|
تناولت وسائل الإعلام ما قامت به المقاومة الإسلامية بفلسطين من أسر جندي إسرائيلي، وما تبعه من أسر جنديين إسرائيليين من قبل حزب الله على أنها عملية خطف، وظهرت إشكالية شرعية من جواز مدى هذا الفعل، وهل يجب أن يقتصر الأسر على العسكريين، ولو في دولة احتلال كإسرائيل، وهل يمكن اعتماد نتائج الأسر في مسار الفتوى أم لا؟
حرب مصطلحات
الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ النظرية السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة يحذر بداية من الانجرار وراء حرب المصطلحات، فما حدث من فعل المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية هو أسر وليس اختطافا، مرجعا ذلك لحالة الحرب مع المحتل الإسرائيلي.
بينما يرى الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة بكلية الحقوق جامعة عين شمس أنه لا يهم التفرقة بين المصطلحين، المهم هو تكييف المسألة من الناحية الشرعية، وبيان الحكم الشرعي فيها.
إسرائيل بين العسكرة والمدنية
وفي طبيعة المجتمع الإسرائيلي يذهب المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة والفقيه القانوني إلى أنه لا يصح الاعتراف بأن هناك مجتمعا إسرائيليا؛ لأن المقاومة الفلسطينية لا تعترف أصلاً بالحدود الفاصلة وإسرائيل بدورها لا تعترف بأي حدود للدولة الفلسطينية.
ويرى البشري أنه ليس من الحكمة أن نلزم المقاومة الاعتراف بالحدود الإسرائيلية، ولا تلزم إسرائيل بأي شيء.
ويوافق الدكتور سيف الدين عبد الفتاح ما ذهب إليه المستشار البشري، ويرى أنه في إسرائيل لا مجال للتفرقة بين المدنيين والعسكريين، فالكيان الإسرائيلي عبارة عن جيش تحول إلى دولة، فاعتبار البعد التاريخي يجب أن يكون حاضرا في تحليل المسألة، فإسرائيل قامت على يد عصابات إسرائيلية احتلت الأرض في ظل الانتداب البريطاني، ثم تبعتها هجرات يهودية من عدد من الدول، ثم الإعلان عن الدولة العبرية عام 1948م، مع عجز الموقف العربي.
غير أن الدكتور كمال إمام يفرق بين العسكريين والمدنيين، فالجنود الإسرائيليون محاربون ومقاومتهم جزء من الواجب الشرعي والوطني الذي ينبغي على كل فلسطيني القيام به، واختطاف الجنود الإسرائيليين يعتبر من الدفاع المشروع.
أما في حالة المدنيين الإسرائيليين، فيرى الدكتور إمام أن الأصل أنه لا يجوز اختطافهم ولا أسرهم، إلا إذا قام العدو باختطاف مدنيين فلسطينيين، فيجوز ساعتها، وخاصة مع ما يقوم به العدو من تجويع وحصار وتدمير، والمستند الشرعي هنا هو "المعاملة بالمثل"، وهو مبدأ في القانون الدولي تقره الشريعة الإسلامية، فلا مانع من الأخذ به، وخاصة في هذا العصر الذي يتعامل فيه المجتمع الدولي بمعايير مزدوجة.
فكرة الاستئمان في الحرب الحضارية
غير أن الدكتور كمال إمام يعتبر أنه يجب البحث في علة دخول المدنيين الأراضي المحتلة، فليس مجرد تواجده يعد مستأمنا، فمن دخل فلسطين في إطار الاتفاقيات بين الفلسطينيين والطرف الآخر -بغض النظر عن موافقتنا عليها أم لا- فإنهم يكونون في حكم المستأمن، فيخضعوا لعقد الأمان بما يتضمنه من أحكام منها على سبيل المثال صيانة الأموال والأعراض وغير ذلك.
ولكن المستشار البشري يرفض فكرة الاستئمان لأي إسرائيلي في الأراضي المحتلة، ولا سيما في ظل سياسة التجويع والحصار التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي تؤكد رفض فكرة الاستئمان لدولة الاحتلال.
ويذهب الدكتور سيف الدين عبد الفتاح إلى قراءة أبعد، حيث يرى أن ما يحدث هو حرب حضارية، أو ما أسماه بعض الكتاب: الحرب الحضارية العالمية الأولى، وذلك أن الجندي المختطف في فلسطين فرنسي الجنسية، وهو يعمل في الجيش الإسرائيلي، وطالبت فرنسا بالإفراج عنه! ولم يقف الأمر عند حد دولة الاحتلال، مما يعني أن هناك صراعا حضاريا أوسع من الحرب الدائرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين يجب استثماره إعلاميا.
وعلى هذا فأسر الأفراد الإسرائيليين هو نوع من المقاومة، وتجري على الأسرى أحكام الأسر.
ويرفض الدكتور كمال إمام اعتبار كل من اختطف أسيرا، فمن كان جنديا عومل معاملة الأسير، ومن كان مدنيا؛ عومل بالمثل، فينظر في وضع المدنيين من المسلمين لدى العدو فإن كانوا يأخذون حكم الأسير ويعاملون معاملته فإن المختطفين لدى المسلمين يعاملون بالمثل.
بين الأسر والعمليات الاستشهادية
يرى الدكتور كمال إمام أن العمليات الاستشهادية لها أصولها وقواعدها؛ لأن التضحية بالنفس قد تكون انتحاراً أو استشهاداً، ولا شك أن هذه العمليات الاستشهادية لا تستوي في الحكم مع عمليات الاختطاف، فلكل منهما مجاله الذي يحقق فيه المصلحة.
ويرجع الدكتور إمام التقدير إلى القائد الميداني، لتحديد مدى جواز اللجوء إلى العمليات الاستشهادية من عدمه، وهو في سبيل ذلك يطبق قاعدة: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).
ولا شك أن تحرير شبر من الأرض مصلحة، ولكن إذا ترتب عليها مفسدة أكبر كضياع مساحة أكبر من الأرض، فإنه لا يجوز الإقدام على تحقيقها.
وفي مسألة الخيار بين العمليات الاستشهادية أو الاختطاف، يذهب الدكتور كمال إمام إلى أن الأمر يخضع للقائد الميداني الذي يعتبر مجموعة من القواعد والموازنة.
غير أنه يلفت النظر إلى أن مشكلة الفصائل الفلسطينية أنها مختلفة الرؤى منفصلة القيادات.
اختطاف النساء
ويرى الدكتور محمد كمال إمام أنه لا يجوز اختطاف ولا أسر النساء الإسرائيليات إلا المجندات منهن، أو من كانت ذات رأي ومشورة في الحرب واتخاذ القرارات التي تمس المسلمين، بخلاف هذا لا يجوز أسر النساء الإسرائيليات لما تضمنته مبادئ الحرب في الإسلام والتي جاءت في قوله صلى الله عليه وسلم: "ولا تقتلوا امرأة و لا هرما ولا وليدًا".
أما الدكتور سيف الدين عبد الفتاح فينبه إلى أن المسألة لم تحدث، ولكن إن حدثت، فهي لا تعد اعتداء؛ وذلك لأن الاعتداء المثلي لا يسمى اعتداء، بل قصاصا، كما قال تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) [البقرة: 194]، ومبدأ الاعتداء بالمثل من المبادئ الأصيلة في حقوق الإنسان.
الاختطاف الفردي
ومن الضوابط التي يضعها الدكتور محمد كمال إمام هو التحذير من أن يقوم بعملية الاختطاف فرد دون التنسيق مع فصائل المقاومة، حتى لا تتعارض أعمال الخطف مع طبيعة المقاومة وهو ما قد يؤدي إلى أضرار على المقاومة ذاتها. وإلا فلا بد من رأي الإمام أو المنظمة القائمة على المقاومة وذلك بغض النظر عن اعتراف القانون الدولي بهذه المنظمات أم لا؛ لأن الشريعة الإسلامية قيمة على القوانين الوضعية.
وإن كان البعض قد يرد على ما قاله الدكتور إمام من أن الأسر من الجهاد، وهو فرض عين، فيمكن لأي شخص أن يقوم به، فيرى الدكتور إمام أن المسلمين ليسوا دولة واحدة، وأن الجهاد من فروض الكفايات لا الأعيان، ولا يتحول الجهاد إلى فرض عين إلا إذا لم يوجد من يصد عدوان العدو، والجهاد بأصله ليس فرض عين على كل مواطن إلا في حالة عدم قدرة المسلمين على رد العدوان، لأنه يتحول إلى فرض عين على كل المسلمين.
ويرى الدكتور كمال إمام أنه يجب الانتباه إلى المقاصد والمآلات من أي معاملة مع الأسير، حتى لو قتل العدو أسرانا، فإنه يجب دراسة الموقف جيدا، وأنه ليس شرطا أن نطبق المعاملة بالمثل، إلا في حالات الضرورة القصوى والتي تجلب المصلحة أو تدرأ المفسدة؛ لأن المعاملة بالمثل لا تطبق بشكل مطلق، إذ لو اعتدى رجل على امرأة آخر، ما جاز للآخر أن يعتدي على زوجة الأول، وقد امتنع السلطان صلاح الدين الأيوبي عن قتل أسرى الصليبيين بعدما عرف قتل الصليبيين لأسرى المسلمين، وذلك من باب المصالح.
إنارات لا قواطع
ولعل بعد هذه الآراء يمكن لنا القول: إن هذه خطوط عامة من باب التفقيه الشرعي، أما التطبيق وقراءة الواقع فهذا ليس محله فقهاء الدين أو فقهاء السياسة، وإنما مجاله لفقهاء المقاومة، وإنما كلام مشايخنا إنما هو إنارات شرعية حتى ينضبط سلوك المقاومة، لتبقى المسألة متعلقة بفهم النص الشرعي، وفهم الحدث الواقعي.
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
|