|
أصدر مجمع البحوث الإسلامية مؤخرا قرارا يقضي بأن تكون دار الإفتاء هي المؤسسة الوحيدة التي يحق لها إصدار الفتاوى في مصر، كما لا يحق لأحد أن يعلق على فتاواها إلا مجمع البحوث نفسه إذا لزم الأمر، ولا يسمح بالإفتاء لأي جهة أو فرد بشكل مباشر.
ومثل هذا القرار يراه البعض محاولة للسيطرة على ما يمكن تسميته فوضى الفتاوى التي انتشرت، خاصة على الفضائيات، والآخرون يرونه مصادرة لحق أصيل من حقوق العلماء الأثبات، فضلا عن الخوف من أن يكون مقدمة لقرارات أخرى أشد صرامة.
وهناك من تتعدى نظرته لهذا القرار تلك الآفاق، حيث يرى فيه امتدادًا لمخطط يهدف إلى تأميم الفتاوى، وجعلها في يد النظم الحاكمة لخدمة أغراض سياسية بالأساس، مدللا بأن هذه الخطوة سبقت بها أقطار عربية أخرى كالأردن والمغرب وغيرهما، ما يوحي بأنها فكرة يتم تمريرها لكافة الأقطار الإسلامية لذلك الهدف.
التكييف القانوني
بداية وحتى تنضبط الرؤية لا بد من معرفة مكانة دار الإفتاء الحقيقية، ووضعيتها القانونية داخل المجتمع. وفي هذا السياق يؤكد الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة بجامعة الإسكندرية أن دار الإفتاء عندما أسست كان المقصود أن تكون مصدرا للآراء الفقهية لوزارة العدل وليس لكل المؤسسات المصرية، وحتى هذه اللحظة لا تزال تبعيتها لهذه الوزارة قائمة، وما زلنا نطالب أن تنفصل دار الإفتاء وتكون هيئة مستقلة تابعة لرئاسة الوزراء، أو رئاسة الدولة.
ويضيف: "إن صدور قرار على هذا النحو يشير إلى أن الأزهر قد تجاوز اختصاصه بحصر الفتوى على جهة واحدة، أما إذا كان الأزهر يريد بهذا القرار أن تكون دار الإفتاء هي الجهة الرسمية التي تلجأ إليها الدولة ومؤسساتها فيما تريده من آراء شرعية فمن حق الدولة أن تفعل ذلك.
ويستطرد قائلا: "إنه حتى لو قصد بقرار الأزهر ذلك فإنه يكون تجاوز لهيئة مهمة في الدولة وهي مجمع البحوث الإسلامية، وأيضا به تجاوز للدور الذي يقوم به علماء الأزهر في كليات الشريعة وأصول الدين والدراسات الإسلامية وبها تخصصات شرعية، وإلى هذه الكليات ينتمي مفتي مصر كما ينتمي شيخ الأزهر".
وعلى أية حال فإن د. إمام يعتبر أن هذا القرار غير صائب، على اعتبار أنه ليس له وجود واقعي، كما أن إصداره لا يعني تنفيذه. بل إنه يرى استحالة هذا التنفيذ.
ويؤكد أن الإفتاء وظيفة أهل الاختصاص من العلماء كل في تخصصه، وليس وظيفة مؤسسة وحيدة بعينها، ولا تملك أي جهة تخصيص دار الإفتاء وحدها أن تكون هي المختصة بالفتوى.
في حين أبدى المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة في حوار سابق مع شبكة إسلام أون لاين.نت انزعاجه من مثل تلك القرارات ورأى عدم دستوريتها لكونها تعد حجرا على آراء الناس؛ فلكل إنسان الحق بل كل الحق في أن يعبر عما يراه من آراء كيفما شاء وفقا للحجة التي يستند إليها، وحينئذ يكون للآخرين الحق أيضا في الاعتراض وفقا لحجج وأدلة أخرى.
واستطرد: "أما إذا أردنا مواجهة سيل الفتاوى المتدفق هذا، فليست هذه هي الطريقة الصحيحة، بل أرى أن ذلك يمكن أن يكون عن طريق توعية الناس وإظهار الرأي الصحيح والدعوة له".
الرقابة مرفوضة
|
| د. عبد الصبور شاهين |
وهذا ما يتخوف منه الدكتور عبد الصبور شاهين المفكر الإسلامي حيث يشدد على أنه يرفض القرار بالكلية إذا كان مقصودا به التمهيد لتقنين الفتوى وضرورة إعطاء من يفتي ترخيصا بها، أو إصدار قانون للإفتاء، معللا ذلك بأنه لا يمكن فرض نوع من الرقابة في إبداء آراء العلماء في القضايا المختلفة.
ويضيف: إذا كان الهدف من هذا القرار هو محاولة إيجاد نوع من الانضباط بعض الشيء، خاصة أن الفضائيات فتحت المجال لمن لا علم لهم، فإنها تكون الحالة الوحيدة التي يمكن أن يكون فيها هذا القرار مقبولا.
غير أنه يشدد على ألا يكون القرار مانعًا من أن يقول العلماء آراءهم لمن يستفتيهم، حتى وإن كانت فتاواهم الفردية تخالف أو تعقب على فتوى دار الإفتاء.
تلوين الفتوى
وحول رؤية علماء الأردن الشرعية لهذا القرار من خلال تجربتهم السابقة في توحيد جهة الفتوى بقانون تنظيمي. يوضح الدكتور محمد على الزغول عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة مؤتة أن هذا القرار له جانبان أحدهما إيجابي والآخر سلبي.
ويرى أن الجانب الإيجابي يتمثل في ضرورة أن تكون جهة الفتوى في القضايا العامة موحدة، خاصة أن المجتمعات الإسلامية تشكو اليوم من كثرة الفتاوى، وتضاربها.
ويوضح الدكتور الزغول أن قضية الفتاوى التي حدثت بعد حرب الخليج هي أن القادة الدينين في كل دولة كانوا يفتون بفتاوى مختلفة، فأصبح الدين تبعا لأهواء الناس، وكان من الواضح أن الفتوى كانت سياسية، فبدأ الناس يشعرون بخطورة هذا التوجه.
واستطرد: إن الأردن قامت بتوحيد جهة الفتوى من منطلق الشعور العام من الناس بأن الفتاوى أصبحت غير شرعية، وأصبح التضارب هو الأصل، لذا لزم أن تكون هناك جهة موحدة يأخذ عنها الناس الفتوى بثقة.
وعن الجانب السلبي لهذا القرار يشير الدكتور محمد علي الزغول إلى أن القرار قد يفهم على أنه تغليف للفتوى بلون معين، كما أنه لا يمكن أن يقال إن الفتوى تحصر على مشايخ الأزهر أو جهة بعينها، في القضايا المعيشية اليومية المتجددة.
ويركز الدكتور الزغول على أنه من غير المتصور أن يكون قرار الأزهر يعني توحيد المرجعية في الفتاوى الجزئية في المسائل الشرعية، لأنه لا يمكن لدار الإفتاء المصرية أن تغطي مناطق مصر كلها بالفتوى.
ويضيف أنه من الأرجح أن القرار يجعل دار الإفتاء مختصة بالفتوى في المسائل العامة التي بحاجة إلى توحيد كقضية الحرب أو السلام، وليس المسائل الجزئية.
لا يمكن تحقيقه
وعن كون ذلك القرار خطوة لتأميم الفتوى أو تسييسها أوضح الدكتور محمد على الزغول أن ذلك غير محقق، خاصة أن الفتاوى ما زالت تطلق في المسائل المعيشية بين الناس من العلماء، ولا يمكن لأي قانون منعها.
ويلمح إلى أن مساحات الحريات اتسعت ويستطيع الإنسان أن يعبر عن رأيه خاصة الرأي الديني، ويقول: "إن العالم لا يمكن أن يفتي بمسائل تخالف الشرع لأن الفتوى الخاطئة ستجد من يردها من مختلف العالم الإسلامي بصرف النظر عن المفتي، وذلك دون الحاجة فيها إلى قرار".
وشدد على أنه لا ينبغي أن ننظر دائما لمثل هذه الأمور، وكأننا نعيش في عصر تحكمنا فيه القوى الاستعمارية، فنقول إن قرار توحيد جهة الإفتاء يعد تأميما أو تسييسا للفتوى.
ويختتم الدكتور الزغول قائلا: "إن قرارا مثل قرار الأزهر لا يمكن أن يمثل خطرا على مستقبل الفتوى، لكن الحساسية من مثل هذه القرارات هي التي تثير الضجة".
ليس مصادرة
|
| د. عبد الرحمن العدوي |
على أن أعضاء مجمع البحوث دافعوا عن قرارهم بشدة، وأكدوا أنه لا يعني أبدا مصادرة على مشاركة العلماء في إفتاء الناس، إلا أنه يقصد بالأساس غير المتخصصين الذين يبدون آراءهم في الفتاوى التي تكون في أمور معلومة من الدين بالضرورة.
أكد ذلك الدكتور عبد الرحمن العدوي عضو مجمع البحوث الإسلامية وأضاف: "أما الفتوى التي تحتاج إلى معرفة الدليل الشرعي من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي تعرف المقارنة بين الأدلة والترجيح بينها وتقديم بعضها على بعض وكل هذا، يرجع فيها للمتخصصين".
وعن سبب صدور هذا القرار في ذلك التوقيت يوضح د. العدوي أنه جاء ليقضي على هذه الفوضى التي انتشرت بسبب اقتحام غير المتخصصين الفتوى وتعليقاتهم على الفتاوى من غير علم.
ويضيف: "إن القرار يعلن موقف الأزهر الرسمي من أنه ينبغي على الذين ليسوا أهلا للفتوى ألا يتصدوا للكلام في دين الله؛ لأن ذلك يُحدث بلبلة عند الناس ويجعلهم يتعبدون عن غير هدى".
ويستطرد قائلا: "لذلك كان لا بد من قرار واضح وصريح بأن المرجعية في الفتوى لا بد أن تكون مرجعية معتمدة وهي التي يرجع إليها، ويثق الناس في كلامها، وتكون على علم تام بدين الله فلا تحيد عنه".
ويؤكد د. العدوي أن قرار المجمع يتفق مع القرآن الكريم الذي قال فيه تعالى: "فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"[التوبة:122]. فالذين ينذرون قومهم ويعطونهم الأحكام الشرعية هم المتخصصون في الدين، وليس لأحد أن يتهجم على أحكام الله.
تأهيل علمي
وعن أهمية أن يكون هناك قرار من الأزهر بجعل دار الإفتاء هي المختصة بالفتوى في مصر ولا يجوز التعليق عليها يلمح الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية أن هذا القرار متفق مع ضرورة التأهيل العلمي لمن يتصدى للفتوى.
ويضيف أن دار الإفتاء في مصر يرأسها أستاذ من علماء الأزهر الشريف، ويعمل فيها خبراء مؤهلون علميا يبدون الرأي النهائي للمفتي الذي هو موثوق بعلمه، وعليه فإذا كانت هناك مسألة تقتضي فتوى وقالت فيها دار الإفتاء برأي فهو رأي علمي مبني على أصول الإفتاء.
ويشير إلى أن هذا يقضي على فوضى الإفتاء التي انتشرت الآن وأصبحت تمثل ظاهرة في الفضائيات والصحف والمساجد، خاصة أن جعل دار الإفتاء هي الجهة التي لها الكلمة الأولى يعطي الاطمئنان عن صدورها من جهة متخصصة.
ويطالب د. عثمان أجهزة الإعلام بضرورة الالتزام بهذه التوصية لأنها المرجع الأخير في فتح المجالات أمام الناس لتتكلم في مسائل الدين، بحيث لا تستضيف سوى المتخصصين المتمكنين علميا ودينيا.
تنظيم للفتوى
يرى الدكتور أحمد يوسف سليمان رئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة أن هذا القرار نوع من تنظيم فوضى الفتوى، كما أنه يمثل مسألة أمن معنوي لدى الجماهير حينما يشعرون أن لهم مرجعية وحيدة وأخيرة يرجعون إليها إذا اختلفوا.
ويؤكد أنه على الرغم من إمكانية أن تخطئ دار الإفتاء في أي فتوى إلا أن القرار يعطي الحق بوجود مرجعية أعلى هي مجمع البحوث الإسلامية حيث ينص القرار على حقه في التعليق على فتاواها.
ويشدد د. سليمان على أن هذا القرار و إن لم يكن ملزما بقوة القانون فهو ملزم أدبيا، داعيا الفقهاء ومن لهم دراية بالفتوى أن يتوقفوا عن إصدار الفتوى حتى تتوحد جهة الإفتاء ويطمئن الناس لمرجعيتهم في هذا المجال.
ويضيف أن هذا شيء يريح الغيورين على الدين ويطمئن قلوب العامة ويقلل من الخلافات قدر الإمكان، وهو ما يؤدي إلى لم الشمل وإغلاق الباب أمام المشككين من الجهلاء الذين ليست لديهم معرفة بسعة الفقه الإسلامي.
أما الدكتورة عفاف النجار عميدة كلية الدراسات الإسلامية بنات، فتعتبر القرار حكيمًا لأنه -حسب تعبيرها- لا يجب ترك الفتوى لغير المتخصصين، بالإضافة إلى أن صدور الفتوى من دار الإفتاء يجعلها أكثر توثيقا لأنها خرجت من أهل للفتوى.
وتضيف أن نص الأزهر في قراره على أن مجمع البحوث هو المعقب الوحيد على فتاوى دار الإفتاء المصرية أمر صائب، حتى لا يتم تجريح الآراء الفقهية من غير المتخصصين، كما أن مجمع البحوث الإسلامية به علماء لهم رؤى صائبة في الفتاوى.
وترفض الدكتورة عفاف النجار اعتبار قرار الأزهر مصادرة لحقوق العلماء المتخصصين، مشددة على أنه "ينبغي ألا يعتبر ذلك القرار استبعادا للمتخصصين، وإنما هو استبعاد لغير المتخصصين وبيان الموقف للناس".
صحفي مصري
|