English

 

الخميس. يناير. 18, 2007

شرعي » فتاوى الناس » قضايا علمية وصحية

 

بقاء زوجة مريض الإيدز معه.. وفاء أم انتحار؟!

حسام قليعي

Image

كشفت تقارير أممية حديثة عن تفاقم حالات الإصابة بالإيدز في عدد كبير من الدول العربية في السنوات الأخيرة، وقدرت متوسط عدد الإصابات الجديدة بفيروس الإيدز في المنطقة العربية خلال العام 2005 بما يزيد على 67 ألف حالة، كما وصل في بعض التقديرات الأخرى إلى ما يقرب من 200 ألف إصابة بما يضع المنطقة العربية في المرتبة الثانية فقط من حيث الارتفاع في معدل الإصابات الجديدة بعد أوروبا الشرقية.

وبعيدا عن إحصائيات المرض فإن هناك مجموعة من الأسئلة الشرعية تثيرها حالة مريض الإيدز، لعل أهمها ما يتعلق بوضعية زوجة المريض خاصة بعد أن أظهرت استطلاعات كثيرة أن ما يقارب الـ 85% من زوجات مرضى الإيدز يفضلن البقاء مع أزواجهن المرضى حتى لو كان الثمن حياتهن، وهو ما يثير جدلا بين علماء الدين حول شرعية هذا الأمر وهل يعد ذلك وفاءً أم انتحارًا؟.

حقيقة المرض

بداية وحتى تتضح الصورة في الذهن لا بد من معرفة حقيقة هذا المرض وطرق انتقاله، وفي هذا يوضح الدكتور عبد الهادي مصباح _أستاذ أمراض المناعة بجامعة تمبل الأمريكية_ الجوانب العلمية للقضية قائلا:

إن مشكلة فيروس الإيدز تكمن في أن هذا الفيروس له القدرة على تغيير تركيبة "شفرته الوراثية" مما يمكنه من الهروب من وسائل الجسم الدفاعية.. كذلك فإن اختباءه داخل الخلايا وعدم تواجده في الدم إلا بنسبة قليلة جدًّا يجعل من الصعب على الأجسام المضادة مهاجمته وبالنسبة لاحتمالات إصابة المخالطين للمريض فإن العدوى تنتقل بالطرق الآتية:

1- ممارسة الجنس: وتشكل هذه الطريقة حوالي 90 % من حالات عدوى الإيدز، وينتقل عن طريق ممارسة الجنس بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين على حد سواء.

2- العدوى عن طريق الدم الملوث أو أحد مشتقاته: بالتالي المحاقن الملوثة بدم شخص مصاب لا سيما عند متعاطي المخدرات الوريدية، والأدوات الحادة التي تخترق الجلد كأدوات الوشم والختان وثقب الآذان وشفرات الحلاقة، وفرش الأسنان.

3- من الأم المصابة إلى الجنين: تحدث العدوى فيما حول الولادة أو بعدها، ويقدر خطر انتقال الفيروس من الأم الحاملة للعدوى إلى جنينها بين 25 إلى 45 %.

وهكذا فإن زوجة مريض الإيدز التي تصر وفاءً منها على البقاء مع زوجها عليها أن تدرك كل هذه الأمور حتى تتجنب الإصابة بالعدوى، وفى نفس الوقت على الدول العربية تخصيص مراكز متخصصة طبيا تأخذ على عاتقها تدريب المخالطين لمريض الإيدز على كيفية التعامل معه بصورة إنسانية وكيفية حماية أنفسهم من الإصابة بالمرض حتى نصنع مجتمعا قادرا على الصمود في وجه هذا المرض الشرس.

مرفوضة اجتماعيا

وعلى المستوى الاجتماعي وحتى يتم تقييم الصورة بشكل جيد تؤكد الدكتورة إنشاد عز الدين أستاذة علم الاجتماع بجامعة المنوفية، أن بقاء زوجة مريض الإيدز معه ظاهرة مرفوضة اجتماعيا بكل المقاييس العلمية والدينية، فالوفاء في حالة زوجة مريض الإيدز يكون بعدم تركه بصورة منفرة، حتى لا تسهم في زيادة حدة توتره النفسي عنده.

وتعلل ذلك بأن وجودها مع زوج مريض بمرض معد وخطير أمر من الممكن أن يسهم في نشر المرض خاصة أن مرض الإيدز ينتشر بالاتصال الجنسي، واحتمالات الضعف البشري ستكون موجودة وبقوة في حال استمرت الزوجة في الإقامة مع زوجها المريض.

وأوضحت أن المجتمع سيتفهم دون شك دوافع المرأة المسلمة في حال طلبت الانفصال، وإذا كانت تريد البرهنة على وفائها لزوجها فإنها تستطيع في هذه الحالة التواصل معه بعيدا عن الاختلاء به، وتستطيع أن تبث فيه الأمل وتشجعه نفسيا.. أما أكثر من ذلك كالاستمرار في الإقامة معه تحت سقف واحد فهذا لا يعني إلا أنها تنوي الانتحار..

ليس هذا فحسب بل إن صحبتها له قد تؤدي إلى مخاطر اجتماعية جمة خاصة إذا كان هناك أبناء أصحاء بينهما، فقد تنقل الأم المرض للأبناء، خاصة الرضع، فإذا كانت الزوجة وفية فعلا وتحب زوجها وأبناءها فعليها أن تدرك خطورة الإقامة مع زوج مريض بمثل هذا المرض تحت سقف واحد.

لذلك تؤكد د. إنشاد رؤيتها قائلة: "أرى أن زوجة مريض الإيدز يجب أن تدرك أنها مسيرة في أمر الانفصال عن زوجها المريض وليست مخيرة، فالمصلحة العامة تقتضي الانفصال.

أما عن الزوج المريض فتؤكد د. إنشاد أنه مطالب أخلاقيا بألا يكون أنانيا.. فحتى في حالة إصرار الزوجة على الإقامة معه عليه أن يرفض وبإصرار ذلك العرض؛ لأن الزوجة إنما تفعل ذلك بدافع عاطفتها التي تسيطر عليها، أما هو فعليه أن ينظر للأمر من الناحية العقلانية البحتة التي تؤكد خطورة مخالطته لزوجته والخطر الذي يشكله ذلك ليس على أسرته هو فحسب بل على المجتمع الذى يعيش فيه كله.

ومن ناحية أخرى ترى د. إنشاد أن المجتمعات الإسلامية عليها إيجاد آلية مقبولة لرعاية وحماية مرضى الإيدز وأسرهم اجتماعيا ودينيا.

الزوجة صاحبة القرار

الدكتور محمد المختار المهدي الرئيس العام للجمعيات الشرعية وعضو مجمع البحوث الإسلامية يرى أن الزوجة وحدها هي صاحبة القرار في القضية، وفي نفس الوقت فإنه يجب عقاب مريض الإيدز الذي انحرف في سلوكياته وارتكب الكبائر من زنا وشذوذ وخلافه حتى انتقل إليه المرض بألا تبقى معه زوجته.

ويؤكد د. المهدي أن بقاء زوجته معه يعد إضرارا بها، والقاعدة الشرعية قررها الله تعالى في قوله {ولا تزر وازرة وزر أخرى}.

لذلك يرى د. المهدي أن القضية تظل محصورة في قدرة ورغبة الزوجة بشرط ألا يؤدي ذلك إلى ضررها أو بقائها رغما عنها، فلها الحق في الطلاق للضرر إذا لم تستطع الصبر والتحمل.

هناك فرق

في حين حددت الدكتورة سعاد صالح العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر ضوابط القضية قائلة: يجب أن نفرق بين نوعين من مرضى الإيدز:

مريض أصيب نتيجة انحرافات أخلاقية وسلوكيات يرفضها الشرع، فهذا لا يستحق الوفاء، بل يجب على زوجته أن تطلق منه عقابا على انحرافه وحماية لنفسها من انتقال المرض إليها في حالة الاتصال الجنسي، الذي يلزمها الشرع به ما دامت على ذمته.

أما الثاني فهو مريض ضحية أصيب نتيجة نقل دم ملوث بالفيروس، وهذا تؤكد د.سعاد أنه يستحق الوفاء إذا كانت الزوجة تستطيع الصبر وعدم معاشرته، أما إذا طلبت الطلاق لعدم صبرها فلا تكون آثمة، إذا كان في هذا تأمينا لها ولأولادها، وإعفافا وتحصينا لأنوثتها، وبالتالي فإن الأمر متروك لها حسب ظروفها وما تقرره بنفسها وتتحمل تبعاته.

ونؤكد أن الزوجة الصابرة القادرة على حماية نفسها من المرض ثوابها عظيم لقوله تعالى {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله}، وقوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم {الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة}.

فكل من الزوجين يجب أن يكون سترا للآخر وخاصة إذا كان الزوج ضحية للمرض ويضحي من أجله، لأن الله هو الذي وصف علاقة الأزواج بالزوجات {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}، والقاعدة الشرعية "الضرر الأخف يتحمل لدفع الضرر الأشد"، وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار".

انتحار مرفوض

الشيخ منصور الرفاعي عبيد الوكيل السابق لوزارة الأوقاف لشئون الدعوة يرى عكس ما تقوله د. سعاد، حيث يقرر أن سبب انتقال المرض للزوج لا دخل له بموقف الزوجة فسواء كان الزوج مصابا بالمرض نتيجة معصية أو نتيجة نقل دم ملوث، فإن ترك الزوجة له وطلاقها منه إجراء وقائي يجب حدوثه، وليس في هذا نوع من عدم الوفاء أو الجحود من جانبها.

لذلك يؤكد الشيخ منصور أن طلب الطلاق هو الحل المثالي هنا لحماية الزوجة، خشية وقوع أي معاشرة جنسية تؤدي إلى نقل المرض لها، وإذا حدث حمل فإنها سوف تنجب أطفالا مصابين بالفيروس، وهو ما يهدد الأمن الوقائي الإسلامي.

وما دام بقاء الزوجة مع زوجها المريض سيؤدي إلى تزايد الخطر فإن الشرع يؤكد أن هذا يعد بمثابة انتحار، وهو ما يرفضه الإسلام لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وتشريعات الإسلام تعمل على حماية الضرورات الخمس ومنها الحفاظ على النفس.

ومن الأفضل أن يقيم المريض في مستشفى لعلاجه قدر الاستطاعة وحماية الآخرين من انتقال المرض إليهم، وخاصة الزوجة باعتبارها الأكثر اختلاطا به.

حماية الأسرة

أما الدكتور أحمد عبد الرحمن أستاذ الأخلاق الإسلامية فهو يؤكد أن الشريعة الإسلامية صريحة في هذا الأمر فهي مع الانفصال حماية للزوجة ولبقية أفراد الأسرة وحماية للمجتمع الإسلامي.

فالإسلام يلزم الزوجين بالانفصال في حالة إصابة أحدهما بأي مرض خطير كالإيدز أو السل، والحكمة الشرعية في ذلك أنه وبدلا من أن يكون الأبناء يتامى الأب والأم يكونون يتامى الأب فقط، أو يتامى الأم فقط..

فما دام المرض معديا وما زالت البشرية عاجزة عن إيجاد الدواء الشافي له، فإن الانفصال بين الزوجة السليمة والزوج المريض يصبح ضرورة شرعية أكدت عليها كل المذاهب الفقهية.

ولكن الحقيقة التي يجب أن ندركها -كما يضيف د. أحمد- أن هناك عوامل عديدة تتدخل في اتخاذ المرأة لمثل هذا القرار، خاصة في المجتمعات الإسلامية الفقيرة، فإلى أين تذهب الزوجة الفقيرة خاصة إذا كان لديها أبناء من هذا الزوج المريض؟! وقتها تضطر الزوجة إلى البقاء مع الزوجة بكل ما يشكله هذا من إخطار على المجتمع المسلم.

لذلك يشدد د. أحمد على ضرورة إيجاد حل للنساء الفقيرات اللاتي يتعرضن لمثل هذه المحنة، حتى لا نفاجأ بآلاف المرضى، الذين لم يفعلوا شيئا اللهم إلا اضطرارهم للحياة بصحبة أب أو أم مرضى بالإيدز أو غيره من الأمراض.

أحكام الله

من ناحيتها تؤكد الدكتورة ملكة يوسف أستاذة الفقه والقانون بجامعة القاهرة أن الرؤية الفقهية لزوجة مريض الإيدز تشبه إلى حد بعيد الرؤية الفقهية لزوجة مريض السل أو الجذام وهناك رأيان شرعيان في هذه المسألة:

الأول: يمنع المرأة من ترك زوجها مع منعه من مباشرتها جنسيا حتى لا يصيبها المرض.

الثاني: وهو الرأي الغالب لدى الشافعية والحنابلة، حيث يرون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يفرق بين الزوج وزوجته في حالة إصابة الزوج بالبرص أو الجذام، سواء كان المرض قبل الزواج أو بعده، ولكن لو علمت الزوجة بأمر هذا المرض ورضيت به مع خطورته واحتمال انتقال العدوى، فلها الحق في الاحتفاظ بزوجها عسى أن يمن الله عليه بالشفاء.

وتضيف: أن المرأة الوفية هي التي تصر على البقاء مع زوجها المريض، وترى أنها مثلما رافقته في السراء فيجب عليها أن ترافقه في الضراء، وهي في هذا تحتكم للوفاء والطاعة والإخلاص، وهي أمور حض عليها الإسلام.

وزوجة مريض الإيدز تستطيع وبكل سهولة أن تمسك نفسها لو كانت قوية الإيمان وتكون وقتها الطبيبة والمداوية وليس الأمر ببعيد أن يمن الله على الزوج بالشفاء.

وعلى الرجل المسلم الذي يكتشف إصابته بمرض الإيدز أن يتبع الآية الكريمة {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}، وعليه أن يعمل على حماية أسرته ولو أدى ذلك إلى عزل نفسه وليجاهد نفسه لمنع انتشار المرض وتدمير المجتمع المسلم.


  صحفي مصري

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم