English

 

الأحد. سبتمبر. 24, 2006

شرعي » فتاوى الناس » أصول وقواعد الفقه والمقاصد

 
   
روابط من إسلام أون لاين

سلطنة الفتوى.. مالها وما عليها

مسعود صبري

الباحث: مسعود صبري
الباحث: مسعود صبري

كثرت النداءات هذه الآونة لتجريم الفتاوى الصادرة عن أشخاص يرى المنادون بهذه الدعوة أنهم غير أهل للفتوى، ويرى البعض أنها غير صادرة عن هيئات وأشخاص غير تابعين لهيئات رسمية، وقد يرى البعض وراء هذه الدعوى توجهات سياسية، بينما يذهب البعض أنها تضبط عملية الإفتاء بدلا من أن يتصدى لها من لم يؤهل شرعيا؛ وإن كان ظاهرا أنه درس العلوم الدينية، فحقلها واسع يشمل الوعظ والإرشاد والدعوة والتدريس والاجتهاد والفتوى وكلها مساحات مفتوحة يتخصص في كل علم من العلوم جماعة من أهلها تدريسا وممارسة، فليس كل من علا منبرا أو عمل في حقل الدعوة أو انضم لجماعة إسلامية وكان له مريدون يسألونه عن الحلال والحرام يجوز أن يفتى بالحل والحرمة، بل إن هناك من أساتذة العلوم الدينية من لا يمكن له أن يكون مفتيا، بل يصل الأمر أن يكون الإنسان أستاذا في الفقه والأصول وليست عنده ملكة ولا دراية بالإفتاء، ونحن هنا نتحدث عن أمرين هامين نطلق عليهما الفتوى، الأول الفتوى كحالة جزئية والثاني الاجتهاد في حكم عام ليس فيه سابق اجتهاد، أما نقل الأحكام الفقهية فغير المجال المتحدث عنه.

خطورة الاجتهاد في الفتوى

وتكمن خطورة الاجتهاد الفقهي في توجيهه لجماعات بشرية أو مؤسسات أو أفراد نحو رؤية معينة، أو ترشيح الاجتهاد من قبل أصحاب سن القوانين من غير المتخصصين بناء على تلك الفتوى، فليست الخطورة في خروج الفتوى من أهل الاختصاص والاجتهاد، وإنما الخطورة في بيئة الفتوى التي خرجت منها والبيئة المتلقاة والبيئة المستقبلة، وكذلك الحال من متلقي الفتوى في عالم مفتوح، فقد كان تأثير الفتوى الجغرافي محدودًا، وربما تكون في مسجد يمكث فيه جماعة أو مع فرد أو أفراد، أما الآن فالسموات المفتوحة تقذف بما كان يعد غيبا أو على الأقل عالما خفيا عن غيره من العوالم.

سلبيات وإيجابيات

وتتأرجح قانونية الفتوى بين إيجابيات مرجوة وسلبيات متخوف منها؛ فمن تلك السلبيات المتوقعة أنها بدعة عصرية، فمنذ تاريخ الإسلام لم يُمنع أحد من الإفتاء، ولم تكن هناك جهة رسمية صاحبة الحق في الإفتاء وأن غير المنتمي لها لا يحق لها مباشرة الفتيا، وادعاء توحيد الفتوى أمر غير مقبول شرعا وعقلا، فقطعيات الدين وحدها هي صاحبة الرؤية الواحدة، أما الظنيات فهي خلافية، ولو أرادها الله قطعية لجعلها كذلك.

وقد اقتضت حكمة الله أن تكون غالب المسائل وما يتفرغ عنها خلافية؛ لأن المقام هنا ليس مقام خطأ وصواب، ولكنه مقام ترجيح، وهو أمر يغفل عنه كثير ممن يتعرض لطبيعة الخلاف، فالأمر كما هو مستقر عند الفقهاء والأصوليين راجح ومرجوح، وما هو راجح مرجوح عند البعض والمرجوح راجح عند مخالفيه، وعمل المفتي الفقيه متى يتخير هذا، ويترك هذا، ومتى يعمل بالمتروك ويترك المعمول به.

كيف يُنصّب المفتي؟

وبما أنه من طبيعة الفتوى أنها معلمة غير ملزمة، فقد تأخر تنصيب المفتين بشكل رسمي، ولكن القضاء وهو قرين الفتوى كان تنصيبه رسميا في مرحلة مبكرة جدا مع بدء دولة الإسلام، فتولاه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعين أبو بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وفي ولاية عمر كان علي بن أبي طالب وغير قضاة، أما اختيار المفتي فكان شعبيا، والمفتون وطلاب العلم هم الذين يجعلون فلانا المرجع في الفتوى عن غيره، ويقر المجتمع وتقر الأمة بمن يتولى رئاسة الإفتاء، ومع هذا كان المفتون متعددين لاختلاف المنهج الذي يتولد عنه الإفتاء، ولم يكن أحد من أهل الفتوى يزعم أن غيره ليس أهلا للفتوى، وذلك أن التكوين الاجتماعي كان يفرض على الناس أن تتعلم العلوم الشرعية، وأن يكون للأمة نصيب منها وقدر يجعلها مثقفة فتكون عصمة الأمة من الخطأ، ولأجل شيوع ثقافة الورع الإفتائي بين كثير ممن هم أهل للإفتاء، فكانت العامة أشد ورعا.

التخوف الآخر أن الدولة الإسلامية القديمة بعد عصر الراشدين رغم المآخذ عليها، لكنها لم تكن بهذا الشر من حيث حكامها وسادة أمرها، فلم يكن هناك خنوع ولا خضوع ولا ولاء إلا لله والإسلام، ولم تكن هناك أطماع من الحكام للانتفاع بالخطاب الديني وعولمته وفق وجهة الحاكم، لأن المجتمع كان مثقفا فقهيا، ولم يكن العلماء على هذه الدرجة من الجبن والخوف من بطش الحكام الظالمين.

تأثير العولمة على الإفتاء

يضاف إلى هذا أن الخلاف في الدولة كان داخليا فحسب، فالعولمة لها تأثير كبير في توجيه الخطاب الديني على نحو سياسي، ومع بعد الحكام عن منهج الإسلام الرشيد فستكون هناك ضوابط لتعيين من يفتي ما أنزل الله بها من سلطان، وربما كان ظاهرها الصواب وباطنها الشر؛ لأن من يختار هو مختار، ولهذا سكتت أقلام ومات علماء لهم من الدراية والفقه وربما لم يسمع عنهم أحد.

ومع ضعف القيادة الدينية فلن تكون السلطة مع العلماء إلا ظاهرًا وفي خضم هذا تمر قوانين تجلب الشر للبلاد والعباد، وقد لا يعقل كثير من العلماء إلا رسومًا يغترون بها، فالقول بجواز استقدام غير المسلمين للقيام بحماية دول إسلامية طامة كبرى ويستدل بالجواز بنقول وأدلة مما هو مسطور في الكتب القديمة، دون النظر إلى مآل الفتوى؛ ولأن الفتوى صادرة عن علماء في السلطة مرت الفتوى مدمرة بلا هوادة، وكذلك فتوى التطبيع الاقتصادي مع الكيان الصهيوني مع إظهار رفض التطبيع السياسي وكلاهما وجهان لعملة واحدة، مما جر على الأمة بلاء ما زالت تعاني سكراته حتى الآن.

فرضية التقنين

وقد يستدل لمن يرى وجوب التفنين أن نظام الدول الحديثة يختلف عن طبيعة الدولة القديمة، وأن ترك الأمر قد يؤدي إلى بلبلة وزعزعة وفوضى، بل قد تؤدي بعض الفتاوى من غير المؤهلين رسميا من الجامعات والمعاهد الدينية أن تترجم إلى اعتداء على الممتلكات والأشخاص وإهدار الدم بغير الحق، وإن كان درء المفاسد مقدمًا على جلب المصالح فالتفنين أولى من عدمه، وإذا كان الناس يعيشون عصر التخصص فلماذا لا تكون الفتوى مثل غيرها، لها خصوصيتها في المنهج والمتخصصين فيها، لا أن تكون كلأ مباحا للجميع.

ثم إن اعتبار الفتوى علما قائمًا بذاته يجرم من يتجرأ عليه من غير أهله، فيه رفع لمكانة الفتوى وقدرها بشكل من الانضباط المعاصر، وإن كان ورع الإفتاء قديمًا ضابطًا خلقيًّا، فليكن هناك ضابط قانوني ما دام القصد واحترام والوسائل تأخذ حكم المقاصد.

محددات لقانونية المفتين

ويبدو لي أن هناك محددات يمكن من خلالها قراءة قانونية المفتين لا قانونية الفتوى وهي:

  • مقدار الضبط الاجتماعي الذي تقوم به الأمة في قبول ورفض الفتوى، وتعيين المفتين الذين يطمئن إليهم المستفتون ويلجئون إليهم ويردون عليهم حوادث الدهر ومستجداته؛ طلبا لاستنباط حكم الله.
  • مراعاة تحصيل العلم وإيجاد الوسائل التي تدلل على هذا التحصيل، سواء أكانت بشكل رسمي كشهادات معتمدة من الدولة أو إجازات معترف بها ممن دانت لهم الأمة بريادة الاجتهاد، فتزكية شيوخ كبار لطلابهم ممن يرون فيهم القدرة على الإفتاء تعطى محددا لقراءة قانونية الفتوى.
  • اتساع الهياكل الرسمية للفتوى وفتح منافذ علمية أكثر اتساعا وتخصصا، كاعتبار الفتوى مادة تدرس وفتح معاهد تخصصية بل تخصيص كلية يتخرج منها طلابها يباشرون الفتوى للناس، فيكونون أهل تخصص وذكر فيها.

إن التقنين ليس محظورا في حد ذاته، ولكن تهيئة التقنين أهم وليس كل رسمي مرفوض ولا كل شعبي مقبول.


عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم