English

 

الاثنين. يناير. 15, 2007

شرعي » فتاوى الناس » قضايا علمية وصحية

 

"سالي وأخواتها" في الفقه الإسلامي

آية فاروق

Image

"سالي عبد الله" أشهر امرأة في مصر -أو بالأصح أشهر رجل تحول إلى امرأة- عادت قضيتها من جديد، بعد حصول الطالبة على حكم قضائي بإعادة قيدها بكلية الطب بنات وإصرار الجامعة على عدم قبولها، حيث كانت الجامعة قد اتخذت قرارًا بفصله أيام كان رجلا (سيد) من كلية الطب بنين بجامعة الأزهر،على خلفية التحول الجنسي والذي تم في الثمانينيات من القرن الماضي.

وخروج هذه القضية بهذا الإطار إلى الساحة مرة أخرى يثير مجموعة من الأسئلة، خاصة بعد انتشار عمليات التحول الجنسي ولو على نطاق ضيق، فمثلا:

ما طبيعة التعامل مع المتحول جنسيا في الأحكام الشرعية كالميراث، والزواج، والشهادة، وغيرها؟ وهل يسمح له بالاختلاط ببني جنسه الجديد رجالا كانوا أو نساء في التعليم أو الصلاة؟ ثم ماذا عن الخنثى الذي يحمل كلا الصفتين؟ وهل تسري عليه أحكام خاصة هو الآخر في الزواج والميراث وغيرها؟ وماذا لو تزوج دون إخبار الطرف الآخر؟!! وقبل ذلك: أيجوز له إجراء جراحة التحول من الأساس؟ وماذا عن الحكم الشرعي للطبيب الذي يجريها؟ وما ضوابطها؟...الخ

أسئلة كثيرة لابد من معرفة الإجابة الشرعية عنها، حتى يكون المجتمع قادرًا على مواجهة تبعاتها في هذا الزمان الذي لابد أن نتوقع فيه دومًا أكثر مما نتخيل!!!.

سالي في الجامعة بشرط!

في البداية لابد من معرفة الشرارة التي فجرت هذا الموضوع، وهي موقف الجامعة الأخير من (سالي) وأسبابه.. وفي هذا يؤكد الدكتور عز الدين الصاوي -نائب رئيس جامعة الأزهر لفرع البنات- أنه تم قبول تنفيذ الحكم القضائي الخاص بتمكين الطالبة سالي عبد الله "سيد سابقا" من الدراسة بكلية طب البنات بالقاهرة، ولكن تم تحويل الطالبة إلى مجلس تأديب نظرا لسلوكها المشين الذي يمس سمعة طالبات الجامعة، وليس لتحولها من ذكر إلى أنثى.

وأشار إلى أن الجامعة من حقها الاستئناف في الحكم القضائي الصادر لصالح الطالبة لأن الإدارة تسعى للحفاظ على سمعة الجامعة فى الداخل والخارج، وإلا فكيف لطالبة مثلها بعد إجراء عملية التحول تلك أن تعمل بمهنة راقصة؟!!، وهو الأمر الذي لا يتفق على الإطلاق والدراسة فى جامعة الأزهر قلعة العلوم الإسلامية فى العالم والتي تعلم أبناءها السلوكيات الإسلامية الشرعية وتدعوهم إلى أن يكونوا قدوة للآخرين.

ويؤكد على صحة موقف الجامعة الشرعي الدكتور محمد الدسوقي -أستاذ الفقه بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة- قائلا: مادامت عملية التحول الجنسي قد تمت للذكر وأصبح أنثى فلا مانع شرعا من أن تأخذ هذه المرأة حقوقها كاملة وبشكل طبيعي وأن يتم التعامل معها حسب جنسها الجديد بلا أية محاذير، حيث يصبح من حقها الدراسة فى كليات البنات دون مانع شرعي يذكر، وليس من حق الجامعة رفضها إلا إذا كان هناك سبب آخر سوى مسألة التحول.

وأضاف: وحيث إن جامعة الأزهر لها تقاليدها الخاصة فنجد لإدارتها وجهة نظر فى هذا الأمر ولكن ربما لا ينفي هذا حق الطالبة -والتي أصبحت بعد إجراء هذه العملية أنثى ينطبق عليها ما ينطبق على أي أنثى أخرى- في التعليم، ودراستها لا يشوبها مانع شرعي مادامت ملتزمة بزيها الإسلامي، وأزمة هذه الطالبة تكمن فى سلوكها والذي إن أعلنت توبتها النصوح عنه فربما لا تواجهها مشكلة.

ثم يضيف: إن من يتعرض لمثل هذه الحالات من المفروض أن يعامل بنوع من الشفقة لا التعنت حيث خلقه الله على هذه الصورة وما لبث أن اتخذ السبل العلاجية المعروفة، فله كل حقوق الجنس المتحول إليه سواء في التعليم أو الميراث أو الزواج أو الصلاة...الخ

إنكار وجود الخنثى جهل

هذا هو موقف الجامعة من سالي، فماذا عن أخواتها وإخوانها الآخرين، الذين يعانون من نفس ما تعاني منه، ولو بأشكال أخرى.

في البداية قد يتصور البعض عدم وجود الخنثى، مستندًا إلى أنه لم يرد له ذكر فى القرآن أو السنة ويؤكد أن هؤلاء -المخنثين- مدعون وأن الله تعالى لم يخلق إلا الذكر والأنثى فقط.

الدكتور منيع عبد الحليم محمود -أستاذ التفسير والعميد السابق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر- يؤكد على خطأ هذا التصور قائلا: رغم أنه لم يرد فى القرآن ولا فى المرفوع من السنة الصحيحة ذكر للخنثى فإنه ورد ذكره فى بعض الآثار حيث جاء فى سنن البيهقي عن الحسن بن كثير أنه سمع أباه قال: شهدت عليا -رضي الله عنه- فى خنثى فقال: "انظروا مسيل بوله فورثوه منه"، وفى رواية فقال علي -رضي الله عنه: "إن بال من مجرى الذكر فهو غلام وإن بال من مجرى الأنثى فهو أنثى".

هذا وقال القرطبي فى تفسيره: "إن الله تعالى خلق أغلب البشر إما ذكرا وإما أنثى، وقد يحدث أن يجمع الله تعالى فى إنسان واحد صفتي الأنوثة والذكورة بأن يكون له فرج رجل وقبل امرأة وهذا ما يعرف بالخنثى المشكل عند الفقهاء".

وقال أيضا نقلا عن ابن العربي: "وقد أنكر قوم من رؤوس العوام وجود الخنثى لأن الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى.. قلنا: هذا جهل بالغ وغباوة عن مقطع الفصاحة وقصر عن معرفة سعة قدرة الله فإنه واسع عليم، وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى لأنه تعالى قال "لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء".

المخنثون ملعونون

وقبل أن ندخل في أحكام الخنثى يجب أن يكون معلومًا أن هناك بونًا شاسعًا بين الخنثى والمخنث، فالدكتور عبد الله عبد العليم الصبان -الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر- يؤكد على ذلك، مشيرا إلى أن المخنثين يتشبهون طوعا بالنساء فى كلامهم وملبسهم دون وجود أي تشابه عضوي، فهم مكتملو الذكورة.

وهؤلاء ملعونون على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما رواه أحمد وأصحاب السنن عن ابن عباس قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء" فلا يجوز للمسلم التعامل مع هذا النوع من الناس ويجب نبذهم فى المجتمع، وليست لهم أية أحكام فقهية مختلفة، فيعاملون معاملة الجنس الذي ينتمون إليه.

الخنثى نوعان

وقبل أن نتعرف على الرأي الفقهي لمعنى الخنثى وأحكامه الشرعية نتوقف قليلا أمام الرأي الطبي؛ حيث يؤكد الدكتور أحمد عبد الرحيم الأستاذ بطب قصر العيني: أن الخنثى المشكل هو من كان فيه علامتا الذكور والإناث من غير تمييز، أو لا يكون فيه علامة أحدهما، وهناك نوعان من حالات الخنثى:

1- خنثى حقيقي وهو النوع الذي تكون الأعضاء التناسلية الأنثوية والذكورية موجودة فيه وهو نادر.

2- وخنثى غير حقيقي وهذا النوع أكثر انتشارا، وفي هذا النوع تكون الصورة متفاوتة بين شخص وآخر، حيث تكون الأعضاء التناسلية الخارجية غير كاملة (يصعب معها تحديد جنس الطفل).

ويرى د.أحمد أن العلاج يعتمد على تحديد الأعضاء الجنسية خاصة الخارجية وإمكان تأدية وظيفتها وإجراء عملية جراحية بإشراف أطباء في الغدد والجراحة والوراثة.

وهذا العلاج يكون للحالة الثانية فقط، ومن خلال الشكل الظاهري وتحاليل التكوين الصبغي، ويقوم الأطباء بهذه التحاليل ليقوموا بعد ذلك بإصلاح الجهاز التناسلي ليكون أقرب إلى الحالة الطبيعية التي تتوافق مع التكامل العضوي، وإذا تعذَّر إصلاح الجهاز التناسلي، فقد رأى الأطباء حينئذ أن يعتمدوا على الشكل الظاهري والميل الشخصي، أما المخنث فيؤكد د.أحمد أنه ليس إلا حالة نفسية لا دخل للتشريح التناسلي بها.

التحول الجنسي

إذن فما حكم تحويل الخنثى إلى ذكر أو أنثى؟.. يشير الدكتور نصر فريد واصل -مفتى الديار المصرية الأسبق- أنه في حالة تغلب أحد الجانين على الآخر من الناحية التشريحية أو التحليلية والبحثية فإنه يجب الوقوف عندها شرعا فى العمليات الجراحية الطبية، سواء أكان الشخص صغيرا أو كبيرا لأنه فى حالة الصغر يراعى مصلحة الصغير دائما وفى حالة الكبر يجب الوقوف على ما خلق الله تعالى وقدر للإنسان من حيث الجنس والنوع بما يحقق الاستخلاف الشرعي الكامل للإنسان فى هذه الحياة كما أمر الله وأراد.

ويشدد د.واصل على أن الخروج على ذلك يعد خروجا على منهج الله وشرعه. أما إذا استوى الأمران -تحويله إلى الأنوثة أو إلى الذكورة- فيراعى مصلحة الصغير إن كان فى حالة الصغر ورغبة الأهل فى ذلك، وإن كان بعد سن البلوغ فيراعى جانب الشخص نفسه ومصلحته فى ذلك لأن الحق حقه فى جميع الأحوال مع مراعاة السلامة وارتكاب أخف الضررين.

ويؤكد في الوقت ذاته على أن الخنثى الذي تبين حاله لا يجوز إجراء عملية تحويل له؛ لأنه إما ذكر فلا يجوز له أن يتحول إلى أنثى، وإما أنثى فلا يجوز لها أن تتحول إلى ذكر، ولكن يجوز لهذا الشخص أن يجري عملية لإزالة المظاهر التي هي من الجنس الذي لا ينتمي إليه.

ولا يجوز إجراء جراحة أيضا لمن يكون مكتمل الذكورة ويرغب فقط فى التحول إلى الجنس الآخر (المخنثون). وعليه فإن حكم الطبيب الذي يجري العملية التي يجوز فيها التحول أنه ليس عليه حرمة شرعية فى شيء، بينما في الحالات التي لا يجوز فيها التحول يكون إجراؤه للعملية حراما شرعا.

فاقد الأهلية

هذا ما يؤكده الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر؛ حيث يرى أن الخنثى المشكل -والذي من الصعب إجراء جراحة له- لا تتوافر فيه الأهلية للزواج والعقد عليه، فلا هو بذكر كامل الذكورة ولا بأنثى كاملة الأنوثة، فى حين أن الزواج من الأمور التي يعد تحديد النوع فيها بدقة أمرا ضروريا وحتميا، وأن العقد على الخنثى بأي من النوعين -سواء ذكرا أو أنثى- يعد باطلا لفقد هذا الشخص للأهلية الكاملة للزواج.

أما إذا تحدد نوعه من حيث كونه ذكرا أو أنثى وأمكن ذلك، أصبح بناء على ذلك من حقه أو حقها الزواج حسب النوع بعد التحقق الكامل منه، والاستعانة فى هذا الأمر بأطباء ثقات، لأن هذه الأمور غاية فى التعقيد والصعوبة وتبنى عليها أحكام عديدة.

وأضاف: اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يصح نكاح الخنثى المشكل من الجهتين، فلا يطأ ولا يوطأ حتى يتبين أمره، بل وزادت الشافعية أنه لا يصح العقد عليه وإن بانت أنوثته مادام مشكلا لأنه يعامل بالأحوط حفظا من الفتنة.

تفريق واجب

لكن: ماذا إذا تزوج الخنثى ولم يخبر الطرف الآخر؟.. يقول الدكتور محمد الشحات الجندي -أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق/ جامعة حلوان بمصر، وعضو مجمع البحوث الإسلامية-: إن الزوجة من حقها التطليق الفوري فى حالة اكتشاف كون زوجها من هذا الجنس، والتفريق بينها وبينه ما لم يكن يرجى شفاؤه، حيث يحول ذلك الأمر دون التناسل وإنجاب الذرية، كما يجوز للزوج تطليق زوجته إن كانت كذلك حيث يستعين القاضي فى هذه الأمور برأي الأطباء المسلمين الثقات.

وأشار إلى أن القاعدة العامة التي عليها جمهور العلماء هي معاملة الخنثى بالأحوط، ففي العقيقة مثلا عقب مولده يعامل مثل الذكر، ويعامل عند الرجال على كونه أنثى، وعند النساء على كونه رجلا، فلا يجوز أن يخلو به رجل أجنبي عنه، ولا أن تخلو به امرأة أجنبية عنه، وكذا لا يجوز كشف عورته أمام الرجال الأجانب عنه، ولا أمام النساء الأجنبيات عنه وذلك لاحتمال كونه مختلفا في الحالتين عنهما.

ضوابط الميراث

وعن ضوابط الميراث في تلك الحالة أوضح الدكتور سعيد أبو الفتوح -أستاذ الشريعة بكلية الحقوق/ جامعة عين شمس بمصر- أن العلماء على أن الخنثى يورث حسب ما يظهر عليه من علامات مميزة؛ فمثلا إن بال من حيث يبول الرجال ورث مثل ميراث الرجل، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة.

ونقل الإجماع على هذا ابن المنذر وغيره، أما إذا لم يظهر حاله فهو خنثى مشكل. وله حالتان: أولا: أن يرجى اتضاح حاله من ذكورة أو أنوثة، وفى هذه الحالة يوقف أمره وينتظر اتضاحه إن أمكن، فإن لم يمكن الانتظار قسم الميراث وروعي الاحتياط.

وأوضح أنه في حالة عدم اتضاح حال الخنثى وبقائه مشكلا فميراثه إن كان واحدا على تقدير ذكورته أو أنوثته أعطي حقه كاملا وكذلك من كان معه من الورثة. أما إن كان إرثه يختلف باختلاف تقديره فاختلف العلماء في توريثه، فالحنفية يرون أن يعامل هو بأقل النصيبين وحده دون من معه من الورثة.

أما الشافعية فيرون أن يعامل الخنثى ومن معه بأقل النصيبين سواء أكان يرجى اتضاحه أم لا، بينما نجد المالكية يرون أن يعطى الخنثى المشكل نصف نصيبي ذكر وأنثى إن ورث بهما متفاضلا، وإن ورث بأحدهما فقط فله نصف نصيبه سواء أكان يرجى اتضاحه أم لا. وعلى هذا القول يعامل الخنثى وحده بأقل النصيبين ولا يوقف شيء من التركة بل تقسم قسمة نهائية.

أما رأى الحنابلة ففيه تفصيل فإن كان يرجى اتضاحه عومل هو ومن معه باليقين، ويوقف الباقي من التركة إلى حين تميز حاله، فتعمل المسألة على أنه ذكر ثم تعمل على أنه أنثى، ويدفع للخنثى ولكل وارث أقل النصيبين، ويوقف الباقي إلى حين يميز.

أما إن كان لا يرجى اتضاح حاله بأن مات قبل بلوغه أو بلغ مشكلا فلم تظهر فيه علامته -فكما قال المالكية- ورث نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى إن ورث بهما متفاضلا، وإن ورث بكونه ذكر أعطي نصف ميراث ذكر؛ وسبب ذلك مراعاة الاحتياط فى الحالتين.

لكن المخنث -وليس الخنثى- يعامل معاملة جنسه الأصلي، حيث لا لبس فيه.


  صحفية مصرية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم