English

 

الثلاثاء. يناير. 9, 2007

شرعي » فتاوى الناس » أصول وقواعد الفقه والمقاصد

 

التشريع الإسلامي في مناهله

رؤية وحدوية في مسائل خلافية

نضير الخزرجي

Image

بالرغم من تمايز الشرائع ما بين شريعة سماوية وأخرى بشرية، فإن قاسم الشرائع جميعها منصب على خلق النظام في صفوف المجتمع الواحد، ولكن ما يميز شريعة الإسلام عن غيرها هو أنها شريعة متكاملة ومتطورة ومواكبة لتحولات العصور والدهور، ومنسجمة تماما مع ناموس الحياة والكون، لا يعجز الفقيه الحاذق عن إيجاد الفتوى والرأي الفقهي بين ثنايا نصوص القرآن الكريم والسنّة الشريفة، للمرونة المتوفرة في الفقه الإسلامي.

ولبيان معالم التشريع الإسلامي ومصادره، وقراءة معرفية لأصوله لدى المذاهب الإسلامية المختلفة، صدر عن بيت العلم للنابهين في بيروت، كتاب "التشريع الإسلامي في مناهله"، في 272 صفحة من القطع المتوسط، من إعداد الباحث والأكاديمي الفلسطيني، رئيس قسم اللغة العربية في جامعة حيفا، الدكتور خالد أحمد السنداوي، قدّم فيه للفصل الخاص بمصادر التشريع الوارد في كتاب "الحسين والتشريع الإسلامي" في جزئه الأول، للدكتور الشيخ محمد صادق محمد الكرباسي، وهو واحد من 32 مجلدا صدر حتى الآن من موسوعة دائرة المعارف الحسينية البالغة نحو 600 مجلد.

ولأن مصادر التشريع تشعبت بمرور الزمن، فإنه كما يقول السنداوي: "كثيرا ما تلتقي المذاهب الإسلامية من شيعة وسنة في أمور وتختلف في غيرها، وذلك لأن مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة لم تنتظم في سلك واحد لدى الفقهاء جميعا، فمنهم من عمل ببعضها ومنهم من أخذ بغيرها".

أسس التشريع

وأول ما يطالعنا من الكتاب هو "مصادر التشريع" التي يعرفها المعد بأنها: "السبل التي يستخدمها المجتهد لاستنباط الأحكام الشرعية، ويعتمد عليها في الوصول إلى مبتغاه"، وبالطبع ليس الأحكام كلها، لأنه كما يقول المؤلف: "في الشريعة الإسلامية وربما في غيرها ثوابت ومتغيرات وإن شئت فسمّها بالساكن والمتحرك".

فهناك ضرورات لا تطال إليها يد الاجتهاد، وهي: "تشمل جميع الأحكام المبينة من المحكمات وما ورد فيه نص إلهي أو نص نبوي.. مما لا خلاف عليه فلا يمكن تعديه، هذا هو الثابت من الشريعة وما تبقى خارج هذه الدائرة فهو المتحرك من هذه الشريعة، والمتغير من القانون، حيث تُرك المجال مفتوحاً أمام الفقيه أو الحاكم ليملأه حسب الحاجة طبقا للكتاب والسنة"، على أن الفقيه يبحث في التشريع المختص بالأحكام الشرعية لا العقائدية، لأن موضوع التشريع هو الفقه وليس الكلام.

ويقرر المؤلف أن للتشريع مادتين أساسيتين وهما: القرآن الكريم والسنّة النبوية، ووقع الخلاف بين المذاهب الإسلامية، في خمسة عشر موردا، وهي: سنة أهل البيت النبوي، الإجماع، العقل، القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، فتح الذرائع وسدّها، العرف، شرع مّن قبلنا، مذهب الصحابي، القرعة، الحيل الشرعية، الشهرة، السيرة، والأصول العملية.

وينفي المصنف عند تناوله موضوع "القرآن" كأول مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وقوع أي تحريف فيه، حيث يقول: "القول بالتحريف مردود من قبل المذاهب كافة ". ويصر الفقيه الكرباسي على ضرورة أن يغترف طالب العلم من معين القرآن بلغته العربية، لا الترجمة، لأن الترجمة مهما بلغت من قوة البلاغة والفصاحة، فإنها لا تفي بالغرض، لأن القرآن الكريم هو محل للفظ والمعنى، ولا يتوفر تلازم اللفظ والمعنى في الترجمة.

ويفصّل المصنف القول في موضوع "السنّة" بوصفها المصدر الثاني المقطوع به من مصادر التشريع الإسلامي، فيتعرض إلى مدلولها وحجيتها من عقل وقرآن وسنّة وإجماع، ثم يوسع في بيان سنّة أهل البيت بوصفها الامتداد الطبيعي لسنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ويلحظ أنه (صلى الله عليه وسلم) أمر بالرجوع إليهم (رضي الله عنهم) بنص حديث الثقلين (كتاب الله وعترتي) على خلاف القائلين (كتاب الله وسنتي) حيث ورد الحديث الأول متواترا، فيما انفرد في الثاني الإمام مالك بن أنس في الموطأ، فهو من الآحاد وجاء مرسلا مما يحمل معه عوامل ضعفه.

ولو افترضنا صحة حديث (كتاب الله وسنتي) فإن الفقيه الكرباسي، لا يرى فيه غضاضة، إذ يمكن حمله على الصحة رغم الأحادية فيه والإرسال، ذلك: "فلو فرضنا صحة سندي النصين فلا تعارض بينهما - ليلغى نص العترة في قبال السنّة - بل إن رواية العترة مخصصة لرواية السنة، فيراد من السنة هو حديث العترة"، (ونعتقد أنه في كل هذا يحاول جاهدا ترجيح هذا الحديث على ذاك).

الإجماع سبق حضاري

وبعد أن يستوعب المصنف، البحث في القرآن الكريم والسنة، يدخل إلى الأصول المختلف عليها، ليبدأ من الإجماع، الذي يعني عند أهل اللغة، الاتفاق، وعند أهل الفقه والأصول هو اتفاق الأمة أو الصحابة أو العلماء.

ويعتقد الدكتور السنداوي أن "الإجماع بالإجمال أسلوب حضاري سبق المسلمون غيرهم إلى الأخذ بآراء أرباب العلم، ويأتي في المرحلة الثانية (الأكثرية)، مما يدل على مدى ديمقراطية الإسلام"، ويستعرض الدكتور الكرباسي أدلة النفي والإثبات، وأقسام الإجماع، لينفرد بذكر إجماع ثامن وهو "الإجماع الافتراضي أو التعليقي" الذي: "يعتمد على قبول نظرية، فلو التزم بها لكان الإجماع قائما عليها"، ويخلص إلى أنه: "بعيدا عن الخلافات حول متعلق الإجماع فإنه بالإجمال حجة عند جميع المذاهب وهو أحد الأصول المعتمدة في التشريع"، على أنه ليس أصلا بذاته.

وينتقل المصنف إلى العقل الذي يوصف بأنه: "القوة التي يدرك بها الإنسان ويحكم من خلالها على مدركاتها، وإنما سمي بالعقل لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك"، ويطالب الشيخ الكرباسي، من الفقيه المجتهد الجامع للشرائط أن يتحلى بعقلية قريبة من الفطرة الإنسانية والواقع المعيش والمذاق الإسلامي، مع ملاحظة أن للبيئة تأثيرا على نمط الفتوى والحكم.

وهذه رؤية فقهية متطورة ومتقدمة يدعو إليها المصنف منذ عقود، قال فيها المعد: "هذه النظرية جديرة بالاهتمام حيث إنها تتوافق مع صلب الإسلام من جهة، والتطور الاجتماعي وكلّ ملابساته من جهة أخرى".

ومن العقل، ينتقل المصنف إلى موضوع "القياس"، الذي وردت فيه تعريفات عدة، والذي يعني فيما يعني التعرف على حكم النظير من خلال علة مظنونة في نظيره، وفيما إذا لم يرد بذلك الحكم نص من الكتاب والسنة، على أن القياس واحد من الأصول المتنازع عليها بين المذاهب، يستعرض المصنف أدلة الإثبات والنفي، ويقف مع الأخيرة.

ثم يأتي بعد ذلك موضوع "الاستحسان"، وهو عد الشيء حسنا، مع اختلاف الفقهاء الأصوليين في تعريفه والاستدلال عليه، وحسب تعبير المعد، فإن: "الاستحسان: في الواقع لا يغني عن الحق شيئا وإنه مجرد عد الشيء حسنا كما عرّفه اللغويون وهذا هو الرأي بعينه وربما أضاف بعضهم بعض الشروط ليقيدها بما يلائم القواعد الأصولية". وهو عند المصنف لا يعد دليلا في قبال الكتاب والسنة والعقل والإجماع.

ليست أصولا برأسها

وينتقل المصنف بعد ذلك لبقية المصادر معرجا على كل واحد منها فمثلا "المصالح المرسلة"، مركبة من كلمتين: المصالح وهي جمع المصلحة وتعني كل ما في فعله أو تركه منفعة، والمرسلة، وهي مؤنث المرسل وهو الذي لم يحدد ولم يقيد.

وينتهي الفقيه الكرباسي إلى أن المصالح المرسلة: "إما مردّها إلى الدليل العقلي أو إلى النص الإلهي أو النبوي، فلا معنى لعدها دليلا مستقلا ووصفها في قبال الكتاب والسنة والعقل، وأما إن كان خلفيتها الرأي والقياس وما إلى ذلك فهو مرفوض كما أثبتنا ذلك".

ثم موضوع "الذرائع" أو سد الذرائع وفتحها، أي بمعنى الوسيلة، مبينا اختلاف الفقهاء في تعريفها وحدودها وحجيتها، وينتهي إلى أنها ليست أصلا برأسها.

كذلك موضوع "العُرف"، الذي يعني في اللغة: ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول، ويعنى في الأصول: ما تبناه المجتمع من دون إنكار. وينتهي إلى أن "العرف ليس أصلا برأسه ليضاهي الكتاب والسنة بل مآله إما إلى العقل أو إلى السنة".

وينتقل بعده إلى موضوع "الشرائع السابقة"، أو ما اصطلح عليه بـ "شرع من قبلنا شرع لنا"، وهي الشرائع المنزلة على أنبياء الله، واستقصى الأقوال في حجيتها، وانتهى إلى أن "الشرائع السابقة ليست بأصل قائم لوحده بل مرجعه إلى الكتاب والسنّة".

ثم يتحدث عن موضوع "مذهب الصحابي"، أو ما عبر عنه بقول الصحابي أو رأيه أو فتواه، ويشرح معنى الصحابي وحجيته وماهيته، وانتهى بالقول إلى عدم إمكانية: "الاعتماد على مذهب الصحابي كأصل في التشريع بل لا يمكن الركون إليه في قبول روايته أيضا بمجرد كونه صحابيا إلا بعد التثبت من عدالته".

أيضا "الحيل الشرعية"، أو ما اعتبره هو الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف، وشبّه الكرباسي، دور الفقيه بدور المحامي: "حيث يسلك طريقا قانونيا ليخلص موكله من المأزق الذي وقع فيه، ويسمى بالتحايل على القانون" ولكنه في إطار القانون، فالحيلة الشرعية كما يقول المصنف: "إن كانت من هذا النوع بمعنى سلوك طريق شرعي آخر دون أن يصطدم بحكم شرعي آخر أو يضيع حقاً أو ما شابه ذلك فلا إشكال فيه"، ولكنه ليس مصدرا مستقلا بذاته.

وينتقل المصنف إلى موضوع "الشهرة" والتي تعني في اللغة الذيوع والوضوح، وعند المحدثين بالشهرة الروائية دلالة على استفاضة رواة الحديث، وعند الفقهاء بالشهرة الفتوائية، دلالة على شيوع الفتوى وذيوعها، وخلاصة الأمر أن: "الشهرة ليست أصلاً بل من المسائل المرتبطة إما بالسنة وعلومها أو بالإجماع وفروعه".

وأخيرًا يتحدث عن "السيرة"، و"القرعة"، و"الأصول العملية"، حيث عرف السيرة بأنها تعني حسن السيرة بين الناس، والقرعة تعني السهم والنصيب، وإجالة شيء بين أطراف مشتبهة لاستخراج الحق من بينها، والأصول العلمية تعني أساس الشيء، وبتعبير الأصوليين، القواعد التي يستندون إليها في استنباط الأحكام، وانتهى المصنف إلى أن جميعها ليست أصلا من الأصول التشريعية.

وقد انفرد الفقيه الكرباسي بوضع جدول لمصادر التشريع المشار إليها وفق المذاهب الإسلامية السبعة المتداولة اليوم على أرض الواقع (الإباضية والإمامية والحنفية والحنبلية والزيدية والشافعية والمالكية)، مما يسهل على طالب العلم، وأي قارئ آخر معرفة الفروقات بصورة ميسرة ومعلّمة.

والخلاصة أن الكتاب يحاول تقديم رؤية علمية وحدوية في مسائل خلافية، على طريق التقريب ببين تلك المذاهب التي يحاول البعض تضخيمها لتحقيق مكاسب سياسية في حقيقتها.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم