|
| د. غازي ممثل الحكومة وسافاكير ممثل المتمردين عقب الاتفاق |
القاهرة- فجأة، وبعد 20 سنة من الصراع، و18 جولة فاشلة من المفاوضات، و33 يوما من التفاوض في الجولة الأخيرة توصل وفدا كل من الحكومة السودانية وحركة التمرد في جنوب السودان (حركة جون قرنق) إلى "بروتوكول ماشاكوس" -نسبة إلى المدينة الكينية التي احتضنت الاتفاق- الذي يعتبر أول اتفاق من نوعه يضع مبادئ عامة ومحددة للتفاوض عليها مستقبلا بشأن الجنوب.
الاتفاق -الذي وصف بأنه "اختراق" في العلاقات بين الطرفين اللذين أسفرت حربهما عن مقتل ما لا يقل عن مليونين، ونزوح 4 ملايين سوداني من مدنهم، وأوقف تنمية السودان تماما رغم موارده الهائلة- ليس اتفاقا نهائيا، ولكنه أقرب ما يكون إلى "إطار للتفاهم" أو "أرضية مشتركة" سيبدأ الطرفان البناء عليها في منتصف أغسطس المقبل؛ تمهيدا لاتفاق نهائي عندما يلتقيان مرة أخرى للتفاوض حول هذه المبادئ التي اتُفق عليها.
سر الاختراق لا يحتاج إلى تفسير عميق إذا ما علمنا أن الولايات المتحدة أشرفت عليه (ومعها الأمم المتحدة، ودول إيجاد الأفريقية)، ومارست ضغوطا كبيرة على الطرفين (اعترفا بها بالفعل) للتوصل إليه.
أما سبب هذا النشاط الأمريكي لإنجاز اتفاق بين الخرطوم والمتمردين -ومن قبل بين المغرب وأسبانيا- (رغم فشلها في حل قضية فلسطين والعراق مثلا) فهو النفط ولغة المصالح الاقتصادية، خصوصا إذا ما علما أن الحكومة الأمريكية الحالية ما هي -على حد قول صحف واشنطن- إلا "مجموعة من رؤساء الشركات الأمريكية السابقين"، خصوصا شركات النفط، بمن فيهم الرئيس بوش ونائبه تشيني!.
ولمزيد من تأكيد الهدف الأمريكي "النبيل" من السعي لتحقيق السلام في السودان عبر اتفاق بين الخرطوم وقرنق نشير إلى ما قاله مبعوث الرئاسة الأمريكية "جون دانفورث" يوم 18 يوليه 2002 عن ضرورة وقف حرب جنوب السودان.. فماذا قال؟!
قال دانفورث أثناء توقفه في سويسرا: إن "وقف الحرب الأهلية في السودان يمكن أن يفتح الباب أمامه (السودان) ليصبح دولة نفطية كبرى في أفريقيا".
وقال: إنه تم تكليفه من قبل "بعض إدارات الحكومة الأمريكية بإعداد ملف عن النفط السوداني، وكيفية توزيع عائداته"، وشدد على أن احتياطي نفط السودان قد يصل إلى 4 مليارات برميل.
ومعروف أن السودان ينتج حاليا 205 آلاف برميل يوميا تكفي حاجته ويصدر الباقي.
ضغوط أمريكية
وقد اعترفت حركة قرنق بتعرض مفاوضات ماشاكوس لضغوط من قبل الوسطاء الأميركيين والغربيين، ولم تعط تفاصيل. كما أكد دبلوماسيون سودانيون أن نفس الضغط مورس على الخرطوم عبر وسائل مختلفة، منها تصريحات مضادة للخرطوم من الرئيس بوش نفسه.
وبررت مصادر سودانية دبلوماسية بالقاهرة سر الضغوط لإنجاز هذا الاتفاق مع قرنق بعدة أسباب، على رأسها مسألة البترول الذي بدأ السودان يستخرج كميات تجارية منه بشكل كبير، وكشفت الدراسات عن وجود احتياطات كبيرة منه؛ وهو ما دفع الولايات المتحدة للضغط على قرنق هذه المرة لقبول الاتفاق؛ أملا في عودة الشركات الأمريكية النفطية للسودان بجوار الشركات الصينية والماليزية والكندية العاملة حاليا.
وقال هؤلاء الدبلوماسيون: إن هزائم حركة قرنق العسكرية الأخيرة في الجنوب والشمال الشرقي، وخسارتها مدنا هامة كانت تسيطر عليها، وكذلك تخلي أوغندا وأثيوبيا وإريتريا عنها.. كل ذلك دفع أيضا باتجاه قبول الاتفاق المبدئي الذي ستستكمل المفاوضات حوله في منتصف أغسطس المقبل.
كذلك اتهمت مصادر في المعارضة السودانية الرئيس عمر البشير بأنه تنازل عن جنوب السودان أمام ضغوطات، وربما إغراءات من جانب الولايات المتحدة، مؤكدة أن الرئيس البشير تلقى وعودا أميركية براقة مقابل توقيعه الاتفاق الذي يحدد 6 سنوات لإعطاء أبناء الجنوب حق تقرير المصير، وهو ما سعت إليه الولايات المتحدة، ورفضته الحكومات السودانية المتعاقبة.
فهل نقول إن من تدابير القدر أن الدولة العظمى في العالم بدأت تعيد حساباتها وتراجع مواقفها العدوانية ضد دولة ضعيفة مثل السودان؛ فقررت -بعد أن صحا ضميرها- أن تقوم بطرح خطة للسلام في هذا البلد بين الحكومة والمتمردين الجنوبيين، وتغدق عليه الأموال ضمن خطة شاملة للتعمير؟! أم أن لغة المصالح والطمع في بترول السودان الواعد، والرغبة في إجهاض مبادرة السلام العربية (المصرية - الليبية) أيضا وراء هذا الاهتمام الأمريكي المفاجئ؟!
فقد أفردت الولايات المتحدة الأمريكية صفحة خاصة للسودان -كما هو الحال بالنسبة للعراق وإيران- في سجلات حكوماتها المتعاقبة من قبيل أن هذا البلد له تأثير كبير على مصالحها في أفريقيا عموما.
وعندما بدأ السودانيون يستخرجون بترولهم (سيمتلكونه بالكامل عام 2004 بعد سداد كل مستحقات الشركات الأجنبية التي كانت تقتسم الربح) أقدمت الولايات المتحدة على خطب ود السودان، ونشرت صحفها أنباء عن خطط تعمير أمريكية للسودان، شماله وجنوبه، وتعيين مبعوث خاص من أجل السلام في السودان، والمشاركة في الوساطة لحل مشكلة الجنوب!.
ولا شك أن الاعتبارات الاقتصادية ألقت بثقل كبير وراء الضغوط الأمريكية للتوصل لاتفاق؛ لحجز مقعد ظلّ خاليا بجوار الشركات الأوروبية والآسيوية والكندية التي تقوم بنشاطات عديدة هناك على حساب منافساتها الأميركية.
المكاسب والخسائر
يقول ألف باء علم التفاوض السياسي: إن الضغوط الخارجية على طرفي أي نزاع غالبا ما تأتى على حساب الطرفين بمكاسب وخسائر معا، ولهذا فمن الطبيعي أن يتعادل الطرفان في هذه النواحي نسبيا، طالما أن مصلحة الوسيط هي إنجاز أي اتفاق (انظر ملخصا لتنازلات كل طرف في الجدول المرفق بالمقال).
| التنازلات التي قدمتها حكومة السودان |
التنازلات التي قدمتها حركة قرنق |
| (1) القبول بإلغاء دستور 1998، وإنشاء دستور مركزي جديد. |
(1) قبل المتمردون بمهلة 6 سنوات، يبدأ بعدها الاستفتاء على فصل الجنوب أو انضمامه للشمال، مقابل 4 سنوات فقط طالبوا بها، و10 سنوات طالبت بها الحكومة. |
| (2) القبول بفكرة فصل الدين عن الدولة، بما سيترتب عليها من تشريعات في الدستور الجديد المركزي، قد تستبعد الشريعة كمصدر رئيسي للتشريع. |
(2) حركة قرنق كانت تطالب بحق تقرير مصير جنوب السودان ومناطق أخرى في الشمال مثل النيل الأزرق وجبال النوبة ومنطقة إيبي، ولكن الاتفاق نص على حق تقرير المصير للجنوب فقط. |
| (3) تم الاتفاق على أن الشريعة هي "أحد مصادر التشريع"، في حين أنها في دستور 1998 هي مصدر التشريع، ولا يجوز تجاوز التشريع لها. |
(3) حركة قرنق طالبت بحكومة انتقالية ذات قاعدة عريضة تضم معارضي الخرطوم في "التجمع الوطني الديمقراطي"، ولكن تم رفض ذلك من قبل الحكومة والوسطاء، واقتصر الأمر على حكومة انتقالية من الحكومة الحالية وحركة التمرد فقط. |
| (4) قبلت الخرطوم بعقد "مؤتمر دستوري"، وكانت ترفض ذلك من قبل. |
(4) كانت حركة قرنق تطالب بديمقراطية تعددية حقيقية قبل الاتفاق، ولكن تم إسقاط هذا الطلب. |
فقد أكد مفاوضون من الطرفين أن المفاوضات كانت تسير في طريق الفشل مثل سابقاتها، ولكنها هذا الاتفاق أنجز في اليوم الأخير بتنازلات من الخرطوم قبلت فيها "الحد الأدنى لمطالب حركة قرنق"، وتنازلات للمتمردين قبلوا فيها بقصر الحديث عن مناطق جنوبية دون مناطق أخرى كانوا يطالبون بحق تقرير المصير لها.
ولهذا قال رئيس الوفد الحكومي د. غازي صلاح الدين: إن ما حدث كان "قفزة في مضيق بين جبلين"!.
واللافت أن عدم فهم ما حدث في ماشاكوس كان سببا في البلبلة والحديث عن اتفاق غير معلن بسبب إعلان "نص البروتوكول" دون "الاتفاق النهائي" الذي لم ينجز بعد.
أما أهم ما تم التوصل إليه فيمكن إيجازه في النقاط التالية -استنادا إلى تصريحات المسئولين السودانيين ومسئولي حركة التمرد-:
الاتفاق يتضمن 3 محاور أساسية هي: ترتيبات المرحلة الانتقالية ومدتها 6 سنوات، والعلاقة بين الدين والدولة، ومسألة تقرير المصير.
تم الاتفاق على أن تتاح فرصة 6 أعوام كاملة يتم فيها وقف القتال العسكري وإنشاء حكومة انتقالية فيدرالية وأخرى جنوبية ولائية على غرار بقية ولايات السودان، وإنشاء دستور فيدرالي بهدف دمج الجنوب مع الشمال، على أن يُسمح بإجراء استفتاء في نهاية هذه السنوات للجنوب ليقرر مصيره بالبقاء في السودان الموحد، أو بالانفصال، أو بشكل من الكونفدرالية (أي دولتان منفصلتان تتعاونان في الشئون الخارجية معا).
وفقا لما سبق سيتم إقامة 3 كيانات -كما قال ياسر عرمان المتحدث باسم المتمردين-سودانية هي: الشمال، والجنوب، والكيان المركزي، وسيشمل الاستفتاء 3 بنود هي: الوحدة، والحكم الذاتي، والانفصال النهائي عن السودان.
اتفق الجانبان -كما يقول أمين حسن عمر عضو الوفد الحكومي السوداني- على تكوين حكومة اتحادية قومية، يتم فيها تمثيل الجنوبيين، سواء من حركة قرنق أو غيرها (حركة قرنق تمثل قبيلة الدينكا فقط، وهناك قبيلتا الشلك والنوير أيضا في الجنوب)، إضافة إلى تكوين حكومة إقليمية في الجنوب، بجانب حكومات الأقاليم، ويكون لها تشريع ما تراه.
بالنسبة لمحور الدين والدولة تم الاتفاق على إقامة كيان جنوبي له دستور علماني، يشرع فيه الجنوبيون ما يشاءون، وكيان شمالي يحكمه النظام الحالي بالدستور الذي يختاره، أما الكيان الثالث المركزي فيخضع له الطرفان اللذان يخضعان أيضا إلى دستور مركزي يُفترض أن يتضمن الاتفاق الجديد النهائي الذي سيتوصلان له في مفاوضات أغسطس المقبل.
تم اتفاق مبدئي على أن تكون الشريعة "أحد مصادر التشريع" في البلاد، بجانب إجماع الأمة (العرف).
بالنسبة لمحور حق تقرير المصير (في نهاية الفترة الانتقالية) لن يتم قبل مرور 6 سنوات. وتقرير المصير ليس معناه التصويت على خيار الانفصال فقط، ولكن أيضا على خياري: الوحدة والحكم الذاتي.
عقبات ومشاكل
ليس معنى الاتفاق أن كل الأمور تسير سيرا حسنا؛ فهناك العديد من المشاكل والخلافات التي ما زال يختلف بشأنها الطرفان، وربما تحمل في طياتها فشل الاتفاق النهائي:
-يطالب الجنوبيون بأن يتم تأجيل وقف إطلاق النار إلى ما بعد التوصل لاتفاق شامل، في حين تطالب الخرطوم بوقف إطلاق النار فورا.
-بالنسبة للمؤتمر الدستوري تعتبره الحكومة مؤتمرا لإنجاز دستور اتحادي مركزي شامل، فيما تعتبره حركة التمرد مدخلا لإشراك كل قوى المعارضة السودانية الشمالية والجنوبية، وتطبيق الديمقراطية التعددية.
- يطالب المتمردون بأن تضم الحكومة الانتقالية قوى المعارضة الأخرى في التجمع الوطني السوداني، وحزبي الأمة والاتحادي، فيما تقصر الحكومة السودانية الحكومة على الحكومة الحالية في الخرطوم، إضافة إلى ممثلين للجنوب بصفته الجغرافية.
-أيضا هناك خلافات بشأن توزيع الثروة في الجنوب والشمال، وتوزيع عائدات البترول (واشنطن تساند المتمردين في هذا الطلب).
-قضية الجيش والسلاح، حيث أكد ياسر عرمان المتحدث الرسمي باسم الحركة أن الحركة تطالب بجيش لكل كيان من الكيانين، بالإضافة إلى تحديد حدود الكيان الجنوبي، وتوزيع الثروة -خاصة النفط-، وإعادة هيكلة السلطة المركزية ومؤسساتها السيادية والتشريعية، في حين ترفض الخرطوم فكرة الجيشين.
- من المحاور الشائكة في المفاوضات المقبلة تحديد حدود الكيانين: الجنوبي والشمالي؛ إذ تتمسك الحكومة بالحدود التقليدية للجنوب وفق خارطة 1956، لكن الحركة تريد -بالإضافة إلى الجنوب التقليدي المعترف به وفق تلك الخارطة- ضم منطقة إيبي وجبال النوبة وجبال النيل الأزرق.
المسألة إذن لم تحسم نهائيا، ولا يزال الملف مفتوحا في المفاوضات المقبلة، ومعه كل الاحتمالات الداخلية والخارجية، خصوصا أن دولا مجاورة كمصر لها رأي معروف سابق ورافض لأي حديث عن استفتاء على فصل الجنوب.
وما أعلن عنه في اتفاق ماشاكوس ليس جديدا، وسبق التفاوض حوله عشرات المرات، ولكن الجديد هو موافقة الطرفين على ما سبق التفاوض حوله، مع تغييرات في الموقف بنسب مختلفة.. ويبقى أنه لولا تحولات المصالح في العالم لما رأى الاتفاق المبدئي النور حتى الآن!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|