|
أبدى عدد من فقهاء الشريعة الإسلامية، وأساتذة القانون رفضهم لفكرة أن يتم إصدار قانون للفتوى، وجعل مهمة الإفتاء أمرًا مقصورًا على من تعينهم الدولة لهذا الغرض، وهو ما أعلنته المملكة الأردنية الهاشمية صراحة مؤخرًا حين ذكرت بأن هناك مشروع قانون معروض على البرلمان الأردني حاليًّا لتأسيس "دائرة الإفتاء العام" برئاسة مفتي عام تكون مهمته، بدرجة رئيسة، الإشراف على شئون الفتوى وتنظيمها، وإصدار الفتاوى العامة والخاصة في القضايا المعروضة عليه، ويُعيّن أعضاء الدائرة بإرادة ملكية سامية، ويُعزلون بالطريقة ذاتها.
قانون لمحاربة الفوضى
وأوضحت الأردن أن السبب وراء سن هذا القانون، إنهاء حالة "الفوضى" في الفتاوى وضبطها وتحديد الجهة المخوّلة بها، حرصًا على حرمة الفتاوى وقيمتها، وكي لا تكون أداة للتكفير والتشدد السياسي والديني وحدوث حالة من التضارب والاختلاف حول أحكام الإسلام في ضوء تعدد المدارس الفكرية والفقهية، والصراع المحتدم فيما بينها لفرض تصوراتها ورؤاها الفقهية على المجتمع والناس.
بداية يشير الدكتور محمد علي الزغول عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة مؤتة بالأردن إلى أن إنشاء قانون للفتوى في الأردن يتناسب مع الوضع الذي وصل إليه الحد في تضارب الفتوى هناك.
ويوضح: "لقد انتبهنا في كلية الشريعة بالأردن لموضوع تضارب الفتوى مبكرًا، وعقدنا من سنتين يومًا علميًّا حول الفتوى الشرعية، واستقبلنا أوراق عمل حول الفتوى الشرعية، وتحدثنا عن أنه في أعقاب حرب الخليج ظهرت فتاوى متعارضة بين الدول، وهذا جعل عند الناس تساؤلات كثيرة تضاربت فيها الإجابات، واهتزت الثقة بمؤسسات الفتوى، لدرجة أنه وصلت للجهات المسئولة بأن العمل الواحد يحكم عليه من مفتين مختلفين في الأمر الواحد؛ ولذا كان التفكير بوجود جهة واحدة تصدر عنها الفتوى".
واستطرد قائلاً: "كنا نلاحظ أن هناك مشكلة في الفتوى وتضاربها في المسألة الواحدة، وكنا نقول إننا بالأردن طالما أن الناس تقليديًّا يتبعون المذهب الشافعي، فنجعل الناس الذين يفتون يقرءون المذهب الشافعي حتى لا يكون هناك تعدد في الفتوى، وحاولنا في ذلك لكن وجهة النظر هذه لم تكن مقبولة عند الناس جميعًا، مما جعل الناس تفكر في أن يكون هناك مصدر للفتوى، فقدمت الدوائر الشرعية المختصة في الأردن مشروعًا لتوحيد الفتوى وكانت الأجواء مناسبة لهذا".
وألمح الدكتور الزغول إلى أن موضوع التوحيد في الفتوى لم يكن فيه إجماع عام كغيره من الموضوعات، لكن كانت وجهة النظر الغالبة أن توحد الفتوى حتى لا يربك الناس، بينما رأى البعض أن ذلك هدفه صمت بعض الأصوات.
وركز على أن هناك محذورًا واحدًا للمشروع وهو إذا كانت هناك فتوى تتعلق بعلاقات سياسية واجتماعية، إلا أنه أبدى رفضه لمن يقول إن القانون إذا ما صدر سيؤدي إلى عزوف الناس عن المفتين المعينين في دائرة الإفتاء الرسمية، أو أنه سيؤدي إلى تسييس الفتوى، خاصة أن السياسيين إذا أرادوا أخذ قرارات لا يأخذون رأي الشرعيين فيها، ومع ذلك يبقى الشرع فوق كل شيء.
لا يعالج الخطأ بالخطأ
الدكتور سالم الشيخي عضو المجلس الأوروبي للإفتاء، والأمين العام للجنة الفتوى في بريطانيا، ورئيس الهيئة القضائية في ببرمنجهام يعتبر أن إصدار هذا القانون يُعَدّ علاجًا للخطأ الموجود وهو خطأ انتشار الفتاوى بخطأ الحجر على الفتوى، ويشير إلى أن هذا لا يمكن أن يكون حصر الفتاوى في أناس معينين هو العلاج الصحيح، وإنما لا بد من تحديد شروط فيمن يفتي، بمعنى أن يمنع عامة الوعاظ من الفتوى، ولا يسمح إلا بمن له علم بالفقه وأصوله في استنباط الأحكام.
ويضيف: إن وضع هذا القانون يعتبر قرارًا سياسيًّا، كما أنه سينقل الفتوى من العلن إلى السر، ولن يتوجه الناس إلى من سيتم تعيينهم في دائرة الفتوى الرسمية، خاصة أن الفتوى ثقة من المستفتي للمفتي، وإذا كان المفتي قد صبغ عليه بختم القانون والفتوى، فالناس لا ترضى بفتوى العالم المرتبط بالسلطان حتى ولو كان أمير المؤمنين؛ لأنها ستشعر بالانتفاع الشخصي في هذه القضايا التي سيفتي فيها.
ويوضح أنه يمكن تحقيق توازن أفضل من هذا لمنع فوضى الفتاوى، وفي نفس الوقت إعطاء حرية للفتوى من خلال إنشاء جمعية للمفتين كبيرة جدًّا تجمع كل من له صلة بالفتوى، بحيث تكون لها قاعدة عريضة في الدولة ويلجأ إليها الناس للإفتاء، وهي التي تقيم الوضع العام للبلد في الفتوى، كما تنتخب رؤساءها، وتعطي شروطًا لمن ينضم إليها من العلماء القادرين على الفتوى، وتعطي دورات للمتخرجين من كليات الشريعة في كيفية صناعة الفتوى؛ لأن الفتوى تحتاج إلى تدريب ومهارة، وبذلك يتم غلق باب فوضى الفتوى بلا تسييس أو سيطرة نظام الدولة.
منع المتطفلين على الفتوى
في حين يؤكد الدكتور محمد علي الجوزو مفتي جبل لبنان أنه ليس من المعقول أن يتم فرض قانون في مسألة الفتوى، بحيث يكون هناك تحديد للأشخاص الذين يتم الاستفتاء منهم داخل الدولة، ويؤكد أنه ما دام هناك علماء كبار فلا بد أن يكون لكل رأيه، ولا بد أن تكون هناك حرية في هذا الأمر، فالأئمة الكبار كان لكل رأيه الخاص.
ويشدد على أن القول بضرورة إصدار قانون يقنّن الفتوى في إطار رسمي لمنع التضارب هو أمر لا أساس له من الصحة، حيث إن الاختلاف في الفتوى يُعَدّ خلاف الواقع، وهناك متسع في الشريعة الإسلامية للآراء، حتى إن المفتي لا يمكن أن يفرض رأيه على الجميع، ولكل إنسان أن يذهب إلى من يريد، وأن يستفتي منه الرأي الشرعي، وغير ذلك يُعَدّ تأميمًا للفتوى، وكبتًا للعلم وحرية الرأي والفتوى.
ويطالب مفتي جبل لبنان بضرورة التراجع عن أمر إصدار قانون للفتوى في الأردن، وأن يكون هناك متسع لأهل الاجتهاد، ويرى أن الأولى أن يُمنع المتطفلون على الفتوى والذين عندهم ضآلة في الفقه والعلم، وليس لديهم رصيد كاف للتصدي للفتوى، أما العلماء الكبار الذين لهم وزنهم ومكانتهم فلا يمكن أن يتم منعهم عن الفتوى، وإلا اعتبر كبتًا للعلم.
قانون للإفتاء وليس للمفتي
الشيخ عبد الحميد الأطرش رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف يرى أيضًا أنه لا يملك أحد أن يمنع الفقيه من أن يفتي لغيره إذا ما سأله عن رأي شرعي، وأنه من المفروض أن يكون هناك قانون يجرم من يتصدى للفتوى وهو غير أهلها، وليس إصدار قانون يمنع أهل التخصص من الفتوى، ويجعل الفتوى في فقهاء رسميين معينين من قبل الدولة فقط.
ويوضح أن الفتوى لها أهلها وينبغي أن يتخذ قرار بتجريم كل من يتصدى للفتوى وهو ليس لها بأهل؛ لأن من أفتى وهو غير أهل لها يحدث بلبلة بين الناس جميعًا، ويجعلهم يتخبطون ولا يدرون الصواب والخطأ، بحيث ينص هذا القانون على الشروط التي يجب توافرها فيمن يتصدى للإفتاء والتي من أهمها أن يكون المفتي عالمًا بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأن يكون ورعًا، وأن يقصد بفتواه وجه الله، وأن يعرف المفتي نفسية المستفتي.
رفض قانوني
وحول الرأي القانوني في قضية إصدار قانون للفتوى يرى المستشار جمال الدين محمود عضو مجمع البحوث الإسلامية، ونائب رئيس محكمة النقض المصرية الأسبق أن هذا الأمر لا يمكن الموافقة عليه، ويوضح أن الإفتاء شأن عام بمعنى أنه يجب في المجتمع المسلم أن يكون الإفتاء في الأمور الدينية منظمًا أو منوطًا بأشخاص أو بهيئة تنشأ لهذا الغرض، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفتون، وبعضهم كان أكثر شهرة بالفتوى، كابن عباس وابن مسعود، وابن عمر، وعائشة رضي الله عنهم جميعًا، وفي العصور الحديثة كان في كل بلد إسلامي هيئة أو دار للإفتاء على رأسها المفتي العام، وهذا في ذاته ليس مخالفًا للشرع.. لكن ذلك لا يمنع بطبيعة الحال أن يكون للعلماء الحق في إبداء رأيهم وفي الرد على ما يوجه إليهم من أسئلة.
ويشير إلى أن إنشاء دار الإفتاء أو الهيئة التي تختص بذلك في أي بلد مسلم هو أن يجد المستفتي جهة أو شخصًا يوثق به لتوفر شروط الإفتاء فيه، ولكن لا يقصد به منع العلماء من إبداء رأيهم حتى ولو كان مخالفًا لما يقوله المفتي العام أو مفتي الدولة، ويمكن أن يكون ذلك عن طريق مناقشة الفتوى والرد عليها علميًّا.
ويشدد المستشار جمال الدين على أنه بالرغم من فوضى الفتوى التي يتم ملاحظتها عبر وسائل الإعلام المختلفة لا يجعل من الفتوى مسألة تنظم بقانون، ويؤكد أن فرض قانون يحدد من يفتي في الدولة سيكون متعارضًا مع حرية الفكر وإبداء الرأي إذا منع غير المفتين الرسميين من إبداء رأيهم، وأنه من الأنسب أن يكون هناك توجيه لجهات الإعلام بشأن من يتقدمون للإفتاء بين الناس، وهذا أمر يتفق مع الشرع.
ويضيف أن فرض الرأي الواحد في الفتوى بقانون ملزم أمر لم يحدث في عصر الصحابة والعصور المتقدمة؛ إذ تعددت الآراء في بعض المسائل، وفي هذا العصر يجب أن يطمئن كل شخص إلى من يستفتيه فهمًا للواقع، وعلمًا بالفقه، وإذا كان يجوز أن تلتزم جهات الدولة الرسمية بما يصدر من دار الإفتاء فإن جمهور الناس يجب أن يطمئن قلبه إلى الفتوى ولا يمكن إلزامه بها، لا سيما في أمور العبادات، وفي الشئون العامة، خاصة إذا كان في الواقع عناصر سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تجعل الفتوى حلاًّ للجدل والنقاش، ولا عيب في ذلك إذا تم في المجالس العلمية وبين العلماء.
صحفي مصري
|