English

 

الأحد. نوفمبر. 12, 2006

شرعي » فتاوى الناس » قضايا علمية وصحية

 

الاستنساخ لمواجهة العقم.. رؤية فقهية

صبحي مجاهد

Image

القاهرة - رفض فقهاء متخصصون ما ذهب إليه الداعية السعودي عبد الله بن محمد فدعق من جواز لجوء مرضى العقم لاستنساخ أبناء من أنفسهم، بعد أن بات ذلك ممكنًا من الناحية العلميـة، على حد قوله، والذي قال به من خلال أطروحته عن "الحق في الحياة" قبل أن يلقيها في مشاركة ضمن فعاليات "المؤتمر الدولي الخامس لأمراض وجراحة القلب" والذي عقد بجدة مؤخرا.

فمن جانبه يشير الدكتور صالح المرزوقي -الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بجدة- إلى أن المجمع قد اتخذ قرارا من قبل في عملية الاستنساخ؛ وهو أنه يجوز في الحيوان والنبات ولا يجوز في الإنسان؛ فهو ممنوع استخدامه من أجل استنساخ الإنسان، وهذا هو القرار الشرعي الذي تم التوصل إليه باتفاق أعضاء المجمع، ولم يقل المجمع بأي حكم آخر، حيث إن عدم الجواز كان حكما عاما من المجمع في الاستنساخ ولا استثناء فيه.

أما الشيخ سالم الشيخي -عضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث- فيرفض أيضا القول باللجوء للاستنساخ في حالة الزوجين العقيمين اللذين استنفدا كل محاولات الإنجاب بالطرق الطبية الأخرى، ويوضح أنه لا يمكن أن يقول بهذا القرار شيخ أو عالم، وإنما لا بد أن يتم مناقشة تلك القضية من خلال مؤتمر فقهي يدرس كل الأبعاد الدينية والأخلاقية.

ويرى أنه قبل إصدار أية أحكام في عملية استنساخ جنين للزوجين العقيمين يتحتم الإجابة على عدة تساؤلات أهمها:

هل يمكن أن ينسب هذا الولد للوالدين مع أنه جاء من خلية أحدهما؟ وكيف يمكن أن يتم منع التلاعب بالأجنة؟ وما نسبة نجاح عملية الاستنساخ في البشر؟.

ويلمح الشيخ سالم إلى أن ما يؤيد رفض إصدار أي فتاوى في أمر اللجوء للاستنساخ في حالة فشل الزوجين في الإنجاب بكل الطرق هو أن إمكانية الاستنساخ ما زالت محل التجربة وبها عيوب كثيرة، كما أنه لم يتم حتى الآن الوقوف على بحث علمي يؤكد نجاح هذه العلمية مائة في المائة.

ويوضح أن الاستنساخ يجعل عمر الجنين من عمر صاحب الخلية التي تم استنساخه منها، وهو ما رأيناه في النعجة "دوللي" التي ماتت لأن عمرها كان من عمر أمها، وبالتالي فليس من الجائز أن نحكم على أطفال يولدون صغارا وأعمارهم كبيرة.

ممنوع درءا للمفسدة

الدكتور عبد الرحمن العدوي -عضو مجمع البحوث الإسلامية- يوضح أن الأبناء هبة الله تعالى للزوجين، وذلك لقول الله تعالى: "يَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ". أما إذا حدث أن الرجل والمرأة كان عندهما ما يمنع من الإنجاب أو أن الله تعالى لم يرد لهما أن ينجبا فإن هذه الحالة تسمى حالة "العقم".

ويشرح أن حالة العقم هي حالة مرضية ليست حالة طبيعية توجد لدى سائر المتزوجين، ولما كانت هذه الحالة تعتبر من الحالات المرضية فإنه لا مانع في أن يلجأ كل من الزوج والزوجة لعلاج هذه الحالة بالوسائل الطبية المختلفة، حتى إن استدعى الأمر أن تجرى عملية جراحية لأي منهما لإزالة العوائق التي تمنع من تخصيب بويضة الزوجة بماء الرجل.

أما الاستنساخ فيؤكد الدكتور عبد الرحمن على أنه عملية لا علاقة لها بالزواج، ولا دخل لها بالإنجاب أصلا بين الزوجين لأنها لا تحتاج إلى ذكر وأنثى، حيث تقوم على الاستعانة بخلايا فرد واحد، ويمكن أن يكون أنثى بلا زوج، فيؤخذ جزء من خليتها ويوضع في أنبوب، ويتكاثر وينمو حتى يتخلق منه المستنسخ، وهذا هو ما تم مع النعجة "دوللي"؛ لذا فهي مسألة مرفوضة لأنها تؤدي بالتجارب إلى إنسان مشوه غير مكتمل ويتكرر هذا التشويه بأعداد كبيرة، وذلك فيه من المفاسد ما يفوق أي مصلحة محتملة في هذه العملية؛ ولذلك فالاستنساخ في الإنسان ممنوع شرعا درءا للمفسدة، وقد أخذ بهذا الاتجاه كثير من الدول المتقدمة ووضعوا له من القوانين ما يمنع إجراء هذه التجارب على الإنسان، وعللوا ذلك بأن هذه العملية إهدار لكرامة الإنسان وجعله عرضة للتجارب التي يفشل أكثرها.

كما يرفض الدكتور محمد علي الجوزو -مفتي جبل لبنان- القول بجواز اللجوء للاستنساخ لإيجاد أبناء في حالة عقم الزوجين، ويقول: "نحن ضد الاستنساخ على إطلاقه، ولا يمكن أن نوافق عليه لا من أجل إنجاب ولا من أجل غيره، والسبب أنه جريمة في حد ذاته من وجهة نظر الشريعة ومن وجهة نظر الأخلاق".

ويضيف حتى لو افترض أنه تم التوصل علميا إلى استنساخ لإنسان كامل بلا أخطاء فسيولوجية، فإنه أيضا لا يمكن القول بجوازه؛ لأنه نوع من التدخل في خلق الله، والقاعدة الشرعية أن الإثم لا يتدبل أو يتغير.

عبث بشري مرفوض

بينما يطرح الدكتور عبد الحي عزب -أستاذ الفقه بجامعة الأزهر الشريف- أحد المختصين في المسائل الفقهية في العلوم الطبية المستحدثة، رؤية متوازنة في عملية لجوء الزوجين العقيمين إلى الاستنساخ، ويوضح أن الله تعالى جعل الزواج محققا للسكن والمودة والرحمة، ومع ذلك فإن له مقاصد عظمى أخرى أهمها تحقيق النسل.

ويشير إلى أنه إذا تعذر الحصول على الإنجاب بالطريق الطبيعي فإن الإسلام لا يقف عائقا أمام الحصول على هذا المقصد عن طريق ما توصل إليه العلم من تقدم في هذا الميدان وبضوابط شرعية؛ فلا مانع شرعا من اللجوء إلى ما يسمى بالتلقيح الصناعي الداخلي "بحقن البويضة بمني الرجل داخل الرحم"، أو بالتلقيح الصناعي الخارجي "كتلقيح البويضة بمني الرجل خارج الرحم ثم إعادة زرعها"، فهذا جائز شرعا بضوابط، أهمها التأكد من كونه بين الزوجين وحصوله على أيدي أهل خبرة ثقات، وتعذر الحمل بالطريق العادي. فإذا كان غير ذلك فلا يجوز.

ويضيف قائلا: "أما ما يشاع من علميات استنساخ بطرقها المختلفة فإن كان المقصود هو التلقيح أو الحصول على البويضة الملقحة من الرجل والمرأة فهذا جائز، أما أن نستنسخ عن طريق خلية من خلايا الرجل، أو خلية من خلايا المرأة، والوصول إلى النسل المطلوب فأرى أن هذا غير جائز شرعا؛ لأن هذا تلاعب بخلق الله؛ حيث إن المعد للنتاج البشري هو البويضة من المرأة والحيوان المنوي من الرجل".

التحكم في نوع الجنين

ويوضح الدكتور عبد الحي: "إذا كان الاستنساخ عن طريق الحصول البيولوجي على الخلية المحققة للصبغيات من المرأة التي يرمز إليها "xx" وكذلك الحصول على الصبغيات للحيوان المنوي من الرجل الذي يرمز إليها بالرمز "xy" للحصول على الذكر، أو الـ"XX" للحصول على الأنثى فهذا لا مانع منه شرعا ما دام في نطاق البويضة من المرأة ونطاق الحيوان المنوي من الرجل، وهذا ما يسمى باختيار نوع المولود؛ فالشرع لا يمنع ذلك ما دامت المصلحة محقة والمنفعة مرجوة".

ويستطرد قائلا: "أما الطرق الأخرى من الاستنساخ والتلاعب في صفات الجنين الوراثية وغير هذا من الطرق العلمية تحت مسمى استنساخ نوع معين؛ فهذا تلاعب في النوع البشري وله من الويلات والمصائب التي ستكتشف بعد ذلك، والعلم نفسه هو الذي سوف ينبه عنها إن عاجلا أو آجلا، وما جاء الشرع الحكيم إلا للحفاظ على بقاء النوع البشري كما خلقه الله وكما أراد توزيعه في الكرة الأرضية".


صحفي مصري

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم