية.. مذهبية أو سياسية.. مرض عضال بات يهدد أقطارا كثيرة من العالم الإسلامي، فمن فلسطين إلى العراق، إلى لبنان.. بحور من الدم، تشتيت للجهد، وتراجع عن اللحاق بركب الحضارة الذي يسير بسرعة البرق.. وفوق هذا وذاك بعد عن قضايا الأمة الأصيلة، ومنح الفرصة لأعدائها كي ينشبوا أظافرهم أكثر وأكثر في جسدها المثخن بالجراح...
هذا هو حصاد تلك الفتن.. التي وصفها ربنا عز وجل في قرآنه الكريم قائلا: {والفتنة أشد من القتل}... فما مفهوم تلك الفتنة التي هي أشد من القتل، وكيف يتم التعامل معها، وكيف تم توظيفها في التاريخ الإسلامي لتسويغ الاستبداد وقمع المعارضة، وماذا عن الفتنة الطائفية، وهل لموقدي تلك الفتن أحكام شرعية في الفقه الإسلامي؟
أسئلة كثيرة كانت محور حلقة برنامج "الشريعة والحياة" على قناة الجزيرة مع ضيفها د. طه جابر العلواني عضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي ورئيس جامعة قرطبة بالولايات المتحدة الأمريكية -يوم الأحد السابع والعشرين من شهر ذي القعدة عام ألف وأربعمائة وسبعة وعشرين هجرية الموافق السابع عشر من شهر ديسمبر لعام ألفين وستة ميلادية-.
أشد من القتل
في البداية يؤكد د. العلواني أن مفهوم الفتنة في القرآن مفهوم واسع ومتعدد المعاني، ومنها السعي في الأرض فسادًا، بمحاولة إيقاع الفتنة بين الناس وتخريب أمنهم وسلامهم ودفعهم إلى العنف والاقتتال.. كل هذا يندرج تحت مفهوم الإفساد في الأرض الذي جعل الله له عقابًا شديدا في الدنيا والآخرة.
وعن السر في اعتبار القرآن للفتنة أنها أشد من القتل يؤكد د. العلواني أن الفتنة المقصودة هنا هي عملية صرف الإنسان عن الحق بالقوة، بمعنى أن يفرض نظام جائر على الناس شيئا لا يستسيغونه، ولا يريدونه، فهذا نوع من الفتنة يراد من خلاله حمل الناس على تغيير معتقداتهم وآرائهم وتصوراتهم؛ وهو أشد من القتل؛ ذلك لأن الحرية هي جوهر إنسانية الإنسان، فمن سلب حريته سواء في التعبير عن الرأي أو الاعتقاد، إنما تسلب منه إنسانيته.. فلا إنسانية بدون حرية.
من هنا فإن الإسلام يعتبر عملية إكراه الناس على تغيير معتقداتهم وتصوراتهم بالقوة والعنف أشد من قتلهم؛ لأن ذلك قتل لإنسانيتهم ولحرية الاختيار فيهم.
ليس مذهبيًّا
وعن بواعث الفتن القائمة في كثير من البلدان الإسلامية تناول د. العلواني العراق كنموذج لها معللا ذلك بانتمائه إليه ومعرفته بكثير من الظروف والملابسات التي أدت لوقوع تلك الفتنة.. حيث بدأ حديثه عنها بكلمات للملك فيصل الأول، والذي اعتبره مؤسس العراق الحديث، هذه الكلمات تؤكد على أن الشعب العراقي شعب ذو طبيعة خاصة، ليس هناك رابط واحد يجمع كلمته، وإنما تتحكم الطائفية فيه بطريقة فجة، ويؤكد د. العلواني أن هذا الوصف مع قسوته لا ينطبق على الشعب العراقي ككل، وإنما ينطبق على النخبة التي تعلي من النعرة الطائفية، وتتشدق بها، وتعلن تمسكها بأصولها، في الوقت الذي لا تعلم فيه تلك النخبة -كما يؤكد العلواني- اتجاه القبلة، ولا فروض الدين فضلاً عن فروعه ومذاهبه، ولكن اللعبة السياسية، ومحاولة تحقيق كسب سياسي هي التي جعلت هؤلاء مرة شيعة، ومرة سنة، ومرة وطنيين، يدورون مع اللعبة السياسية حيث تدور.
من هنا يقرر د. العلواني أن المتتبع لمسيرة هذه النخبة يوضح أن هذا الصراع ليس صراعًا مذهبيًّا؛ لأن شرط الصراع المذهبي أن يكون للإنسان دين ومذهب، ومعظم هؤلاء السياسيين ليس لهم دين ولا مذهب، بل إنهم يرتدون لبوس المذاهب فقط من أجل مصالحهم الشخصية، فالباعث سياسي في الأساس تحكمه المصلحة الشخصية.
تراث الفرقة
وفي إشارة لما يحدث بلبنان، وعن الحكم الشرعي في اللجوء إلى الشارع والرأي العام لمحاولة حل مشاكل يفشل فيها السياسيون داخل أروقتهم، يؤكد د. العلواني على أنه يثق في الشارع العربي المسلم أكثر من ثقته في الذين يتصدون للعمل السياسي، سواء كانوا في السلطة أو في غيرها، ومع ذلك يشدد د. العلواني على أن شعوبنا ليست مهيأة لا تاريخيًّا ولا في الوقت الحاضر لاستيعاب مثل تلك الخلافات، بسبب أن تلك الخلافات قد أخذت في تراثنا مفهومًا خاصًّا يعني الفرقة والتنازع، ومن هنا يسهل على البعض اتهام أصحاب الأفكار الجديدة بالخطأ، وهنا تجد الأمة نفسها في حالة احتقان، ويبدأ هؤلاء السياسيون يستقطبون من يشاءون، وينفون من يشاءون، فقط لينتصر بعضهم على بعض.
ومن هنا يقرر د. العلواني أن الشعوب تحتاج إلى وعي لكي تتخلص من حالة الاستقطاب لهذا السياسي أو ذاك، وعلى هؤلاء الساسة أن يرحموا الأمة من هذا التمزق فلا نحتكم إلى داخل ولا إلى خارج، وإنما نحتكم إلى تراثنا وقيمنا ومبادئنا.
منهج العلاج الشرعي
وعن طريقة الشرع في علاج تلك الخلافات والتعامل معها سواء كانت مذهبية أو سياسية قبل تفاقمها لتصبح خطرًا على الأمة، يؤكد د. العلواني في البداية على نقطة نظام وهي أننا في حاجة ماسة؛ لأن ننزع عن هؤلاء المتصارعين الصبغة الدينية والمذهبية، ونبين أنهم مجرد سياسيين حتى نستطيع التعامل مع الأمر على حقيقته، ونصف الدواء الشرعي بطريقة سليمة.
ثم يؤكد أن الإسلام سد كل المنافذ التي يمكن أن تحدث مثل تلك الفتن والخلافات قبل الوقوع فيها، وحذر منها تحذيرًا شديدًا.. فالنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على أبي ذر رضي الله عنه بعدم المبادرة إلى دخول هذه الفتنة، بل أبعد من ذلك يقول له صلى الله عليه وسلم: "..... إن رابك شعاع السيف فغط وجهك ودعه يبوء بإثمك وإثمه" في إشارة بعدم مبادلة الاعتداء بمثله، وعدم السير في طريق الاختلافات.
فالاختلاف والاقتتال الداخلي في الإسلام ممنوع في الكتاب والسنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فتقاتلا فالقاتل والمقتول في النار".. لذلك فليس لأحد أن ينصب نفسه متحدثًا باسم الإسلام وممثلا له، لا شيعي، ولا سني، وليس لأحد أن يتأول أو يبرر ممارسة العنف داخل المجتمعات المسلمة، فكلها مبررات وتأويلات ضد الكتاب والسنة وإجماع الأمة على مر العصور.
أفكار مرفوضة
ثم يؤكد د.العلواني على أن العلاج لا يمكن أن يكون أبدًا بالسلبية، أو الرضا بالأمر الواقع، ذلك لأن الأمة مرت بمجموعة من الفتن قديمًا كمقتل عثمان، وما أعقبه، ومقتل الحسين إلى آخره... ولم تجد من خلال تلك المحاولات تغييرًا أو إصلاحاً، بل مزيدًا من الدماء، ومزيدًا من الدمار، ومزيدًا من الفتن، فتولدت لدى علماء الأمة حينها أفكار سلبية ننتقدها الآن، مثل الاعتزال، أو قبول الأمر الواقع، أو اعتبار القيام بأي أمر قد يؤدي إلى تمزيق الأمة.
وهنا نقرر أنه لا بد من الاحتكام لمبادئ القرآن الكريم ومحاولة الاستفادة من تجارب الآخرين، وهناك عالم له تاريخ وتجارب نستطيع أن نقتبس منها، فلا يوجد قطر واحد في العالم كله مر بمثل هذه الأحداث ولم يقم باحتوائها، ويضرب د. العلواني مثلا بأمريكا التي كان فيها حرب طاحنة بين الشمال والجنوب، وبين السود والبيض، ثم استطاعوا بعد ذلك أن يصلوا إلى صيغ تحتوي تلك الخلافات.
ثم يوضح د.العلواني أننا نستطيع أيضا الوصول إلى صيغة توافقية تستوعب تلك الخلافات وتحتويها، شريطة الالتزام بمجموعة من الأمور - لعل أهمها-:
أولها: أن نقوم بتفكيك تراث الفرقة والتنازع.. فلدينا رصيد هائل شيعي وسني وإباضي وغيره، هذا التراث في حاجة إلى تفكيك، ومراجعة، وبيان ما يقبل منه وما يرفض، وهذه المراجعات لا بد أن تكون شاملة للتخلص من آثار تأثير هذا الماضي على حاضرنا.
ثانيها: محاولة وضع رؤية مستقبلية لهذه الأمة، والتخطيط لهذا المستقبل.. ووضع مشروع حضاري متكامل بين يدي الأمة.
ثم يؤكد د. العلواني أنه في هذه الحالة سنستطيع التخلص من فكرة الاستقطاب، والتناقض، والخلاف، ويفتح الباب لحوار حقيقي ينتقل بالأمة إلى مرحلة جديدة.
شمول الفتنة
وعن قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة..." يؤكد د. العلواني أن شمول الفتنة أمر ملموس وحقيقي، فهناك أطفال أبرياء، ونساء، وغيرهم.. يحترقون في مواقد الفتن دون ذنب أو جريرة، وهذا يؤكد صدق ربنا عز وجل في شمول تلك الفتن وعمومها ليس على الظالمين فحسب.
وعن كيفية التعامل مع محركي تلك الفتن وموقديها يؤكد د. العلواني أن هذا الأمر يحتاج إلى نوع من الوعي الذاتي عند الأمة، حتى لا يستطيع أولئك استخفافها، مهما كانت براعتهم.. أو ما يتذرعون به من دين أو مذهب أو طائفية أو ما إلى ذلك..
ثم يشدد د. العلواني على أننا في حاجة لوضع ما يمكن أن يشبه ميثاق شرف فيما بيننا، مع إحداث نوع من الوعي لدى شعوبنا بكل مفرداته.. وقد اقترح له د. العلواني مجموعة مما يمكن أن يكون بنودا، منها:
أولا: أن تدرك الأنظمة السياسية الحاكمة في دولنا أنه لا يمكن لها أن تقيم حكما مستقرًا دون تداول حقيقي للسلطة، يقوم على مجموع أبناء الوطن، ولا يهمل أي فصيل من الفصائل.
ثانيًا: إقامة المؤسسات القادرة على التنشئة السياسية السليمة، التي لا تخلط الأمور، وتوضح العلاقات بين فصائلها المختلفة، وبينها وبين قياداتها بشكل دقيق لا يتجاوز فيها أحد حدوده.
ثالثًا: إقامة مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز دورها، وإحاطتها بالضمانات الكافية لأداء دورها السليم، ولتوجد هي الضمانات الكفيلة بعدم قيام أي فصيل بأعمال عنف، أو أعمال سرية.
رابعًا: تعديل برامج التعليم ومناهجه بشكل كبير ودقيق، بحيث يؤدي إلى تخريج إنسان معتدل، يعلم حقوقه وواجباته، ويقبل الآخر أيا كان -حسب تعبير د. العلواني-.
خامساً: تعزيز فكرة الوحدة وإحياء التكامل بين الأقطار الإسلامية، وأمام الجميع النموذج الألماني الذي أنفقت فيه ألمانيا الغربية مليارات الدولارات دون تردد من أجل إعادة بناء وحدتها مع شقيقتها الشرقية.
كيد الأعداء
وفي مداخلته أوضح د. محمد التطاوي -أستاذ الفقه المقارن بالجامعة الأردنية- أن بواعث الفتنة في كل قطر عربي أو إسلامي لها خصوصية، لكن هناك عاملا مشتركًا يكاد يجمعها، وهو العدو الذي يتربص بهذه الأمة، ويحاول زرع تلك الفتن في داخلها، فهو الذي منى العراقيين بالديمقراطية، ويمني أهل فلسطين -ممن يصدقونه- بإمكانية استعادة حقوقهم بمجرد الجلوس على مائدة تفاوض! بعد أن قتلوا ونهبوا وسلبوا، وخربوا كل شيء، ويفعلون نفس الشيء مع اللبنانيين في محاولة لاستمالتهم، فالعدو هو القاسم المشترك بين كل تلك الفتن؛ وأوضح د. التطاوي كذلك أن هذا لا يعني أبدا أن تلك الفتن خارجية صرفة وإنما {وفيكم سمّاعون لهم} فضعاف النفوس وضعاف الإيمان -ممن يستقوون بهؤلاء الأعداء- سبب رئيس في تعاظم تلك الفتن.
وعن الفتنة في العراق، فقد أرجعها التطاوي لمجموعة من الأسباب إلى جانب كيد الأعداء، أهمها الجهل بحقيقة المذاهب الإسلامية، ووصف هؤلاء الذين يحركون تلك الفتنة المذهبية بأنصاف العلماء؛ لأنهم لا يدركون حقيقة ما يدعون إليه.
أحكام فقهية
وعن الحكم الشرعي في التعامل مع محركي تلك الفتن أكد د. العلواني أن المنهج القرآني واضح من خلال قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض...}، ثم يختار د. العلواني الحكم الأخير من الآية وهو النفي والعزل، أو بطريقة أخرى محاولة كشف مخططاتهم، وعلاقاتهم.
لذلك فنحن في احتياج -كما يؤكد د. العلواني- لجهد كبير في توصيفهم ومحاولة تحديد آليات عزلهم؛ لأن بعضهم ربما كان حسن النية، والآخر ربما قد تم استغفاله، وبعضهم متعمد سيئ النية، لذلك فالقرآن قد أمدنا بدليل الوعي بهم، وكذلك دليل لآليات محاصرتهم وعزلهم، تماما كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع المنافقين الذين كانوا معه بالمدينة.
الفتنة وتبرير الاستبداد
وعن استغلال الفتنة وجعل الخوف من حدوثها مبررا لتكريس نظام حكم مستبد، يؤكد د. العلواني أن هذه الفكرة مرفوضة، ولا ترضي الله ورسوله، حيث لا يمكن أن يجتمع العدل والطغيان في نظام أو فرد، ومثل تلك الفكرة لا تصدر إلا عن العجزة الذين لا إرادة لهم ولا قدرة على التغيير.
ويؤكد د. العلواني أن مثل تلك الفكرة هي التي تجعل بعض العراقيين الآن يبكون عصر صدام، ويقولون كان خيرًا للعراقيين مما هم فيه، وهذا كلام غير صحيح بالمرة، فهذا المطر من ذاك الغيم.
وعن مسألة اعتبار المعارضة السياسية فتنة في حد ذاتها، أكد د. العلواني أن هناك فرقًا كبيرًا بين الاقتتال المسلح الذي هو ممنوع على كل المستويات، سواء كان مع الحكام أو بين فصيلين داخل الأمة؛ وبين المعارضة السلمية التي تقول للحاكم لقد أخطأت في كذا، وأصبت في كذا، فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
لكن د. العلواني يشدد على أن للمعارضة آدابًا، كما أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر آدابًا وأصولاً وقواعد، فلابد للمعارض أن يعرف آداب المعارضة، وكيف يمارسها، ومتى يمارسها، وكذلك لا بد للحاكم أن يؤمن بأن هذا المعارض سند لحكمه، وليس عدوا له.
وعن أحاديث الفتن يؤكد د. العلواني أنها نوع من الرؤية المستقبلية للنبي -صلى الله عليه وسلم- يحاول من خلالها تنبيه الأمة إلى بعض الأخطار.
وشدد د. العلواني على أن اعتبار هذه الأحاديث قدرًا مقدورًا، ينبغي انتظاره والقعود عن العمل والإنتاج فكرة سلبية لا يقرها الإسلام، وتتنافى مع نصوص القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
من أسرة مدارك
|