|
| غياب الإصلاح.. مسئولية السلطة أم الشعب؟ |
في الفترة الأخيرة كثيرا ما سمعنا عبارة تتردد مفادها أن الشعب لم يبلغ بعد درجة من النضج تؤهله لممارسة الديمقراطية، والمشكلة التي تطرحها علينا هذه المقولة أنها تفتح نقاشا لا يؤدي إلى أي نضج لا على مستوى قائليها ولا على مستوى معارضيها.
فالرافضون لهذا الطرح يؤكدون أننا شعب له من التاريخ والحضارة ما يجعل هذه المقولات ضرب من العبث والتدجيل، فكيف يمكن أن نكون شعبا وقف الخلق ينظرون كيف يبني قواعد المجد وحده -كما قال حافظ ابراهيم وتغنت أم كلثوم- ثم يوصف بعدم النضج والتخلف.
وأصحاب مقولة عدم نضج الشعب غالبا ما يرتكزون على فكرة أن معارضيهم ليسوا إلا مجرد (شعبويين) يمارسون غوغائية تجعلهم عاجزين عن النظر إلى الواقع بكل ما فيه، وما عليهم إلا أن ينظروا لتعامل المصريين مع فكرة (الطابور) وكيف يحاول الجميع هدم هذه الفكرة على بساطتها حتى إن تحججوا بأن هناك شعور عام بوجود أزمة تؤدي إلى تكالب المصريين دون انتظار دورهم وتصوروا أن ما يسعون لنيله سوف ينفذ أو يتلاشى نتيجة للشعور بأن هناك دائما أزمة؛ إلا أن المؤيدين لفكرة عدم النضج يحاولون دحض ذلك قائلين: ما عليكم إلا أن تنظروا لتصرفات الأغنياء الذين لا يعانون من أزمة وهم ذاهبون إلى موائد الطعام المفتوحة في الأعراس والحفلات وكيف يتعاملون مع كميات الطعام وكأنهم قادمين وذاهبين إلى مجاعة.
هذا الجدل على ما قد يبدو فيه من (منطق) ينسى أو يتناسى قاعدة بسيطة ظهرت بكل وضوح في حوار رائع في فيلم الكيف، عندما دار حوار بين تاجر المخدرات الذي تضخم وتوحش وبين أستاذ الكيمياء الذي يحاول أن يتحاور معه بالمنطق الأخلاقي، فما كان من التاجر إلا أن بدأ في سرد مشوار حياته الذي أوصله إلى ما هو فيه؛ فقال: (أنا ابتديت حياتي ببيع الشاي للعمال أمام أحد المصانع، وفي يوم حدثت أزمة في الشاي فقررت أن أضيف إلى الشاي نشارة الخشب، واستمر العمال في شرب الشاي بتلك النشارة، واستمر الحال يسير على هذا، إلى أن قرر موردو نشارة الخشب أن يغالوا في أسعارهم، فقررت أن أعود إلى بيع الشاي دون أن أغشه بالنشارة، إلا أن العمال لاحظوا اختلاف الطعم واتهموني بغش الشاي وانفضوا من حولي).
هذا السرد الذي أبدعه كاتب الحوار لو حاولنا أن نسقطه على الواقع السياسي والاجتماعي في مصر لوجدنا أن السلطة التي تجبر الناس على ممارسة سلوكيات التصاغر واللف والدوران لتفادي البطش السلطوي، إضافة إلى تعميق الجهل بحقوق الفرد وحقوق غيره من الأفراد.. هذه الصيغ التي تشكل إطار واقعنا السياسي ترسخ لدى الناس قبولا وتأقلما مع ما تعيشه، وإذا ما حدث لسبب أو لآخر أن سعت السلطة لتجميل أو تقليل ما تمارسه من قهر للناس، فسوف تصطدم بما لدى الناس من مخزون القهر؛ مما يفشل محاولات الإصلاح السلطوية حتى وإن كانت جادة.
وهكذا يبدو الشعب كما لو كان غير مقبل على التطوير أو الإصلاح أو كما لو كان غير ناضج كما أخبرونا دون أن نتوقف أمام كل ما قامت به السلطة عبر أكثر من نصف قرن من أجل الدفع بالناس لما وصلوا إليه.
وحتى لا نجد أنفسنا أسرى لفكرة أن ما علينا إلا أن نستسلم لما نعيشه وكأنه قدر محتوم لا فكاك منه، علينا أن نبحث عن الإمكانيات الممكنة لدفع نخبنا رغم كل ما لديهم من مشاكل وهموم وتخوفات لممارسة دور حقيقي في مواجهة استسهال السلطة لممارسة القهر كلما فتح مواطن فمه حتى من أجل التثاؤب، وهذه المواجهة التي لا مفر منها لابد أن يصحبها جهد حقيقي من هذه النخب لإخراج الناس من حالة التأقلم مع ما لا يجب التأقلم معه.
فهل تكون نخبنا على هذه الدرجة من النضج لنصبح شعبا ناضجا لا تدهسه سلطة غير ناضجة لا تخجل من أن تعايره بعجزه عن مجاراة الإصلاح الذي تريده؟ دعونا نأمل..
(يمكنكم المشاركة من خلال خدمة أضف تعليقك)
|