English

 

الاثنين. مارس. 11, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
روابط خارجية  
أهم الأخبار  

جورجيا.. القوات الأمريكية والروسية وجهًا لوجه *

عاطف معتمد عبد الحميد

Image
مع المضي المتسارع الخطى لأحداث الحملة الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب الدولي ظهرت جورجيا - دون مقدمات - على خريطة الصراع العالمي، بالإعلان عن إرسال قوات أمريكية إلى أراضيها.

وواقع الأمر أن هذا الظهور قد تأخر كثيرًا، فجورجيا تشغل واحدًا من أهم المواقع على الخريطة الجغرافية السياسية للعالم المعاصر. فعلى الرغم من صغر مساحتها التي لا تزيد إلا قليلاً عن مساحة شبه جزيرة سيناء (70.000 كم2) وعدد سكانها البالغ نحو 5.5 ملايين نسمة، وأراضيها التي تشغل الجبالُ منها نسبة عظمى، فإنها تحتل موقعًا فريدًا بين البحر الأسود وبحر قزوين في إقليم، من أكثر الأقاليم أهمية – على المستوى السياسي والاقتصادي، هو إقليم القوقاز.

كما أنها تحتل تاريخيًّا مكانةً هامة في مركب القوى، وخاصة في عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي وعلاقتها مع روسيا.

جورجيا.. رحلة قصيرة في المكان والزمان

تحيط روسيا بجورجيا كليةً من الشمال، وكذلك تفعل تركيا من الجنوب، بينما تحدها أرمينيا وأذربيجان من الجنوب الشرقي، هذا في الوقت الذي تتنفس فيه جورجيا من الرئة الساحلية على البحر الأسود في الغرب.

وداخل الأراضي الجورجية توجد جمهوريات ذات حكم ذاتي تسكنها عناصر سكانية غير جورجية، كجمهوريتي أبخازيا وأجارا.. هذا إضافة إلى جمهورية أوسيتيا الجنوبية بسكانها ذوي العرق الأوسيتي.. بينما ينتمي الجورجيون عرقًا ولغةً إلى جماعات الكارتفيل Kartvielians التي سكنت الإقليم منذ أمد بعيد.

وتدين جورجيا بالمسيحية (الكنيسة الأرثوذوكسية) منذ القرن الرابع الميلادي.

ومن المحطات المهمة في التاريخ الجورجي فترة الحكم الإسلامي بأهم مراكز الأراضي الجورجية، حينما كانت للخلاقة الإسلامية في القرن السابع الميلادي إمارة تبليس (تبليس العاصمة الجورجية الحالية) التي  بلغت أوج ازدهارها خلال تلك المرحلة.

ومنذ القرن الثامن وحتى القرن الثالث عشر كان لجورجيا دولة قوية مستقلة.

ومع بداية القرن الثالث عشر دُمر كثير من منجزات الحضارة في جورجيا تحت سنابك خيول الغزو التتري المغولي.

وفيما بين القرن الرابع عشر والثامن عشر وقعت جورجيا مسرحًا لغزوات تركية وفارسية، وبدا أن نهاية القرن الثامن عشر قد حملت استقرارًا وهدوءًا في ظل عقد الاتفاقية الروسية -الجورجية في 1783 لضمان استقلال جورجيا.

ولكن هذا الهدوء لم يكن أكثر من هدوء سبق عاصفة ضم روسيا القيصرية لجورجيا مع بداية القرن التاسع عشر، وباعتبارها جزءًا من الإمبراطورية الروسية متعددة الأعراق، لم يتخل ممثلو الشعب الجورجي عن الفكر الداعي إلى استقلال جورجيا عن الجسد الروسي وسيادتها.

وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان هناك توجه متزايد الوضوح لبعث الوعي القومي للشعب الجورجي.

وانتقلت الحركة القومية الجورجية نقلة نوعية في صراعها لنيل الاستقلال مع نشوب الثورة البلشفية في 1917.

وفى يناير 1921 حصلت جورجيا على اعتراف قانوني من قبل دول التحالف - وإن لم تحظ بعضوية في عصبة الأمم، وسرعان ما أصدر ستالين أوامره بدخول الجيش الأحمر جورجيا في 1921.

ومع التوجه نحو البيريسترويكا** في نهاية الثمانينيات تحركت المياه الراكدة، واستطاعت جورجيا – بعد مسلسل متوالي الحلقات من الأحداث الدرامية - أن تكون ثاني جمهورية (بعد لاتفيا) تُعلن رسميًّا في 9 أبريل 1991 عن استقلالها التام عن الاتحاد السوفيتي.

ومنذ الاستقلال تعيش جورجيا مرحلة انتقالية من تاريخها بعد نحو سبعة عقود من النظام السوفيتي، سبقتها عقود طويلة من القبضة القيصرية.

ملاحظات حول التدخل الأمريكي في جورجيا

 أُعلنت الأسباب الظاهرية التي تقف خلف إرسال قوات أمريكية إلى الأراضي الجورجية وكان أهمها:

- تعقُّب أكثر من سبعة آلاف مقاتل من تنظيم القاعدة فروا إلى جبال القوقاز، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والتدريب للقوات المسلحة الجورجية.

- كما أُعلن، ظاهريًّا كذلك، عن موقف روسيا بتصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القمة غير الرسمية لكومنويلث الدول المستقلة في نهاية فبراير 2002 أن هذه الخطوة لا تعتبر "حدثًا تراجيديًّا"، وإنما المشكلة تتمثل في أن هذه الخطوة جاءت سرًّا، ودون إعلان مسبق، وألمح في إشارة ذات مغزى إلى أنه لماذا نلوم جورجيا في الوقت الذي فعلت الشيء نفسه بعض دول الكومنويلث؟

ويبدو أن تحليل مقولة بوتين يؤكد الوصف الذي يطلقه بعض المحللين على أن قيام كومنويلث الدول المستقلة لم يكن أكثر من ورقة توت أخفت سوءة المشاركة في انهيار الاتحاد السوفيتي، وضمنت في الوقت ذاته ميلاد هذه الدول دون آلام المخاض العسرة التي تصحب تلك الأحداث التاريخية لتفكك ثاني قطبي العالم.

وبصرف النظر عن هذه الأسباب المعلنة، فإننا - إذا ما راجعنا الظروف الجغرافية والسياسية المرافقة لخطوة إرسال القوات الأمريكية إلى جورجيا في خضم الأحداث الجارية - لا يمكن أن نغفل الحقائق التالية:

1- أن هذه الخطوة تأتي والعلاقات الجورجية - الروسية علاقات أحسن ما يقال عنها أنها علاقات "غير طيبة".

ومن مؤشرات التوتر في علاقات البلدين:

- اتهام الرئيس الجورجي إدوارد شفرنادزة لروسيا بتدبيرها حوادث اغتيال للتخلص منه.

- لهجة العداء التي تطلقها وسائل الإعلام الروسية تجاه جورجيا، ولعل أشهرها اتهام جورجيا خلال الحرب الشيشانية الثانية بأن الحدود الجورجية – الشيشانية تشهد تسريبا للمقاتلين الشيشان الذين تنعتهم روسيا بالعصابات الإرهابية، بل إلى الاتهام "بدعم الإرهابيين أعداء روسيا".

وليس آخر مظاهر تلك اللهجة ما أعلنه عضو مجلس الدوما (البرلمان) الروسي جينادي جودكوف والعضو السابق في هيئة مكافحة التجسس الروسية (في حديث أجرته معه صحيفة برافدا الروسية 28-2-2002) من أن "جوهر المشكلات الروسية - الجورجية يتمثل في إدوارد شفرنادزة، الذي لا يعمل إلا لحسابه الشخصي، وتنبثق سياسته من أهداف جماعات المصلحة، وتوجهه الأساسي نحو تدعيم كرسي رئاسته".

- أن تعقيدات العلاقات الروسية - الجورجية كثيرة ومتشعبة، ليس أقلها أهميةً تلك النظرة الروسية إلى شيفرنادزة باعتباره "رجل أمريكا في القوقاز الجنوبي".

- وفي الوقت الذي تستعين فيه جورجيا بالقوات الأمريكية، فإنها ترمي بأعينها إلى القوات الروسية بإقليم أبخازيا المنفصل عن جورجيا.. والاتهام الجورجي لروسيا بدعمها لانفصال الإقليم الذي يؤكد الباحثون – الروس على الأقل - أنه ليس "لتبليس" أية سيطرة عليه، ولا تنكر بعض المصادر الروسية أن استيلاء المقاتلين الأبخاز على مدينة سوخومي – أهم المراكز العمرانية بأبخازيا - لم يتأتَّ إلا بدعم روسي.

2- يأتي التطلع الجورجي إلى التعاون مع الولايات المتحدة في ظل مشكلات اقتصادية عديدة تواجهها الدولة، فقد استتبع انسلاخ جورجيا عن الشيوعية وامتلاك ناصية استقلالها عديدًا من المشكلات العسرة.. وكان على رأس هذه المشكلات ضرورة البحث عن طريق يضمن لها تحولاً آمنًا من الاستقلال القانوني إلى الاستقلال الفعلي، وارتبط بذلك ما حملته جورجيا على عاتقها من موروثات النظام القديم، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي طفت فجأة على السطح.

فارتباط الاقتصاد الجورجي بعجلة الاقتصاد السوفيتي أدى إلى إصابته بالشلل عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، وسرعان ما وجدت جورجيا نفسها في أزمة اقتصادية ضربت بنيتها الصناعية والزراعية؛ مما اضطر عديدًا من السكان إلى هجرة الدولة إلى دول مجاورة من بينها روسيا (تشير بعض التقديرات إلى أن إجمالي عدد المهاجرين بلغ 0.75 مليون نسمة).

3- أن هذه الخطوة تأتي وروسيا ترصد الاقتراب الأمريكي من بحر قزوين – الخليج العربي الجديد - بثروته وأهميته الجغرافية السياسية.

ويربط كثير من المحللين بين الأزمة الأفغانية الحالية والرغبة الأمريكية في السيطرة على مناطق النفط، ويفترضون وقوع سيناريو مشابه لسيناريو حرب الخليج الثانية في عام 1991 الذي حقق للولايات المتحدة بسط سيطرتها على منطقة الخليج، وتثبيت قواعدها العسكرية في أكبر مناطق إنتاج النفط في العالم.

وتشير التقديرات إلى أن الاحتياطي المؤكد لبترول بحر قزوين يتراوح بين 18 و 34 بليون برميل، بينما يصل الاحتياطي المحتمل إلى 250 -270 بليون برميل.

وإذا كانت هذه التقديرات لا تمثل سوى ثلث احتياطي بترول "الشرق الأوسط" (وهى نسبة كبيرة) فإنها على الأقل تفوق تقديرات الاحتياطي المؤكد لبترول بحر الشمال (والبالغ 17 بليون برميل) كما تفوق الاحتياطي المؤكد للولايات المتحدة (البالغ 22 بليون برميل).

وبالمثل نجد احتياطي الغاز الطبيعي في بحر قزوين له من المكانة ما يجعله منافسًا لمناطق عديدة في العالم؛ إذ يتراوح الاحتياطي المؤكد من الغاز الطبيعي بين 243 و248 تريليون قدم مكعب.

4- أن واحدًا من أهم احتمالات مد أنابيب النفط والغاز الطبيعي من بحر قزوين إلى السوق العالمي هو مدها من باكو في أذربيجان إلى جورجيا، ومنها عبر البحر الأسود إلى البحر المفتوح والسوق العالمي.

وهناك بالفعل خط من باكو إلى ميناء سوبسا الجورجي، كما أن هناك خطًّا آخر مقترحًا لنقل البترول والغاز من باكو إلى باتومي الميناء الجورجي الشهير.

ولعل التعاون الأمريكي الأخير يرفع من أسهم جورجيا في نقل بترول بحر قزوين، ويضعه في الوقت ذاته تحت أعين النسر الأمريكي، ويقلل من فرص خيارات أخرى لنقل البترول عبر أراضي دول تعاديها الولايات المتحدة، وعلى رأسها روسيا وإيران.

5- أن هناك تناقضًا واضحًا في المواقف المعلنة، تتلون فيها التصريحات بحسب طبيعة المشهد السياسي.

ففي الوقت الذي كانت تنفي جورجيا فيه أن هناك تسللاً شيشانيًّا إلى أراضيها، وأن الأراضي الجورجية لا يمكن أن تكون جبهة انطلاق أو معسكرًا خلفيًّا للمقاتلين الشيشان، عاد الرئيس شيفرنادزة ليقول في اجتماع قادة دول الكومنويلث في كازاخستان، أواخر فبراير وأوائل مارس 2002: إن عددا من "الإرهابيين" تسللوا إلى وادي بانكيسي على الحدود مع الشيشان، وإنهم يعملون الآن إلى جانب المسلحين الشيشان المناوئين لموسكو.‏

وأضاف أن الوضع في جورجيا صعب للغاية ويستدعي تدخل قوات أجنبية تمتلك الخبرة‏.‏

وشدد شيفرنادزة على أن الوضع في بانكيس يماثل الوضع في إقليم أبخازيا الجمهورية المعلنة من جانب واحد في جورجيا على البحر الأسود.

و‏يبدو أن الأسباب الخفية للخطوة الأخيرة بإرسال قوات أمريكية إلى الأراضي الجورجية أكثر من أن تحصر في هذه الملاحظات، إلا أن الثابت أن هذه الخطوة أعقد من أن تُشبّه بإسقاط أكثر من عصفور بحجر واحد.


خبير في الشئون الروسية

البيريسترويكا كلمة روسية معناها "إعادة البناء"، وهي اسم لسياسة اعتمدها آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي ميخائيل جورباتشوف، ودعا من خلالها إلى إعادة ترتيب البيت السوفيتي على أسس جديدة أكثر انفتاحًا؛ سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا، من قبيل السماح بحرية الممارسات الدينية، وتكوين جماعات المصالح، والانفتاح الاقتصادي… ولكنها جاءت متأخرة كثيرا، بالنظر إلى أزمات الاتحاد السوفيتي الداخلية المتفاقمة، ولم تحل دون تفككه.

*الخرائط من إعداد الكاتب، وتم معالجتها طبقا للمواصفات الفنية للموقع

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات