|
جدد الخبر الذي نشرته جريدة الوطن السعودية الأربعاء 18 أكتوبر 2006 -بشهود بلجيكا خلال أيام إنشاء أول بنك معلومات في أوروبا للقتل الرحيم- الحديث من جديد عن هذا الأمر المثير للكثير من الجدل والمناقشات الدينية والعلمية، والتي سبق أن أثيرت من قبل 4 أعوام عندما تم إقراره وتطبيقه لأول مرة في هولندا، حسب ما نشرته صحيفة الشعب الصينية الناطقة بالعربية إبريل 2001.
باقي تفاصيل الخبر الذي نشرته الوطن تكشف عن أن البنك سيقوم بتقديم معلومات مساعدة للأطباء تمكنهم وهم في أي مكان من الاطلاع على الحالات التي يرغب أصحابها في القتل الرحيم، أو المرضى الميئوس منهم، كما سيقوم أيضا بوضع قوائم أسماء من قتلوا طبيا، أو الراغبين الجدد في ذلك وحالتهم الصحية، كما يقدم خدمات لأفراد الأسر عن طريق الاطلاع على الأساليب التي يمكن من خلالها تنفيذ القتل الرحيم والجهات التي يتصلون بها، والإجراءات اللازمة لتنفيذ ذلك!!.
الرأي الشرعي
من الناحية الشرعية كان الشيخ يوسف القرضاوي قد أكد سابقا -في فتوى نشرت له على موقع "إسلام أون لاين.نت"- على أن الحالات التي يتدخل فيها الطبيب بإعطاء المريض دواء يعجل بموته غير جائزة بحال من الأحوال، وهذا يختلف عن الحالات التي يتدخل فيها الطبيب برفع أجهزة الإنعاش عن المريض الذي أجمع الأطباء على أنه لن يعود للحياة مرة أخرى بسبب موت جذع الدماغ فهذا جائز؛ فبقاء المريض على هذه الحالة يتكلف نفقات كثيرة دون طائل، ويحجز أجهزة يحتاج إليها غيره، ممن يجدي معه العلاج.
كما رفض الدكتور محمد سيد طنطاوي -شيخ الأزهر- في لقاء جَمَعه بأطباء وقضاة في القاهرة خلال المؤتمر الدولي السنوي الثالث والعشرين لكلية طب عين شمس تحت عنوان "الطب المتكامل"، والذي عُقد في الفترة من 21-24 فبراير 2000م، رفض كل ما يثار عن قتل الرحمة، مؤكدًا أن قتل المريض الميئوس من شفائه ليس قرارًا متاحًا من الناحية الشرعية للطبيب أو لأسرة المريض أو للمريض نفسه، غير أن شيخ الأزهر أكَّد أيضا إلى جانب ذلك على أن الأمر قد يختلف فيما يتعلَّق بحالات الوفاة المخية، حيث يجوز للطبيب أن يفصل الأجهزة الطبية عن المريض ليتوقَّف قلبه إذا تأكَّد أن عودته للحياة مستحيلة.
وفي سؤال حول قتل المريض الميئوس من حياته بنفس الدافع السابق -الرحمة والإنسانية- وجَّه إلى دار الإفتاء بالكويت بتاريخ 13-8-2001م كان نص الإجابة يحمل تحريما قاطعا للتخلص من المريض بأي وسيلة؛ لأنه لا يباح دم امرئ مسلم صغيرًا أو كبيرًا، صحيحًا أو مريضًا إلا بإحدى ثلاث حددها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا يحل دمُ امرئ مسلم شهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفسُ بالنفس، والثيبُ الزاني، والمارقُ من الدين التارك للجماعة" (أخرجه البخاري). وهذا القتل ليس من هؤلاء الثلاثة، والنص القرآني قاطع في الدلالة على أن قتل النفس محرم قطعا لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ}، ويشترك في الإثم والعقوبة من أمر بهذا أو حرص عليه، وقياس هذا القتل على قتل الحصان الميئوس من شفائه فيه امتهان لكرامة الإنسان؛ إذ الحصان يجوز ذبحه حتى ولو كان صحيحا، بخلاف الإنسان فإنه معصوم الدم، ووصف الرصاصة القاتلة للحصان برصاصة الرحمة وصف لم يقم عليه دليل شرعي؛ فكيف نسمي الحقنة القاتلة للإنسان بهذا الاسم؟.
من جانبه رفض الدكتور نصر فريد واصل -مفتي مصر الأسبق- في جريدة الوطن السعودية 18 أكتوبر 2005- ما يسمى بالقتل الرحيم مهما كانت حالة المريض ميئوسا منها ووصف هذه العمليات بالتحايل على المشيئة الإلهية.
وأضاف أنه في حالة المريض الذي لا يرجى شفاؤه يؤخذ فيه بالأسباب العلاجية إلى أن يقضي الله أمره.
عدد آخر من العلماء أبدوا آراء تتفق مع الرأي السابق سبق أن نشرت في جريدة البيان الإماراتية- أكتوبر 2005، جمعها تحقيق بعنوان "القتل الرحيم ضرورة أم مخالفة للشرع؟" منها ما أكده الدكتور عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر من أن قتل الميئوس من استمرار حياته المسمى بالقتل الرحيم لا يجوز بأي وجه من الوجوه مهما كانت الدواعي، مشيرًا إلى أن من قتله ينبغي أن يقتص منه لأنه متعمد لا خطأ كما يحلو لبعض الناس أن يسموه.
كما رأى الدكتور محمد سيد أحمد المسير الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر أننا مأمورون شرعا بالأخذ بالأسباب ثم ندع العواقب لله أحكم الحاكمين، وخلص إلى القول بأن هؤلاء المعجلين للموت لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ويعتقدون أن الحياة الدنيا تنتهي بالقبر ويتناسون الحساب والجزاء والبعث والنشور ثم إنهم مصابون بقصر النظر وضيق الأفق؛ فكم من ميئوس من شفائه مَنَّ الله عليه بالعافية وكم من أناس خرجوا من المستشفيات انتظارا للحظة الموت القريبة فإذا هم يعيشون عمرًا مديدًا... {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}.
في حين ذهب الدكتور محمود خيامي الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر إلى أن إباحة بعض الدول الغربية للموت الرحيم ليس مقياسا لنا، وينبغي ألا نتخذ منه قدوة في قضايا محسومة في شريعتنا الإسلامية.
فقد المناعة
أما ما يتعلق بجواز قتل المريض المصاب بمرض فقد المناعة (الإيدز) ممن يخشى انتقال مرضه لغيره يرى الشيخ عطية صقر -في فتوى نشرت سابقا بموقع "إسلام أون لاين.نت"- أن قتل مثل هذا المريض الذي يخشى انتقال مرضِه إلى غيره بالعدوى حتى لو كان ميئوسا من شفائه لا يجوز؛ من أجل منع ضررِه؛ ذلك لأن هناك وسائل أخرى لمنع الضرر أخف من القتل ومنها العزل، ومنع الاختلاط به على وجه يَنقل المرض؛ فوسائل انتقال المرض متنوعة، وتختلف من مرض إلى مرض، وليس كل اختلاط بالمريض بفَقد المناعة "الإيدز" محقِّقًا للعدوى.
وعدم الاختلاط بالمريض مرضًا مُعْدِيًا (أي العزل أو الحجر الصِّحِّي) مبدأ إسلامي، جاء فيه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "فِرّ من المجذوم فِرارَك مِنَ الأسَدَ" (رواه البخاري)، وقوله "إذا سمِعْتُم بالطّاعون في أرض فلا تدخُلُوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرُجوا منها"، والله سبحانه يقول {خُذُوا حِذْرَكُمْ} (سورة النساء: 71)، وفي الحديث الذي رواه أحمد وابن ماجة بإسناد حسن "لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ".
وشدد على أنه لا يصِحُّ مطلقا قتل المريض بالإيدز أو بغيره، لا لليأس من شفائه، ولا لمنع انتقال المرض منه إلى غيره؛ فالله على كل شيء قدير، ووسائل الوقاية متعدِّدة، وقد يكون بريئًا من ارتكاب ما سبَّب له المرضَ، فهو يستحِق العطفَ والرحمةَ، ومداوَمة العِلاج بالقدر المُستطاع، جاء في الحديث الذي رواه الترمذي "يا عبادَ الله تداوَوْا، فإن الله لم يضَعْ داء إلا وَضَع له دواءً"، وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم "ما أنزلَ الله من داءٍ إلا أنزلَ له شفاءً"، وفي الحديث الذي رواه أحمد "إنّ الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاءً، عَلِمَه مَن عَلِمَه وجهِله مَن جهِله"، وجاء في بعض روايات أحمد استثناء "الهَرَم" فإنه ليس له شفاءٌ.
وهذه الأحاديث تُعطينا أملا في اكتشاف دواء لهذا المرض، كما اكتشفت أدوية لأمراض ظنَّ الناس أن شفاءَها ميئوس منه، فلا يصِحُّ قتل حامله لليأس من شفائه.
محاولات تغريبية
مسعود صبري عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يرى أن محاولات القيام بما يعرف بـ"القتل الرحيم" في الدول العربية هي نوع من الاستيراد الفكري من الغرب، وأن من ينقلون لنا مثل هذه الأفكار لا يراعون الخصوصيات الثقافية والفكرية والدينية للمجتمعات العربية.
وتنبأ صبري بأن تظل عمليات القتل الرحيم حوادث نادرة في المجتمع العربي المحافظ، وأن تطبيقها سيبقى في حيز طبقات هي أقرب للطبقات المتغربة في بلادنا، وأنه إن كان صوت الشريعة يحرم في عمومه مثل هذا العمل، فإن الشعوب المؤمنة ترفض في مجملها مثل هذا الاستيراد، وأنه يجب التنبه إلى الوافد علينا من غيرنا، وأن حالة العداء التي تشهدها الشعوب العربية من أمريكا والتحيز الغربي ضد عالمنا سيولد نوعا من الحصانة ضد الظواهر الغربية، وخاصة إذا علا صوت الدين بحرمة تلك الأفعال، وسيولد الأمران معا حاجزًا أخلاقيًا كبيرًا يساعد المسلمين على رفض القتل الرحيم وغيره من الظواهر، فضلا عن الإيمان بحرمته من خلال كلمة الفقهاء والمفتين.
وحذر من حالات التسويق الإعلامي الذي يحاول أن يسوغ للمسلمين قبول مثل هذه الظواهر ويصور انتشارها في بلاد المسلمين، مذكرا أنه من واجب الصنعة الإعلامية إن ذكرت وجود مثل هذه الحالات أن تذكر لنا الإحصائيات المقارنة بيننا وبين الدول الغربية ليعرف الناس النسبة الحقيقية، وليوضع الأمر في نصابه دون زيادة أو تصوير مزيف للدول العربية.
ويشير مسعود صبري إلى أن المجتمعات الإسلامية تملك من أدوات منع تلك الظواهر، من الخوف من إتيان الحرام عند الإفتاء بحرمته، وما تقوم به وسائل الوعظ والإرشاد التي يمتلكها المجتمع المسلم من خطبة الجمعة ودروس العلم في المساجد والفضائيات ومواقع الإنترنت والإذاعة والتلفاز والجرائد والمجلات، حيث بات كثير من تلك الوسائل طريقا لمعرفة الأحكام الشرعية وتذكير الناس بما عليه ديننا الحنيف.
بدافع الشفقة!
وترجع فكرة القتل بدافع الشفقة تاريخيا -حسب ما ذكر المحامي عماد محمد حمدان بمطبوعة الوحدة السورية- إلى عام 1906 في الولايات المتحدة الأمريكية عندما قدمت مسودة أول مشروع قانون لتشريع القتل الرحيم، إلا أنها لاقت معارضة شديدة فلم تنجح.
ثم في عام 1958 قامت سيدة تدعى ( LAEL WE RTENBAER ) بنشر كتاب بعنوان "موت رجل" شرحت فيه كيف قامت بمساعدة زوجها على الانتحار.
وفي عام 1975 ظهرت في هولندا حركة تدعى "حركة القتل الرحيم" أنشأت صندوقا لمساعدة الراغبين في إنهاء حياتهم، وقد تلقت أول تأسيسها 25 طلبا للمساعدة.
أما مسألة تحول هذه الأفكار إلى قوانين جاء توضيحها بالتفصيل على لسان الدكتور زياد النجار رئيس قسم التثقيف الصحي بوزارة الصحة العامة بمجلة الصحة القطرية عام 2005، والذي يشير إلى أن التصويت على فكرة ما يسمى بالقتل الرحيم للمرة الأولى كان في أستراليا يوليو 1996م، ولكن تم إلغاء القانون بعد مرور أشهر قليلة من التصويت عليه. ثم أباحه البرلمان الهولندي بأغلبية 104 أصوات مقابل 40 صوتا رافضا، إلا أن القانون ووجه بموجة عارمة من الغضب الشعبي تمثلت في مظاهرات حاشدة أمام مبنى البرلمان، ثم قلدتها بلجيكا.
وأشار إلى مجموعة أخرى من التشريعات القانونية التي تحظر هذا النوع من القتل؛ ففي بريطانيا يسجن كل من يساعد شخصا على قتل نفسه 14 عاما، وكذلك فإن عقوبة الحبس تلاحق كل من ساعد فردًا على الانتحار في إيطاليا والنرويج. أما في المنطقة العربية والإسلامية فالأمر مرفوض تماما من الناحية الشرعية والقانونية؛ فالقانون السوري على سبيل المثال ينص في مادته 538: على أنه يعاقب بالاعتقال من 10-20 سنة من قتل إنسانا قصدًا بعامل الإشفاق بناء على إلحاحه بالطلب.
أصداء خارجية
ورغم هذا الكم من المعارضات فإن مشروع نفس القانون كان قد وجد لنفسه مكانا في برلمانات واستطلاعات الرأي بعدد كبير من الدول؛ فلهذا القانون أصداء تجاوزت الحدود الهولندية على حد تعبير -صحيفة الشعب الصينية الناطقة بالعربية- ففي أستراليا اقترع أعضاء مجلس الشيوخ في أكتوبر 2001 لصالح مشروع قانون يحدد الشروط التي يمكن للأطباء بموجبها مساعدة الميئوس من شفائهم على إنهاء حياتهم.
ومن أستراليا إلى فرنسا حيث أدى قيام أم فرنسية بمساعدة ابنها على التخلص من حياته تبعا لنفس هذا المبدأ في القتل؛ إلى إعادة فتح باب النقاش بشكل واسع هناك حول أهمية وجود قانون يشرع القتل الرحيم حسب ما أورده موقع الـ "CNN" سبتمبر 2003.
عن نفس الأمر بث موقع الـ"BBC" مايو 2005 خبرًا يشير إلى إعاقة مجلس اللوردات بالبرلمان البريطاني لمشروع القانون الذي أطلق عليه هناك "مسودة لورد جوف"، والذي يعطي الأطباء الحق في وصف أدوية يمكن لمريض في حالة مرض قاتل وتحت ألم بالغ أن يتعاطاها لينهي حياته. مشيرا إلى أن اللوردات أقروا في ذات الوقت تعديلا يسمح بإرجاء النظر في مسودة القانون، وجاء القرار بأغلبية 48 صوتا.
أما جريدة الشرق الأوسط -أكتوبر 2005- فقد أوضحت أن نسبة 74% من الألمان تؤيد تشريع "القتل الرحيم" والسماح للأطباء باستخدام وسائل الموت الرحيم في الحالات الميئوس من شفائها بناء على رغبة المرضى، فيما رفضت نسبة 20% تشريعه.
ومن الجدل المثار بشكل علني في تلك الدول إلى جدل من نوع آخر تشهده ساحات ومنتديات الحوار العربية؛ فساحة "أخوية" السورية شهدت خلافا حول هذا الأمر انتصر فيه الرأي المنادي بإسقاط هذه الفكرة على اعتبار كونها تتنافي مع إرادة الله عز وجل؛ فهي إن كانت برغبة المريض فهي انتحار، وإن كانت رغما عنه فهي قتل لا محالة.
محررة بالنطاق الشرعي بشبكة إسلام أون لاين . نت
|