|
| برج إيفل |
باريس- تستعد فرنسا لخوض الجولة الأولى للانتخابات التشريعية التي ستنطلق يوم 9 يونيو وسط تخوف من عودة تيار أقصى اليمين ليخلط أوراق اللعبة السياسية من جديد. وتتسم استطلاعات الرأي الحالية بحذر شديد؛ حيث يؤكد مسئولو مراكز الاستطلاع على أنها مجرد استطلاعات وليست نتائج للانتخابات؛ وأن الناخب هو صاحب القرار. وذلك بعد أن جوبهت هذه المراكز بموجة من الانتقادات لفشلها في توقع صعود تيار أقصى اليمين ليحتل الرتبة الثانية في الدورة الرئاسية الأولى، ويقصي اليسار -أحد قطبي الحياة السياسية في فرنسا- إلى جانب اليمين التقليدي.
التصويت الناجع
في ظل هذا الترقب المشفوع بالتخوف من المفاجآت غير السارة حرص كل طرف سياسي خلال الحملة الانتخابية على دعوة الناخبين إلى "التصويت المفيد أو الناجع"، بمعنى ألا يتوانى المقترع عن الإدلاء بصوته، ويتحرى في الاختيار. وإذا كانت الخلفية الحزبية لترشيح قائمة هذا الطرف السياسي أو ذاك هي المقصودة بـ "التصويت الناجع" فإن اليمين واليسار التقليديين مجمعان على تجنب التصويت لفائدة أقصى اليمين والطرف السياسي الذي يمثله حزب الجبهة الوطنية بزعامة جون ماري لوبان الذي تحول إلى رقم صعب في الحياة السياسية الفرنسية.
في هذا الإطار أكثر اليمين -الذي لا يريد إضاعة فرصته بالحكم منفردا- من الإشارات التي توحي باعتماده سياسة متشددة ضد كل أشكال الانحراف والجريمة. ومن بين المقترحات التي تقدمت بها الحكومة اليمينية الحالية -برئاسة رافاران- إحداث مراكز مغلقة للمنحرفين من الشباب الذين لم يبلغوا بعد السن القانونية للحكم عليهم بالسجن، رغم انتقادات اليسار للتوجهات الردعية لليمين، وتفضيل المقاربة الوقائية التربوية على المقاربة الردعية القمعية لمعالجة الانحراف. كما استغل الرئيس شيراك زيارة الرئيس الأمريكي لفرنسا للتأكيد على وقوف بلده بقوة إلى جانب الولايات المتحدة فيما يسميه بمكافحة الإرهاب.
من جهة أخرى توالت عمليات مداهمة قوات الأمن والفرق الخاصة لأماكن تقول التقارير الرسمية بأن أصحابها يمتلكون مخابئ للأسلحة والمخدرات. وقامت وسائل الإعلام بتغطية تحركات قوات الشرطة ووزير الداخلية الجديد نيكولا ساركوزي لحفظ الأمن.
حملة إعلامية ضد لوبان
وعلى ذكر الإعلام، فإن النخبة الفكرية والإعلامية تعيش على غرار الطبقة السياسية هاجس عودة تيار أقصى اليمين. وقد عمدت مختلف وسائل الإعلام إلى التذكير بزلزال الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية وعرقلة تنامي هذا التيار، بعد أن وُجّهت لها بدورها انتقادات تحمّلها مسؤولية تنامي التيار العنصري في فرنسا نتيجة تركيزها على الجوانب السلبية في سلوك بعض الشباب من أصول عربية وإسلامية في ضواحي المدن الكبرى، حيث كثافة السكان من أصل مهجري، وتقديم صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين في فرنسا وخارجها.
وفي إطار الحملة ضد لوبان بادرت "لوموند" -كبرى الصحف الفرنسية في نشرتها الصادرة بتاريخ 4/6- بتقديم شهادات لأربعة جزائريين تعرضوا للتعذيب على يد لوبان خلال شهر فبراير 1957 في المرحلة الأخيرة من الاستعمار الفرنسي للجزائر، عُذّبوا في بيوتهم بحجة البحث عن الأسلحة بعد نجاح جبهة التحرير الوطني في تنفيذ إضراب لمدة أسبوع، ومن بينهم عبد الله عمّور ومصطفى مروان ومحمد عمارة من مناضلي الجبهة، تم تعذيبهم بالتيار الكهربائي واغتصاب امرأة أحدهم وإرغامهم على ابتلاع الفضلات، بالإضافة إلى التصفية الجسدية لأقرانهم.
التخويف من التعايش
بيد أن اليمين التقليدي الذي يحكم اليوم لا يقتصر تخوفه على تصاعد تيار أقصى اليمين فحسب، وإنما أيضا يخاف من عودة اليسار إلى السلطة من باب الحكومة في حال حصوله على نسبة من الأصوات في الانتخابات التشريعية تمكنه من فرض نفسه كطرف منافس لليمين التقليدي الذي يريد أن ينفرد بالسلطة. ذلك أن عدد النواب هو المحدد في تشكيل الحكومة، باعتبار أن الرئيس مضطر لاختيار وزير أول لرئاسة الحكومة من الأغلبية البرلمانية.
وتمحورت تصريحات رموز تيار اليمين التقليدي على رفض العودة إلى تجربة السنوات الخمس الماضية من التعايش بين رئيس دولة من اليمين ورئيس حكومة من اليسار. ويصفون هذه التجربة بأنها سلبية ونتائجها مأسوية على فرنسا، معللين ذلك بأن هذه الازدواجية في التوجهات السياسية لرأسي السلطة التنفيذية تعطل مؤسسات الدولة، وتمنع من إتمام عملية الإصلاح السياسي والاجتماعي؛ لأن الرئيس لا يمتلك آليات تنفيذ توجهاته على مستوى السياسة الداخلية في ظل حكومة من لون سياسي مختلف وأغلبية برلمانية لا تنتمي لتوجهاته.
في المقابل يحرص التيار اليساري على تحقيق التعايش السياسي، معللا موقفه بأن التعايش هو الحل الوحيد للحد من هيمنة اليمين على السلطة، وعودة الأحادية السياسية الحزبية على الساحة الفرنسية. وفي الواقع فإن اليسار متخوف من البقاء لخمس سنوات قادمة في المعارضة خارج دائرة القرار السياسي، ويرد على اليمين بأن التعايش لا يعني بالضرورة التفاهم التام على كل شيء، ويضرب المثل على الصعوبات الحاصلة بين شيراك وديستان رغم أنهما من نفس التيار اليميني.
في مثل هذه الظروف، فإن كل صوت له حسابه في الوقت الذي يشير فيه المراقبون إلى شدة التقارب في الأصوات بين اليمين واليسار، واحتمال أن تلعب الجبهة الوطنية دور الحَكم في الجولة الثانية للانتخابات التشريعية المقررة ليوم 16 يونيو الجاري.
محمد الغمقي صحفي وباحث في الشؤون الدولية- باريس.
|