English

 

الاثنين. سبتمبر. 23, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » مصر

 
أهم الأخبار  

الحزب الوطني المصري.. تغيير أم تجميل؟!

محمد جمال عرفة

اجتماع الحزب الوطني
اجتماع الحزب الوطني
في أعقاب الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة (أكتوبر 2000)، وسقوط الكثير من مرشحي الحزب الوطني المصري الحاكم في دوائر عديدة (270 من مرشحي الحزب سقطوا، ونجح 172 فقط من أصل 442 مرشحًا).. بدأ تيار الشباب (الإصلاحي) الذي يقوده ابن الرئيس (جمال مبارك) في الإلحاح على طلب الضوء الأخضر من رئيس الحزب (مبارك) لمحاولة إصلاح الحزب الوطني، وتحسين صورته في الشارع المصري.

وعلى مدار العامين الماضيين نجح هذا التيار -نسبيًّا- في بلورة عدد من التغييرات تمس عمليًّا التيار التقليدي الذي يمثله رموز الحزب القديمة؛ انتظارًا للحظة التغيير المرتقبة في مؤتمر الحزب الثامن؛ ليخرج الحزب من المؤتمر ببعض التغييرات فيما يتعلق بالنظام الأساسي أو الرموز.

بل إن الأمين العام الجديد للحزب "صفوت الشريف" اعترف -في حوارات مع صحف معارضة ومستقلة عقب المؤتمر- أن انتخابات 2000 كانت اختبارًا للحزب، وما إن انتهت بسقوط رموز كبيرة للحزب حتى بدأت عملية التطوير للتخلص من الاحتكار الذي استنته قيادات "فرضت نفسها على العمل الحزبي، ولم تسمح به لغيرها" كما قال لـ"صوت الأمة" 23-9-2002.

ولهذا فرغم أن الحزب الوطني الديمقراطي المصري الحاكم عقد -منذ تأسيسه عام 1976 على يد الرئيس الراحل السادات- 7 مؤتمرات عامة، جاء مؤتمر هذا العام (2002) الثامن مختلفًا، وإن كان قد أثار جدلا بين القائلين بأن تغييرا وقع، والمؤكدين أن ما حدث مجرد عملية تجميل لم تمس القاع بعد.

بل إن مراسلين وصحفًا أجنبية نظروا للأمر نظرة مختلفة، معتبرين أن تعيين ابن الرئيس مبارك (جمال) -39 عامًا- على رأس أمانة السياسات بالحزب التي ستتولى رسم السياسات التي سينتهجها الحزب الحاكم، ومراجعة مشروعات القوانين التي تقترحها حكومة الحزب قبل إحالتها لمجلس الشعب.. هو مقدمة لتصعيد جمال كخليفة للرئيس مبارك على غرار ما حدث في سوريا رغم نفي مبارك ذلك عدة مرات، على اعتبار أن جمال تولى رئاسة أهم لجنة ترسم سياسات الحزب والحكومة، وتراجع مشروعات القوانين.

وخرجت جريدة "ليبراسيون" الفرنسية يوم 20 سبتمبر 2002 بمانشيت يقول: "مصر تتجه إلى توريث الرئاسة لأسرة مبارك"، وقال "كلود جيبال": "إن مصر تأخذ طريق توريث السلطة بعد أن وافق مؤتمر الحزب الوطني الديمقراطي على تعيين جمال مبارك ابن الرئيس على رأس السكرتارية المكلفة بالتوجيه السياسي للحزب. وهكذا يصبح جمال مبارك البالغ من العمر تسعة وثلاثين عامًا أحد الرجال الأقوياء في الحزب الحاكم، ويخطو خطوة إضافية في اتجاه مقعد الرئاسة"!.

ولمعرفة حجم التغيير ومداه ينبغي أولا النظر إلى الظروف التي واكبت عقد المؤتمر الثامن للحزب وما رافقها من أحداث؛ حيث واكب المؤتمر تأكيدات من شخصيات إعلامية كبيرة (نقيب الصحفيين إبراهيم نافع في أهرام 12-9-2002) أن القيادات الكبرى ستظل في مواقعها، وأن التغيير فقط سيكون في "الفكر"، دون إيضاح لما هو المقصود بالفكر.

ودفع هذا كُتابًا -مثل مصطفى بكري رئيس تحرير جريدة "الأسبوع" المستقلة - لنشر مانشيتات ضخمة تعبر عن الإحباط، كما جاء في الصفحة الأولى للأسبوع (16 سبتمبر 2002) تحت عنوان "الصدمة" و"قيادات الحزب الوطني باقون.. وحلم التطوير يتراجع".

أيضًا ظل الحديث يدور حول تغيير "الفكر" دون توضيح؛ اكتفاء بالشعار الذي رفعه الحزب وهو "فكر جديد"، ونشر إعلانات تلفزيونية تمجد الحزب وإنجازاته؛ وهو ما دفع آخرين للقول بأن حلم التغيير لن يتحقق، وإنه سيلحق بالأحلام السابقة عن تغيير الحكومات.

ومع أن التغيير المنتظر اقتصر على تغيير أكبر شخصية في الحزب، وهي الأمين العام "يوسف والي"، وإعطائه منصبًا شرفيًّا، هو "نائب رئيس الحزب للشئون الداخلية"، وجاء ببديل ليس جديدًا ولا شابًّا ومن الحرس القديم، وهو صفوت الشريف وزير الإعلام في منصب الأمين العام للحزب؛ فقد اعتبره البعض تغييرًا حقيقيًّا.

فمن الطبيعي ألا يقفز الرئيس المصري ورئيس الحزب بابنه جمال لمنصب الأمين العام مرة واحدة؛ لأنه لا يزال يفتقر للخبرة، ومن الطبيعي أن يأتي بشخصية قديمة ذات وزن مقبول نسبيًّا في الأوساط الإعلامية والمعارضة (الشريف قال: إن مهمته هي فتح حوار مع الأحزاب والنقابات). والأهم أن يسدل الستار على شخصية مثيرة للجدل أثارت غضب الشارع المصري بعد تفجر فضيحة المبيدات السامة (يوسف والي).

أما تعيين جمال مبارك في منصب أمين لجنة السياسات التي تم إنشاؤها حديثًا فهو تطعيم للقيادات القديمة بالحديثة؛ حيث ستتولى هذه اللجنة وضع السياسات العامة للحكومة، وإجازة القوانين التي ستذهب إلى البرلمان.

بعبارة أخرى: ستكون "أمانة السياسات" كما أكد صفوت الشريف وزير الإعلام المصري  18-9 -2002 "القلب النابض للحزب، وأداة الفكر الجديد"؛ وهو ما يعني -كما يقول "وحيد عبد المجيد" نائب مدير مركز "الأهرام" للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن "مراكز النفوذ والقوة في الحزب انتقلت إلى جيل جديد" من الناحية العملية.

ويمكن القول بأن هناك مؤشرات إلى أن المؤتمر خرج بتغييرات حقيقية وأخرى تقول العكس على النحو التالي:

مؤشرات التغيير، وتتلخص فيما يلي:

1- التغيير لم يقتصر على الأشخاص، ولكن امتد للنظام الأساسي للحزب، وأبرزه السماح -لأول مرة- بانتخاب رئيس الحزب من بين مرشحين آخرين، بعدما ظل الأمر أشبه بالتزكية؛ وهو ما يعني أنه سيكون هناك منافسون للرئيس مبارك في انتخابات رئاسة الحزب القادمة.

2- جناح الإصلاحيين أو الحرس الجديد بقيادة جمال مبارك نجح في السيطرة على 20 مقعدًا من مقاعد الأمانة العامة للحزب مقابل 5 لجناح الحرس القديم.

3- تم إبعاد يوسف والي الأمين العام للحزب منذ قرابة 20 عامًا إلى منصب شرفي، هو نائب رئيس الحزب للشئون الداخلية، رغم توقع أكثر المحللين المصريين قربًا للسلطة بقاءه.

4- تم تجريد أمين تنظيم الحزب "كمال الشاذلي" الذي يُعد الرجل الثاني من جيل الحرس القديم من قوته وتقليص صلاحياته عبر إنشاء عدة لجان جديدة تسحب العديد من صلاحياته، وأُعطيت رئاستها إلى الحرس الشبابي الجديد مثل أمانات: المالية والإدارية والعضوية.

5- صفوت الشريف -المنفتح نسبيًّا بحكم عمله كوزير للإعلام على غالبية القوى السياسية والمعارضة- من أنصار التطوير والتغيير، وتولي الشباب للمناصب، كما أنه حدد هدفه بوضوح في "فتح حوار مع كل الأحزاب والأشخاص والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني"، وهو أمر كانت تفتقر له القيادة السابقة التي دخلت في معارك مع المعارضة.

6- الأقباط (حوالي 8% من سكان مصر) فازوا لأول مرة بستة مقاعد في المكتب السياسي للحزب والأمانة العامة، فيما فازت المرأة بستة مقاعد أيضًا.

مؤشرات التجميل وعدم التغيير:

ومقابل مؤشرات التغيير يطرح محللون مؤشرات أخرى تنفي هذا التغيير، وتعتبر أن ما حدث ليس سوى تجميل أو في أحسن الأحوال تغيير جزئي (على حد قول مكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور المقرب من الرئاسة). وتتلخص فيما يلي:

1- التغيير الذي كان يتوقعه الكثيرون هو إبعاد غالبية قيادات الحرس القديم مثل يوسف والي وكمال الشاذلي، ولكن النتيجة كانت تصعيد والي لمنصب أعلى (بصرف النظر عن وصفه بأنه شرفي) هو نائب رئيس الحزب رغم مسئوليته المباشرة  -كما تقول الصحف المصرية الحكومية والمعارضة- عن فضيحة المبيدات الفاسدة التي تسبب السرطان كوزير للزراعة، وبقاء الشاذلي في منصبه.

وربما لهذا كتب "مجدي قرقر" أحد قياديي حزب العمل المعارض المجمد نشاطه يقول: في كل الفترات التي زادت فيها التكهنات بحدوث تغيير حقيقي يتناسب مع حجم الأحداث التي تستدعي هذا التغيير يُفاجأ الشعب بـ"جردل ميه ساقعة فوق دماغه" ليدرك أن "التغيير" يعني "لا تغيير"، وأن مجرى الحياة السياسية ما زال بركة راكدة!.

2- اثنان من أبرز رموز الحرس القديم ما زالا يتوليان أهم المسئوليات في الحزب، وهما الأمين العام الجديد صفوت الشريف، وكمال الشاذلي أمين التنظيم.

3-  النظام الأساسي للحزب بعد تعديله أصبح "مطاطًا"؛ بحيث يتم التغيير فيه والتعديل وفق الظروف؛ فعلى سبيل المثال تم زيادة أعضاء الأمانة العامة من 24 إلى 25 لاستيعاب أحد المرشحين، كما تم ابتداع منصب "نائب الرئيس للشئون الداخلية" لتسكين د. يوسف والي فيه، وتدشين مناصب أخرى وعدة لجان لصالح شخصيات الحرس الجديد، مثل لجان السياسات والعضوية والمالية؛ ما يعني استمرار الصراع بين الطرفين، وليس تغلب طرف على آخر.

4- قال صفوت الشريف الأمين العام الجديد -وهو يستعرض عيوب النظام القديم للحزب-: "إن نشاط الحزب اقتصر على مستوى الكبار، ولم يمتد للقاعدة العريضة.. والتغيير الذي تم في الحزب تم في نفس الاتجاه الخاطئ الذي يقتصر على القيادات الكبيرة دون القاعدة، وحتى لو امتد للقاعدة فسوف يحتاج الأمر إلى عدة سنوات".

5- التغيير في فكر الحزب الحاكم يقتضي بالضرورة تغيير فكره في كيفية التعاطي مع أحزاب المعارضة الأخرى، والسماح لها بنفس المزايا التي يجري توفيرها للحزب الحاكم؛ وذلك كمقدمة لتغيير هذه الأحزاب أيضا، وإعطاء دفعة للتجربة الديمقراطية، وهو ما لم يحدث بعد، حتى إن كُتابًا من المعارضة كتبوا يتساءلون: "متى ستعقد أحزاب المعارضة مؤتمراتها في إستاد القاهرة؟‍‍!".

المستقبل

يطرح التغيير الجديد في الحزب الوطني لصالح الحرس الجديد بقيادة ابن الرئيس المصري (جمال مبارك) تساؤلات حول مدى التغييرات التي سوف تتبع هذا على مستوى الحزب الحاكم وسياساته، خاصة أن الحزب يوجه انتقادات حادة لأحزاب المعارضة المصرية؛ باعتبارها ضعيفة، فيما تتهم الأحزاب المعارضة الحزب الحاكم بالهيمنة وعدم إعطائها الفرصة لحشد الجماهير.

كما يطرح تساؤلات حول المدى الذي سيذهب إليه الحرس الجديد في التطوير، وقبوله بشروط اللعبة الديمقراطية الحقيقية في الانتخابات، بعيدًا عن سياسة الحرس القديم الخاصة بضم المستقلين الفائزين في كل انتخابات (انتقد هذه الطريقة جمال مبارك) بهدف رفع نسبة عضويته في البرلمان، والسيطرة على عملية التصويت على القرارات والسياسات.

والأهم هو السلطات التي سوف يتمتع بها جمال مبارك مستقبلا بعدما أصبح يرأس أهم لجنة تقريبًا في الحزب؛ حيث تقف خلف سياسات الحزب وبرامجه ومواقفه والقوانين التي سوف يجري سَنُّها في مصر، وهل -كما يقول مراقبون أجانب- سيكون منصبه الحالي مقدمة لتولي "مناصب أعلى"، خصوصًا أنه رغم رفض والده (الرئيس مبارك) لتوليه مناصب أعلى لأسباب مختلفة، فإن أعضاء الحزب لا يعارضون توليه هذه المناصب الأعلى، لا سيما في ظل حالة الفقر الواضحة في القيادات الجديدة على الساحة السياسية نتيجة الاقتصار على جيلَي التنظيم الطليعي الناصري وجيل رجال الأعمال الجدد؟

بيد أن مراقبين يطرحون احتمالات أخرى للتغيير، منها أن يكون التغيير جزءًا من محاولة مصرية للتجاوب مع أعاصير 11 سبتمبر والانتقادات الحادة لمصر في الصحف الأمريكية؛ لكونها هي والسعودية لا تطبقان المعايير الديمقراطية السليمة.

ولو وضع هذا الأمر في الاعتبار فعلينا أن ننتظر خطوات أخرى نحو التغيير في الحكومة، وربما البرلمان (التكهنات تدور حول نظام انتخابي جديد بالقائمة وحكومة جديدة في أكتوبر).

مؤتمر الحزب الوطني الثامن ربما تضمن بالتالي تغييرًا ولو جزئيًّا، ولكن الحزب لا يزال في حاجة لعملية تطهير حقيقية لـ"شلة المنتفعين" التي تنتشر في الأحزاب الحاكمة في العالم النامي.. وبدون هذا ستظل العملية التي أجريت للحزب في 15 سبتمبر الجاري مجرد عملية تجميل.


  المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات