|
| الدكتور يوسف القرضاوي |
أمام حشد كبير من الحاضرين الذين جاؤوا من كل حي ودرب ألقى الدكتور الجليل العلامة يوسف القرضاوي -الخميس 21-8-2006- محاضرة بالدار البيضاء تحت عنوان "الأمة في مواجهة التحديات" تحدث في مستهلها عن نعمة الإيمان بالله عز وجل التي وصفها بأنها أعظم من نعمة الخلق والإيجاد نفسها، مؤكدا أن لا معنى لأن تُخلق ثم تضِل الطريق وتضل الغاية.
كما استرسل في الحديث عن موضوع المحاضرة؛ حيث قام فضيلته بعملية تشخيص لمواطن الخلل التي أقعدت الأمة الإسلامية عن الفعل الحضاري المتميز، ونكوصها إلى الخلف مهزومة ومتخلفة ومريضة رغم أنها تمتلك أسباب النهوض.
وعدد بعض مظاهر وتجليات تخلف الأمة التي باتت تقتات على ما يهيئه الآخرون في مطبخ العلوم والصناعات والتقنيات، وواصفا أمة سورة الحديد بأنها لم تتعلم صناعة الحديد، وأمة العمل بالتي لا تعمل، ومنبها في النهاية إلى أن الأمة المتخلفة لا تستطيع محاربة أعدائها.
وخلص فضيلته إلى أنه إذا أردنا أن نصنع الأمة فالمطلوب أن نغيرها بالتغيير الداخلي، معتبرا إياها أنها ليست أنعاما تقاد من آذانها أو من أعناقها، ومشددا على أنها تقاد من ضمائرها ومن عقولها، وتقاد من الداخل لا من الخارج، وتغير من الباطن لا من الظاهر وفق قاعدة اجتماعية ونفسية وقرآنية.
وقال فضيلته في هذا الصدد: إذا أردتَ أن تصنع الأمة فرُدَّها إلى جذورها وأصولها، وهذا هو الإيمان المطلوب. فحينما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير الأمة صب في عروقها الإيمان الذي أخرجها من الشرك إلى التوحيد، ومن الجاهلية الجهلاء إلى هذا الإسلام، إلى النور الإلهي. والإيمان هو الذي أعاد خلق الأمة، فتغيرت من حال إلى حال أفضل منه، فتغير العقل وتغيرت العاطفة.
كما شدد فضيلته على أن الأمة لكي تقوى وتنتصر لا بد أن ترجع إلى دينها، وقال إن أمتنا هذه أمة دينية ولا يحركها إلا الدين مهما حاول البعض أن يحركها بغيره.
وفيما يلي النص الكامل لمحاضرة الداعية الكبير الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله:
الإيمان أول النعم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه الذين نصروه وعزروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون، ورضي الله عمن دعا بدعوته واهتدى بسنته إلى يوم الدين.
(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا)، (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
خير ما أحييكم به أيها الإخوة والأخوات، تحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام، فـ"السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".
وشكر الله للإخوة الذين هيئوا لنا هذا اللقاء بهذه الوجوه المشرقة بنور الإيمان، المصممة على نصرة الإسلام، التي تآخت في الله، وتحابت فيه، فهم أولى أن يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.
هناك أيها الإخوة والأخوات نعمتان عظيمتان لا تعدلهما نعمة، النعمة الأولى هي نعمة الإيمان بالله عز وجل، وهي أعظم من نعمة الخلق والإيجاد نفسها، لأنه لا معنى لأن تخلق ثم تضل الطريق وتضل الغاية، ويكون مصيرك إلى النار، أعظم من الوجود أن تهتدي إلى سر الوجود.
الهداية إلى الإيمان هي كبرى النعم (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين)، نعمة الإيمان أعظم النعم كما قال الله تعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة). هذه هي النعمة الأولى،(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).
الأخوة ثمرة الإيمان
والنعمة الثانية: هي الأخوة في الله، وهذه ثمرة النعمة الأولى، أي التحاب في الله، الأخوة في الله والمحبة في الله، كما قال تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)؛ كرر النعمة وأكدها لنعرف قيمة الأخوة في الله، أن يترابط الناس لا لأجل دنيا أو لأجل مصلحة مادية، ولكن يجتمعون على الله وبالله، وفي سبيل الله، فكل عمل يقومون به لله، وكل كلمة يقولونها أو يسمعونها هي في سبيل الله.
لذلك أبشركم أيها الإخوة أن الله تعالى سيكتب لكم كل شيء قمتم به من أجل الوصول إلى هذه القاعة، أبشركم أن الله تعالى سيكتب لكم كل ما بذلتموه، وكل ما أنفقتموه مسجل لكم عند الله، يقول تعالى في شأن عباده المجاهدين: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)، إن المتحابين في الله يوم القيامة عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، يفزع الناس وهم لا يفزعون، ويخاف الناس وهم لا يخافون، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء ليسوا بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانهم من الله عز وجل، أولئك الذين تحابوا في الله لا على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها.
فاستمسكوا أيها الإخوة والأخوات بهاتين النعمتين العظيمتين، نعمة الهداية إلى الإيمان والإسلام، ونعمة الأخوة في الله، وهذا الترابط يجب أن يظل بيننا إلى أن نلقى الله، وأن يظلنا ببركة هذا الحب في ظله يوم لا ظل إلا ظله، في يوم يتعادى فيه الناس، ويتخاصمون ويتباعدون، يكفر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا، إلا من كان خلته وإخوته وقربته على التقوى، (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين).
الأمة أمة بالإسلام
هذه مقدمة أيها الأخوة لهذا اللقاء، الذي نتحدث فيه حول موضوع "الأمة في مواجهة التحديات". فما معنى الأمة إذن؟ إن المقصود بها هنا أمة الإسلام؛ الأمة التي ذكرها الله تعالى في القرآن ووصفها بالوسطية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
أمة جعلها الله شاهدة على الناس، كما قال في آية أخرى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، والأمة ليست خيريتها لجنس أو لون أو عرق، بل لأنها صاحبة رسالة، كما أنها أمة مخرجة وأمة مجعولة (وكذلك جعلناكم)، ولم تنبت وحدها، ولم يخرجها الله لذاتها أو لمصالحها الخاصة، بل لأنها موكلة بهداية البشرية؛ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، لنفع الناس وإسعادهم.
إن الأمة نعني بها ما سبق، كما أنها أمة واحدة، (وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، و(أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)، فكأن الآيتين تشيران إلى أن العبادة لا تكتمل إلا بالوحدة، غير أن هناك من يريد أن يجعل هذه الأمة عدة أمم، وهذه الأمة ذات شعوب؛ هناك شعوب أفغانية وباكستانية وتركية وإندونيسية، ويمكن أن نجعل من العرب أمة داخل هذا الأمة الكبيرة، بمعنى من المعاني، وحتى لو قلنا أمة العرب.
ثم ما معنى العروبة؟ إنها ليست عرقا، العروبة لغة وثقافة، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ألا إن العربية من أحدكم ليست بأب ولا أم، وإنما العربية اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي)، ولذلك الاستعراب أصله في العروبة. العرب العدنانيون والحجاز وعرب قريش، الذين منهم محمد صلى الله عليه وسلم، فهم في كتب التاريخ عرب مستعربة، فهم استعربوا وأصبحوا عربا لأنهم تكلموا العربية؛ ولذلك نحن نعتبر الأمازيغ عربا، والأكراد عربا، والإخوة في دارفور عربا؛ الإخوة في دارفور هم من علموا السودان كله القرآن الكريم فكيف لا يكونون عربا، ولذلك فالأمة هي أمة الإسلام، ونتحدث عنها من المحيط إلى المحيط، من إندونيسيا إلى المغرب من جاكرتا إلى الدار البيضاء.
أمة سورة الحديد
أما عن التحديات التي تواجه هذه الأمة فهي كثيرة، فهناك تحدي التخلف، نريد أن نخرج من التخلف إلى التقدم، وهناك تحدي الفقر الذي تعانيه هذه الأمة، نريد أن نخرج من الفقر إلى الرخاء عن طريق التنمية الحقيقية.
وهناك تحدي الاستبداد، نريد أن نخرج من الاستبداد إلى الحرية، هناك الظلم الاجتماعي الذي يفرق الناس إلى أغنياء وإلى فقراء، هناك من يأكل إلى حد التخمة وهناك من يموت جوعا.
وهناك تحدي الفرقة والتششت، وتحدي الوحدة، فالأمة متشرذمة ومتفرقة، وهناك التحدي الخارجي الذي يحاصر هذه الأمة، باسم الإرهاب والعنف وغيره، هناك تحدي المشروع الصهيوني الذي أقام مشروعه خنجرا في بطن هذه الأمة، هذه التحديات كلها تحتاج أن تواجهها الأمة.
إذا أخذنا تحدي التخلف، لماذا تظل أمتنا إلى اليوم معدودة في البلاد المتخلفة، والتي يلطفون التعبير عنها فيسمونها البلاد النامية، وهو تعبير مؤدب للبلاد المتخلفة، وكأنهم يريدون أن يوحوا إلينا بأننا ننمو بالفعل، وللأسف نحن ننمو ببطء السلحفاة، لا نستطيع أن نجابه العالم وأن نلحق بالعالم الذي سبقنا ونريد أن نعوض الأصول السابقة، ولكن كيف؟
إننا كلما أردنا أن نلحق بهم خطوة، سبقونا خطوات، ركبنا الحمير والحيوانات فركبوا السيارات والقطارات، ركبنا سياراتهم وقطاراتهم فركبوا السفن الفضائية، نحن معنا الأموال، نستطيع أن نقتني بها سيارات ومصانع وغيرها لكن إذا أتلف جهاز منها نحتاج إلى المصنع الأصلي.
في الكويت وقعت حادثة: انقطعت الكهرباء عن ثلث المدينة فتوقف كل شيء، لا مكيفات ولا ماء، وانتظروا أن يأتي الخواجة من بلده ليصلح الكهرباء.
نستطيع أن نشتري المحطات، لكن لا نستطيع أن نصنع التكنولوجيا، التكنولوجيا لا تنقل بل تصنع، لماذا لم نصنع التكنولوجيا؟ هل نحن أمة من الأغبياء؟ لو كنا أغبياء ما أقمنا حضارة شامخة ظلت تحكم العالم ثمانية قرون أو تزيد، كنا الأمة الأولى والعالم الأول، علمنا الناس، وكانت أسماء علمائنا أشهر العلماء في العالم، وكانت كتبهم تشكل المراجع العلمية لبلدان العالم، نحن أقمنا حضارة في الأندلس ثمانية قرون، كانت مصدرا للعلوم كلها، حينما كانت أوربا لا ترى الضوء إلا من سم الخياط.
ومن ناحية أخرى هناك عشرات الألوف من العقول المهاجرة ومن المهندسين والخبراء والنوابغ لم تستفد منهم بلادهم، وتستفد منهم بلدان أوربا وأمريكا وكندا، لماذا تتخلف هذه الأمة، لماذا لم نتحرك من مكاننا؟
بدأت النهضة، وأول ما بدأت كانت في مصر قبل اليابان، ثم حدث للنهضة ما حدث، انظروا أين وصلت اليابان وأين نحن الآن، وهناك مثال آخر، كوريا الجنوبية بدأت نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية، وهي اليوم تغزو بمصنعاتها أسواق أمريكا.
ما لنا نحن متخلفون في كل شيء، حتى في الزراعة، وبلادنا تحسب على البلاد الزراعية، لم نتقن الزراعة ولم نحقق الاكتفاء، بل نشتري نصف أقواتنا من الخارج، ولو كف أعداؤنا عنا أيديهم لمتنا جوعا، لم نتقن أي شيء، كثيرا ما قلت إننا أمة سورة الحديد، ولكننا لم نتعلم صناعة الحديد.
فالقرآن الكريم نزل وفيه سورة اسمها الحديد، وفيها آية من أروع الآيات، يقول الله فيها: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا معهم الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس).
فالله أنزل الكتاب ومعه الميزان، لتهتدي البشرية بنور ربها، وأنزل معهم الحديد، هناك ناس لا يصلحهم لا الكتاب ولا الميزان، ولكن يصلح لهم الحديد، لا يأتون إلا بالقوة، وعبارة (فيه بأس شديد) فيها إشارة إلى الصناعات الحربية، و(منافع للناس) فيها إشارة للصناعات المدنية، هل أتقنا أيا منهما؟ للأسف ما زلنا عالة على غيرنا، نستورد كل شيء، من الإبرة إلى الصاروخ.
أمة العمل لا تعمل
بعض العلمانيين يقولون إن السبب في تخلفنا هو الدين، لكن لماذا قامت الأمة بالدين فيما مضى، وتقدمت به وغدت حضارة عالمية أولى، وعلمت الدنيا كلها. إذا كان المقصود بالدين هو الدين الخرافي، الذي يكرس التواكل ويعلمهم الزهد وترك العمل والإيمان بالقدر وإلغاء الأسباب، إذا كان هذا فهو صحيح، لكن ليس هذا هو الدين الذي ندعو إليه.
إنما ندعو إلى دين يربي على العمل ويجاهد من أجل العمل؛ فالعمل في نظر الإسلام عبادة، وهو تقرب لله، ويظل عاملا حتى تلفظ الحياة آخر أنفاسها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، لماذا يغرس شجرة وقد قامت الساعة؟
أحد الشيوخ كان يغرس شجرة جوز وهو لا ينتج إلا بعد مدة طويلة، فقالوا له: تغرس هذه الشجرة وأنت شيخ كبير على حافة القبر، فقال لهم غرس لنا من قبلنا فأكلنا ونغرس فيأكل من يأتي بعدنا، ولكن في الحديث هنا حث على أن الإنسان المسلم يعمل ويعطي الحياة وينتج إلى آخر رمق في الحياة، ولو لم ينتفع بما يعمل لأن العمل عبادة.
العمل للحياة في ديننا عبادة والعمل في نظر ديننا جهاد، الناس تظن أن الجهاد عسكري فقط؛ الإخوة شرفوني برئاسة مؤسسة القدس، وهي مؤسسة عالمية، وقال بعض الإخوة لم لا تجعلون من مهام هذه المؤسسة الجهاد لتحرير القدس، قلت لهم يا جماعة الجهاد العسكري له أهله، وقلت لهم مهمتنا في هذه المؤسسة هي الجهاد المدني، نشغل العاطل، ونعلم الجاهل، ونداوي المريض، وندرب العامل، ونطعم الجائع، ونكسو العريان، ونبني مدرسة يدرس فيها الأطفال، ومستشفى يداوى فيه المرضى، هذا هو الجهاد المدني، في سورة التوبة قال الله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ...).
لا بد أن نوزع الأدوار؛ جماعة تخرج للجهاد، وآخرون للتفقه والعلم، هذا هو الجهاد الأكبر، الدين الذي يجعل العمل في الحياة عبادة والعمل للحياة جهادا، هذا لا يمكن أن يكون سببا في تخلف هذه الأمة، بل بالعكس ما تخلفت هذه الأمة إلا لسوء فهمها للدين، وسوء تطبيقها له، حينما فهم الدين على غير ما أنزله الله تعالى في كتابه وبعث به رسوله، وعلى غير ما فهمه الرعيل الأول من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين لم يعزلوا الدين عن الدنيا، (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)، والذي يقول "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا"، وهذا من أقوال الصحابة، وجاء عن أكثر من صحابي، هذا هو الإسلام، لو أحسنا فهم القرآن وأدركنا مقاصد النصوص ما تخلفت هذه الأمة أبدا.
هناك جماعة سميتهم بالظاهرية الجدد، وهم الذين لا يتعمقون في فهم النص، ولا في مقاصده، ويقفون عند حرفية النص، فيقولون أشياء لا يمكن أن يأتي بها الإسلام، هؤلاء لا يحكمون على الدين، بل الذين يحكمون على الدين هم الذين يجمعون بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية، كما فهم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الدين.
حينما نعرف معنى الدين ونفهمه، سنعود أمة شاهدة كما كنا في الزمن الماضي، نستطيع أن نأخذ من غيرنا كل ما ينفعنا، نأخذ من الغرب كل العلوم والتقنيات وكل ما شئنا، وفي الحقيقة عندما نأخذ عن الغرب فإنما هي بضاعتنا ردت إلينا، هم أخذوا منا أصل العلم، هم أخذوا المنهج الاستقرائي والتجريبي.
المسلمون أقروا هذه المناهج نظريا وهم طبقوها عمليا، فرانسيس بيكون وروجر بيكون وهؤلاء كانوا رسل الحضارة العربية إلى أوربا؛ فأوربا كانت تعيش المنطق الصوري الذي لا يأتي بجديد، فاستفادوا من المنهج والمنطق، واستخرجوا منه علوما كثيرة، الفيزياء والكيمياء والطب الفلك، ولذلك حضارة المسلمين لم تعرف ما عرفته أوربا من صراع بين الدين والعلم.
لا بد من أهداف
هكذا كانت أمتنا، حضارتها حضارة عريقة، والغرب أخذ منا هذا العلم، فابن حزم كان رجلا عالم دين وتاريخ وأدب وأصول الفقه والفقه وعالما في الكلام، وابن رشد كان طبيبا ألف كتابه "الكليات" ومشهور بطبه، وهو علَم أيضا في الفقه وأصوله، اسمه القاضي ابن رشد، قاضي قضاة المالكية، وله كتاب في الفقه المقارن عنوانه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، وهو من أعظم شراح أرسطو.
والفخر الرازي صاحب التفسير الكبير كانت شهرته في علم الطب لا تقل عن شهرته في علم الدين، ومخترع علم الجبر الخوارزمي ومؤلف رسالة في علم المواريث والوصايا.
هذه أيها الإخوة أمتنا والغرب أخذ هذا وطوره إلى أن وصل إلى الثورات العلمية الحديثة ونحن لا نزال واقفين في أماكننا فلا مانع أن نقتبس من الغرب بعض ما أخذ منا ونأخذ آخر ما وصل إليه الغرب ونبدأ من الصفر فنأخذ هذا ونجعله جزءا من منظومتنا العقدية والفكرية والقيمية، والذي أخذناه يفقد جنسيته الأولى ويصبح جزءا من المنظومة الإسلامية، لأنه سنشربه روحنا ويخضع لقيمنا وآدابنا ولشرائعنا وموازيننا، فيصبح جزءا منا هذا هو الذي ينبغي لأمتنا، وتخرج بالتالي من التخلف الذي طال، ولا يمكن للأمة أن تبلغ رسالتها إلى العالم وأن تحقق وجودها لهذه الرسالة إلا إذا خرجت من هذا التخلف.
والأمة المتخلفة لا تستطيع أن تنتصر على أعدائها، ولا أن تحقق أهدافها ولا بد لها أن تخرج من هذا التخلف. والتخلف منكر يجب أن يغير وهو جريمة دينية والتقدم فريضة وضرورة لأمتنا فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها العقل ولا يجوز لأمتنا أن تظل خلف الأمم ومكانها في رأس القافلة ولا يجوز لها أن تبقى في الذيل وكأنها في الرأس.
هذا أيها الإخوة ما يجب على هذه الأمة وحتى نتقدم لا بد أن نحدد أهدافنا ولا بد أن تكون لنا رسالة حتى يتسنى لنا أن نجاري غيرنا، لا بد لهذه الأمة من أهداف تعيش لها وتموت عليها وتجاهد في سبيلها وتؤمن بها من غير ذلك لا تستطيع الأمة أن تتقدم.
هذه الرسالة وهذا الإيمان يخلق منها إنسانا جديدا ويجعل منها شيئا آخر، وبالإيمان ننشئ الإنسان خلْقا آخر، ألم تر كيف فعل الإيمان في سحرة فرعون، انظروا إلى الإيمان فجر الحكمة على ألسنتهم في قوله تعالى: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى)، هذا التحدي منهم هو ما صنع الإيمان، والإيمان أنشأهم خلقا آخر.
حتى يغيروا ما بأنفسهم
إذا أردنا أن نصنع الأمة نغيرها بالتغيير الداخلي، فالأمة ليست أنعاما تقاد من آذانها أو من أعناقها إنما تقاد من ضمائرها ومن عقولها وتقاد من الداخل لا من الخارج، وتغير من الباطن لا من الظاهر وفق قاعدة اجتماعية ونفسية وقرآنية، والتي قررها القرآن الكريم وحددها الله تعالى في قوله: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
فتغيير ما بالأنفس هذا هو عمل النبي صلى الله عليه وسلم في أمة العرب وعمل الأنبياء يبدأ بتغيير الأنفس ومن الباطن والداخل؛ إذا كان يقول الماركسيون: "غيّر علاقات الإنتاج والاقتصاد يتغير التاريخ"، نحن نقول بمنطق القرآن: "غيّر ما بنفسك يتغير التاريخ"، نريد إذا أن نغير ما بأنفس الأمة حتى تتغير، فلا يمكن للأمة أن تستورد من الخارج، وإذا أردتَ أن تصنع الأمة فرُدَّها إلى جذورها وأصولها، وهذا هو الإيمان المطلوب.
فحينما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير الأمة صب في عروقها الإيمان الذي أخرجها من الشرك إلى التوحيد، ومن الجاهلية الجهلاء إلى هذا الإسلام.. إلى النور الإلهي.. والإيمان هو الذي أعاد خلق الأمة، فتغيرت من حال إلى حال أفضل منه، فتغير العقل وتغيرت العاطفة، فخلق لها الإسلام عقلا وقلبا جديدين، فتغيرت الأمة من أمة ترعى الغنم إلى أمة ترعى الأمم.. بماذا ؟ بهذا الإيمان الجديد الذي يعطي للإنسان طاقة غير عادية بعشرة أضعاف ما عند غيره. فالقرآن الكريم ذكر لنا هذا في الجانب العسكري: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ذلك بأنهم قوم لا يفقهون).
وهذا ممكن أن نطبقه حتى في حالة الاقتصاد، وفي حالة التنمية والأمة تستطيع أن تعمل بعشرة أضعاف في حالتها العادية، والإيمان هو الذي يمكن أن يعوض للأمة ما فاتها في القرون الماضية.
ولذلك إذا أردنا أن ننهض بالفعل فلا بد أن تكون هذه الأمة صاحبة رسالة.. رسالة ربانية وإيمانية.. رسالة لنفسها وللعالم. ولا بد -أيها الإخوة- أن نعمل على أن تخرج الأمة من تخلفها وأن تبرز إلى التقدم، وأول ما نفعل هو أن تكون لديها رسالة إيمان فلا يكون الدين بمعزل عن التقدم.
نحن نعلم أن الذين صنعوا الحضارة الأوربية كانوا مؤمنين بالمسيحية واعترف بهذا كثيرون من المؤرخين، فلا بد أن يكون الدين هو الأساس في حياتنا ويجب أن نعلم شيئا مهما، وهو أن الذي أقام "إسرائيل" من العدم هو أحلام دينية وأحلام توراتية وتلمودية وتعاليم دينية، وحاولوا أن يجمعوا بها اليهود من أنحاء العالم في وطن واحد سموه أرض الميعاد.
هم أدخلوا الدين في معركتهم، ونحن أبعدنا الدين عن المعركة، اليهود دخلوا المعركة وهم يهود، ونحن دخلناها بلا إسلام.. دخلوا ومعهم التوراة ودخلناها وليس معنا القرآن.. دخلوها وهم يعظمون السبت، ودخلناها ونحن لا نعظم الجمعة.. دخلوا وهم يقولون الهيكل ودخلناها ونحن لا نقول المسجد الأقصى.
ولكي تقوى الأمة وتنتصر لا بد أن ترجع إلى دينها، وأمتنا هذه أمة دينية ولا يحركها إلا الدين مهما حاول البعض أن يحركها بغيره، ولكن إذا حركتها باسم الله ولا إله إلا الله والله أكبر، وإذا رفعت المصحف وإذا قلت لها سيري وراء محمد وإذا قلت لها يا خيل الله اركبي ويا ريح الجنة هبي صارت الأمة وراءك وصنعت المعجزات.
ولعل في تجربة "حزب الله" في هذه الأيام مثلا يحتذى على قوة الإيمان والدين ولا يمكن أن نحرك سواكن الأمة إلا إذا ربطناها بالإسلام ولا يمكن أن نتقدم تقدما حقيقيا ونحن متفرقون متبعثرون، والأمة المبعثرة لا يمكن أن تحقق تقدما فهو يحتاج إلى تكثف، وفي الاتحاد قوة، وهو يقوي القلة، والتفرق يضعف الكثرة، ورأينا الناس يتكتلون.
المصلحة في التوحد
أوربا التي حارب بعضها بعضا قرونا طويلة ومع هذا وجدت أن من الخير أن تنسى هذا التاريخ الدامي وتنظر إلى أن مصلحتها تكمن في أن تتوحد فيما بينها وأقامت ما يعرف الآن بالاتحاد الأوربي ولتواجه أمريكا، ولكنها بهذه الوحدة أرادت أن يكون لها كيانها الأوربي.
والمسلمون وحدهم هم المتفرقون، وأحيانا ننشئ أسبابا للتفرق، مسلمين ومسيحيين، وأسبابا مذهبية بين سنة وشيعة، وأسبابا عرقية عرب وأكراد، وعرب وأمازيغ، وأسبابا إيديولوجية يمينيين ويساريين وثوريين ورجعيين، وهذا لا ينفع الأمة ولا بد أن ندعوها إلى وحدة الأمة والأمة كلها حكامها ومحكوموها..
وأنا في كل البلاد الإسلامية والعربية أدعو إلى المصالحة الوطنية بصفة عامة بين الحكام والمحكومين، ونحن ندعو الحكام إلى أن يتركوا الاستبداد وأن يطلقوا الحرية وندعوهم إلى أن يُحكموا الشريعة وندعوهم إلى أن ينطلقوا بشعوبهم وإلى شعوبهم، ولكن لا نحمل السلاح عليهم.
دعوت إلى هذا في ليبيا وسوريا والجزائر.. فالأمة كلها يجب أن تقف صفا واحدا، ونحن في معركة كبرى، وفي معركة شاملة: سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية ودينية، ونحن نُحارَب في ديننا.. اليهود يحاربوننا وبوش وجماعته يحاربوننا باسم الدين ويقول: إن الله أمرني أن أحارب العراق وفي أفغانستان، وكأنه نبي يوحى إليه.. لقد أرادها "بوش" حربا صليبية.. لماذا يتمسك هؤلاء بدينهم وندع ديننا؟.
لا بد -أيها الإخوة- أن نخرج من هذا التحدي، من هذا التخلف الذي نعيش فيه، لنخرج إلى باحة التقدم الذي هو فريضة وضرورة.. فكل المقومات التي يحتاج إليها التقدم موجودة.. عندنا الجانب المادي والبشري.. وعندنا العقول التي تستطيع أن تفكر وأن تبدع.. عندنا كل ما يحتاج إليه التقدم.
نحتاج فقط إلى قيادة وإلى أهداف ومنهج وإلى صيحة تدوي في هذه الأمة، تقول لها تجمعي بعد تفرق.. اعملي بعد كسل.. انهضي بعد العثرة.. سيري على بركة الله.. هذا ما ننادي به أمتنا (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون).
وأسأل الله تعالى أن يجعل يوم الأمة خيرا من أمسها، ويجعل غدها خيرا من يومها، ويحسن عاقبتها في الأمور كلها.. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
مراسل إسلام أون لاين في المغرب.
|