|
| الدكتورة نادية اعتبرت أن موقف اليهود والإسرائيليين واحد في إنكار الحق الفلسطيني |
اتفق خبراء ومحللون مصريون على أن الحوار الثلاثي بين الأديان (الإسلامي- المسيحي- اليهودي) هو مجرد مدخل للتطبيع مع إسرائيل، استنادا إلى تجاهل مثل هذا النوع من الحوار للانتهاكات الإسرائيلية وحقوق الفلسطينيين، واقتصاره فقط على الأبعاد القيمية والإنسانية التي يتفق عليها الجميع.
جاء ذلك في ندوة تحت عنوان "حوار الأديان.. مراجعة وتقويم"، نظمها برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات التابع لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، بالتعاون مع شبكة إسلام أون لاين.نت، في الفترة من 5-6 مايو 2009.
ومن جانبه رفض الكاتب المصري سامح فوزي، في كلمته التي ألقاها أمام المؤتمر، مثل هذا النوع من الحوار، معللا ذلك بأنه "ليس انطلاقا من تصورات شعبية أو إيديولوجية سياسية أو حتى تصورات نفسية"، ولكن من "اعتبارات أكثر عمقا" تنبع بشكل أساسي من الخبرات السابقة لمثل هذه النوع من الحوار (الثلاثي) والتي توحي بأن هذا الحوار "بلا قيمة".
وللتدليل على رأيه استعرض الكاتب المصري دراسة لباحث أمريكي من أصل فلسطيني يدعى محمد أبو النمر تتناول قضايا الحوار الثلاثي بين أهل الأديان في المنطقة العربية، مركزا على الخبرة الفلسطينية بوصفها "خبرة مهمة تفتح الآفاق حول مسارات الحوار الثلاثي".
حوار بلا تاريخ
وأشار فوزي إلى أن "الملاحظة العامة التي خلص إليها الباحث الأمريكي بناء على مراجعة كل أدبيات الحوار وإجراء مقابلات مع شخصيات مشاركة فيه من كل الأديان، تتمثل في أن الحوار يكون حول قيم مشتركة، ولا علاقة له بالسياسة المباشرة على أرض الواقع".
وحتى يتم نزع السياسة عن الحوار، بحسب الكاتب المصري، "كان هناك عدة شروط توضع لإتمام مثل هذا الحوار: أولها ألا ينخرط في الحوار أي شخص له انتماءات سياسية من أي نوع، الأمر الثاني لا يسمح بأن يصدر عن الحوار موقف مشترك حتى لو في قضايا متعلقة بالقيم المشتركة التي تناقش داخل هذا الحوار.
أما الأمر الثالث فيتمثل في عدم وجود أي مساحة لمناقشة القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبالأخص قضيتي مصادرة الأراضي والقدس، بل إن فتح أحد الأطراف لهذه الموضوعات سرعان ما يقابل بالرفض وربما إنهاء الجلسة"، بحد قوله.
وبناء على هذه الخبرة، يتساءل الكاتب المصري "عن أي حوار ثلاثي نتحدث، وهناك طرف، ناهيك عن أنه يمارس عدوان، هو بالفعل محتل لأرضك ويصادر هذه الأرض باستمرار".
وأضاف: "لا يوجد مشكلة في القيم المشتركة ولكن ما هي المقاصد الأساسية لمثل هذا الحوار؟.. إذا كان الحديث عن تحقيق تفاهمات مشتركة فالتفاهمات المشتركة حاضرة والقيم الإنسانية العالمية ليست محل جدل.. ولكن المشكلة فيما يحدث على أرض الواقع".
على الطريقة الإسرائيلية
وقدم فوزي دليلا آخر يثبت من خلاله عدم جدوى الحوار الثلاثي، وهو عبارة عن كتاب عن الأقليات في الشرق الأوسط لأستاذ جامعي إسرائيلي "له انتماءات لجهاز الدولة الإسرائيلي، يدعى موردخاي نيسانن وهو أكاديمي يحاضر في كثير من جامعات العالم وكتبه تطبع أكثر من طبعه في أهم دور النشر في العالم".
ويقوم الافتراض الأساسي للكتاب على أن "العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في المنطقة لابد أن تقوم على افتراض محوري هو كسر الهيمنة العربية السنية في الشرق الأوسط".
ويرى المؤلف الإسرائيلي، كما يشير فوزي، أن "قيام إسرائيل كسر جزءا من هذه الهيمنة على صعيدين: الأول إحياء لغة مختلفة عن اللغة العربية، والثاني الانفصال بكيان لتأسيسه، ومن ثم على المسلمين من غير السنة والمسيحيين فعل الشيء نفسه، وهو إما الانفصال لغويا أو جغرافيا".
ويشدد الكاتب المصري على أن "ما طرحه الكاتب (الإسرائيلي) ليس مجرد مشروع فكري بل مشروع دولة بكاملها"، مستشهدا على ذلك "بكم الإحالات التي قام بها الباحث (الإسرائيلي) لسياسات وتصريحات مسئولين إسرائيليين".
وبناء على الاعتبارات السابقة، يفرق فوزي بين جدوى الحوار الثلاثي، وجدوى الحوار الإسلامي المسيحي من خلال عدة أمور، قائلا: إن الأخير هو "حوار يرتبط بالأرض، أما الحوار الثلاثي فيرتبط بالتفريط في الأرض.
الملمح الثاني من الحوار الإسلامي المسيحي هو أنه حوار يرتبط بالقضايا والتحديات المشتركة الوطنية ولعل في مقدمتها قضيتي الاحتلال والقدس، أما الحوار الثلاثي فحوار يتطلب التخلي عن مثل هذه القضايا بشكل واضح، ليس هذا فحسب بل التخلي عن المنطق الذي يقف وراء المطالبة بهذه القضايا.
"النقطة الثالثة أن أطراف الحوار الإسلامي المسيحي مهما بلغ بهم الشطط فلا يستطيعون أن ينكروا أن الحوار يجري في إطار وطن واحد، أما الحوار وفق التصورات الثلاثية فهو حوار قائم على التفكيك في المقام الأول"، بحد تعبير فوزي.
وهناك نقاط أخرى للاختلاف، بحسب الكاتب المصري، فـالحوار الإسلامي المسيحي مهما بلغ شطط الأطراف المشاركة فيه هدفه المشاركة والمساواة في إطار الوحدة، أما الحوار الثلاثي فيعتبر الوحدة خطرا عليه، وأن التعامل يتم مع كنتونات دينية، تصبح إسرائيل "أختا" لها.
ومضى قائلا: "كما أن الحوار الإسلامي المسيحي هو حوار ديني حول مصير مشترك، البعد التاريخي حاضر في هذه الإطار، بينما الحوار الثلاثي هو حوار حول مستقبل مشترك بلا أي بعد تاريخي أو حضاري".
لا فرق بين يهودي وإسرائيلي
وتماشيا مع طرح الكاتب سامح فوزي، اعتبرت د.نادية مصطفى، أستاذة العلاقات الدولية ومديرة برنامج الدراسات الحضارية وحوار الثقافات، أن الحوار الثلاثي في هذه المرحلة هو "أمر غير ممكن على الإطلاق"، وذلك انطلاقا من قناعة مفادها أنه إذا كان السلام الرسمي قد فرض على العرب في العلاقة مع إسرائيل، فإن التطبيع الشعبي مع إسرائيل لا ينبغي أن يتم على الإطلاق".
وإذا كانت هذه القناعة، كما تشير د.نادية، قد تولدت لديها قبل الدخول في حوارات مع أطراف يهودية، "فإن المشاركة في مؤتمرات دولية قد أثبتت أنه ليس هناك فارق بين الإسرائيليين واليهود على الإطلاق، حيث أن الخفي والمستتر وراء الحوارات مع اليهود هو رفض الاعتراف بمشاكل الفلسطينيين وحقوقهم".
وأضافت: "غالبا ما تتحدث الأطراف اليهودية المشاركة في المؤتمرات الدولية الكبرى عن الإنساني والمشترك والتعاون، وتنسى الموضوع المتصل بإسرائيل وإذا تم فتح الموضوع فإنهم لا يتحدثون بسوء عنها ولا يدافعون عن الفلسطينيين".
وتخلص أستاذة العلاقات الدولية من ذلك إلى أن "الحوار الثلاثي غير ممكن.. فخبرة الحوار الثلاثي في فلسطين لا تنفصل بأي حال عن خبرة الحوار في أوروبا وأمريكا لأنه لا يوجد حوار ثلاثي في أوروبا وأمريكا إلا ويستدعي قضية فلسطين".
الحوار والتطبيع
وعلى عكس الطرحين السابقين، ترى د.باكينام الشرقاوي، مدرسة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أنه لابد من فتح الحوار مع اليهود، و"ضرورة عدم ترك الساحة حتى لا يملأها الطرف الآخر".
وإذا كان الحوار لن يغير كثيرا من معتقدات الطرف الآخر، حسبما تشير الشرقاوي، "فإنه على الأقل سيحجم من تأثير هذا الطرف على الآخرين، ومن ثم أصبح الوجود (في المؤتمرات الدولية التي تشارك فيها أطراف يهودية) في حد ذاته أمرا بالغ الأهمية".
وتشدد الشرقاوي على ضرورة "التفرقة بين التطبيع بمعنى إنشاء علاقات طبيعية مع الطرف الإسرائيلي، وبين التواجد في مؤتمرات دولية تحجم من هذا التطبيع، وأننا لا ينبغي أن نتعامل مع الحوار باعتباره بديلا عن المقاومة بل باعتباره أحد سبل المقاومة".
باحث سياسي.
|