English

 

الاثنين. يناير. 27, 2003

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » السودان

 
أهم الأخبار  

إسرائيل في السودان.. حقائق وتبريرات

أحمد تهامي عبد الحي

في الآونة الأخيرة أخذ المتمردون في جنوب السودان يسجلون انتصارات كبيرة، وتعددت التصريحات الرسمية السودانية التي تعزو هذه الانتصارات إلى أسباب خارجية تدور حول الدعم العسكري الإسرائيلي. ولكن من الخطورة بمكان أن تعزو الحكومة السودانية فشلها العسكري والسياسي إلى هذا التورط، من أجل إعفاء النفس من المسئولية، أو تجنبا لتحديد جوانب القصور في أداء الحكومة في المجالات السياسية والعسكرية.

السودان في الإستراتيجية الإسرائيلية

تقوم الرؤية الإستراتيجية الإسرائيلية للسودان على المحاور التالية:

1- إستراتيجية شد الأطراف:

اعتمدت إسرائيل مبدأ "شد الأطراف" أو ما يطلق عليه الإسرائيليون "نظرية التخوم" أو "التحالف المحيط"، باعتبار أنها محاصرة بدول عربية معادية، ولذلك يتوجب عليها أن تبحث عن حلفاء في الدائرة الخارجية خلف الدائرة العربية المحيطة، وفي أوساط الأقليات العرقية والدينية في الدول العربية والإسلامية، التي تشكل جميعها "احتياطيًّا للصداقة"(1)، ومن ذلك المسيحيون في السودان.

2- إستراتيجية النقب والسيطرة على البحر الأحمر:

ومن زاوية الجغرافيا السياسية فإن السودان يتمتع بموقع إستراتيجي بارز على البحر الأحمر، فهو يشرف على الطريق البحري المؤدي من باب المندب إلى "إيلات" (أم الرشراش)، وبالتالي فهو يشكل موقعا مهما في إستراتيجية النقب والسيطرة على البحر الأحمر التي اعتمدتها إسرائيل منذ الثلاثينيات من القرن العشرين، وقد توسعت أهداف إسرائيل لتشمل البحر الأحمر كله بعد إغلاق مضيق باب المندب في حرب 1973، حيث طورت إسرائيل وجودها البحري، وتحاول ممارسة سيطرة عسكرية على باب المندب تنطلق من قواعد في بعض الجزر الصغيرة عند مدخل المضيق(2).

3- المياه:

فالأحلام الصهيونية حول الوصول لمياه النيل ما زالت قائمة، وذلك من خلال ممارسة الضغط المائي ضد مصر والسودان، والالتفاف على الرفض العربي لنقل مياه النيل لإسرائيل، ولذلك تقوم إسرائيل بتكثيف التعاون مع دول حوض النيل في مشروعات مشتركة يمكن أن تقلص حصتي مصر والسودان من المياه.

ويهتم الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي عموما بالدول الواقعة على سواحل البحر الأحمر والدول التي توجد في أعالي النيل، نظرا لما تمثله من مجال حيوي لإسرائيل يمكن أن يساعدها في التغلغل في آسيا وأفريقيا والالتفاف حول العالم العربي والضغط عليه.

الأنشطة الاستخبارية الإسرائيلية

تعد النشاطات الإسرائيلية في السودان من المسائل الغامضة في تاريخ السياسة الخارجية والأوساط الاستخبارية الإسرائيلية، وقد كُشف النقاب حديثا عن بعض أبعاد هذا النشاط التي تعود إلى خمسينيات القرن العشرين مع بلورة مبدأ شد الأطراف. ففي أجواء العزلة الإستراتيجية التي كانت تمر بها إسرائيل في الخمسينيات كانت كل صلة سرية أو علنية في ذلك الحين مع أي دولة عربية تعتبر إنجازا سياسيا إستراتيجيًّا من الدرجة الأولى.

واستفادت إسرائيل من النزاع بين مصر الناصرية في ذلك الوقت والحكومات السودانية المناوئة، وأسفر توالي الاتصالات عن توقيع اتفاقيات تجارية وإرسال خبراء ومستشارين في المجالات الزراعية والعسكرية. ولكن الهدف الإستراتيجي تمثل في إقامة المثلث الجنوبي الذي يشكل إطارا سريا للتعاون بين مخابرات السودان وإسرائيل وإثيوبيا، إلى جانب المثلث الشمالي الذي يشمل المخابرات الإيرانية والتركية والإسرائيلية. وكان هدف السودان من الاستعانة بإسرائيل هو كسب الرأي العام اليهودي في الغرب من أجل الاستقلال.

إلا أن الجيش السوداني عاد في 1969 برئاسة الجنرال جعفر النميري، وسار على خط مصر بالنسبة للصراع العربي - الإسرائيلي، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى زيادة دعمها لحركة التمرد "الأنيانيا" في الجنوب بالمدربين والخبراء وإرساليات السلاح التي كانت تصلهم من خلال بعثات الموساد في أديس أبابا وأوغندا.

وقد عادت الروابط مع نظام نميري بعد اتفاق السلام المصري الإسرائيلي وتأييده له، حيث أعاد الموساد بناء بعثته في السودان التي كانت على اتصال مع الجنرال طيب رئيس المخابرات السودانية، وتمخضت هذه العلاقة عن نقل يهود إثيوبيا إلى إسرائيل عن طريق السودان(3)، في مقابل ملايين الدولارات التي حولتها المنظمات الصهيونية(4).

ويبرهن ذلك على استمرار المحاولات الإسرائيلية للتغلغل في السودان، وتوطيد العلاقات معه، في ظل تجاوب بعض أقطاب الأحزاب السودانية السابقين(5)، ثم قيامها بدعم حركات التمرد في الجنوب مثل الأنيانيا والجيش الشعبي بقيادة جون جارانج (6).

إسرائيل والتهديد السوداني

شهد عقد التسعينيات من القرن الماضي تبلور التحرك الإستراتيجي الإسرائيلي في المنطقة العربية والإسلامية في اتجاهين رئيسين:

الاتجاه الشمالي وتمثل بالتحالف العسكري التركي - الإسرائيلي المستند على دعم الولايات المتحدة.

والاتجاه الجنوبي وتمثل في التمدد الإستراتيجي الإسرائيلي في جنوب البحر الأحمر عبر التحالف مع إريتريا، وفي منابع النيل عبر تغيير خريطة القوى السياسية وفك وتركيب المنطقة.

واعتبر الكثير من المحللين الإسرائيليين أن نشر الطائرات الإسرائيلية شرق تركيا نتيجة الاتفاق العسكري الإسرائيلي- التركي في فبراير 1996، وانتزاع جزيرة حنيش الكبرى من القوات اليمنية بواسطة إريتريا، يندرجان في إطار إستراتيجية وقائية تنفذها إسرائيل تحسباً لتهديدات سودانية محتملة تعرض الخطوط الملاحية في البحر الأحمر للخطر، ولمواجهة أي تهديد يمكن أن يصدر عن إيران(7).

لقد أصبحت إسرائيل تعتبر السودان واحدا من أبرز مصادر تهديد أمنها في ظل احتمالات تحالف سوداني مع إيران التي تخشى إسرائيل من نفوذها في الدول الإفريقية ذات الأغلبية المسلمة وعلاقتها الخاصة مع النظام السوداني في المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية بهدف العمل على تصدير الثورة الإسلامية(8).

وقامت الإستراتيجية الإسرائيلية في التسعينيات على إمكانية مواجهة عدو خارجي يقوم على تحالف بين دولتين قد يكونان إيران والعراق من الشرق، أو إيران والسودان من الجنوب(9).

وقد ساندت إسرائيل التحرك الإريتري - الإثيوبي الداعم للمعارضة السودانية في حربها ضد النظام، حيث صرح وزير الصحة الإسرائيلي "إفرايم سنيه" لإذاعة إسرائيل في 21/12/1995 "أن إريتريا دولة صديقة لإسرائيل وتمثل موقعاً إستراتيجيًّا مهمًّا جدًّا لحرية الملاحة في البحر الأحمر، وفي مواجهة السودان الأصولي"(10).

وأصبحت إريتريا وإثيوبيا بمثابة المفاتيح الإقليمية في سياسة الولايات المتحدة لمحاصرة السودان(11).

وقد قدمت الحكومة الأمريكية للمعارضة السودانية دعماً عسكريًّا يتمثل في معدات وأسلحة بما قيمته 20 مليون دولار لمساعدة حكومات إريتريا وإثيوبيا وأوغندا على احتواء الحكومة السودانية (12).

وقد ارتبطت وقائع هجوم المعارضة الشمالية والجنوبية التي تساندها إريتريا وإثيوبيا وأوغندا على السودان في 12 يناير 1997 بما يجري في وسط القارة الإفريقية في محيط البحيرات العظمى من حرب دموية تغطي صراعاً خفيًّا على النفوذ بين الولايات المتحدة وفرنسا على هذه المنطقة الحيوية والإستراتيجية التي تعتبر الخزان الأكبر للمياه في إفريقيا(13).

وبينما نجحت الحكومة السودانية في احتواء هجوم المعارضة في عام 1997 على الرغم من قوة التحالف الإقليمي والدولي الذي يحاصرها سياسيا وعسكريا، فإنها أظهرت ضعفا شديدا في الآونة الأخيرة أمام الضغط العسكري لحركة التمرد على الرغم من تفكك التحالف الإقليمي المعادي لها خلال السنوات الماضية.

تبريرات دعائية

يمكن القول بأن التصريحات الرسمية السودانية حول التورط الإسرائيلي في جنوب السودان ليست جديدة، فقد تعددت التصريحات الرسمية السودانية التي تشير إلى دعم إسرائيل لحركة التمرد في جنوب السودان في صراعها مع النظام السوداني، فقد أكد الرئيس السوداني عمر البشير في عام 1994 أن زعيم الجيش الشعبي زار إسرائيل سرًّا، مشيراً إلى أن عين إسرائيل على الموارد الطبيعية والمياه في جنوب السودان كوسيلة للضغط على مصر(14).

ولكن أهمية التصريحات الرسمية الأخيرة تكمن في توقيتها وكونها تعزو الانتصارات العسكرية للجيش الشعبي إلى الدعم العسكري الإسرائيلي المباشر لحركة التمرد، وأكد وزير الخارجية السوداني مصطفى إسماعيل وجود وثائق تثبت قيام إسرائيل بهذا الدور، وهي وثائق صادرة عن إسرائيل نفسها، بل إن زيارات وفود حركة التمرد يتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام الإسرائيلية. وأكد أن الخبراء الإسرائيليين يقومون بإصلاح الدبابات التابعة للجيش الشعبي، وأن سفارة إسرائيل في كينيا هي حلقة الوصل(15).

وإذا كان من المؤكد أن هناك دعما إسرائيليا سياسيا وعسكريا لحركة التمرد، فإنه يبقى من المشروع أن نتساءل عن حجم هذا التورط وقدرته على تغيير موازين القوى العسكرية في حرب الجنوب، خصوصا في ظل التحسن الكبير في علاقة السودان مع القوى الإقليمية التي كانت تدعم حركة التمرد. فبينما كان عقد التسعينيات عقد المواجهة بين السودان ودول جواره الإقليمي، وهي المواجهة التي وجدت من خلالها إسرائيل سبيلا لمحاصرة السودان؛ فإن مطلع القرن الجديد شهد تحسنا في علاقة السودان بالقوى الإقليمية المجاورة، مثل أوغندا وإثيوبيا وإريتريا، وذلك بسبب اشتعال الصراع بين حلفاء أمريكا وإسرائيل الذين يندرجون في إطار مجموعة القادة الجدد، وظهر ذلك في الحرب الإريترية الإثيوبية والحرب في الكونغو؛ مما أسهم في تخفيف الضغط العسكري الذي تشكله المعارضة الشمالية والجيش الشعبي على الحكومة.

وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 بدأ تحسن حثيث في العلاقات الأمريكية السودانية، وتنامى التعاون الأمني والاستخباري بين الطرفين، وقامت الولايات المتحدة بالتوسط بين النظام السوداني ومعارضيه؛ ما أدى إلى التوصل لوقف إطلاق النار في جبال النوبة، وتوقيع اتفاق مشاكوس في كينيا. وتوصلت الحكومة السودانية إلى قناعة خطيرة، وهي أن الولايات المتحدة هي "الجهة القادرة على التأثير في حركة التمرد في الجنوب" وفقا لتصريحات وزير الخارجية السوداني.

وعلى الرغم من ذلك تعرض الجيش السوداني لعدد من الخسائر الإستراتيجية خلال الشهور الأخيرة. ويؤكد ذلك أن تدهور الوضع العسكري للحكومة السودانية في حرب الجنوب إنما يعود لأسباب داخلية تتعلق بالصراع على السلطة داخل النظام الذي فقد تماسكه ووحدته، كما أن هناك توجهات قوية داخل النظام أصبحت تقبل بفكرة انفصال الجنوب من خلال الموافقة على "حق تقرير المصير"، وأصبح الأمر عرضة للمزايدات السياسية بين الحكومة والمعارضة، ما أضعف ثقة الجنود بالقيادة وبصواب الأهداف التي يقاتلون من أجلها.


باحث بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- مصر

1- يوسي ميلمان ، السودان في الملفات السرية الإسرائيلية، هاآرتس، مترجم في صحيفة الأيام الفلسطينية، 2-7-1997

2- عبد المنعم سعيد، ندوة البحر الأحمر.. اليوم وغدا، الفكر الإستراتيجي العربي، العددان 8-9 ، بيروت: يوليو- أكتوبر 1983، ص483

3- يوسي ميلمان ، مرجع سابق

4- تسفي برئيل، الخرطوم سمحت للنميري المحسوب على أمريكا بالعودة، هاآرتس ، 26-5- 1999، مترجم في القدس العربي، 27-5-1999 ، ص9

5-  Gabriel R.Warburg; “ The Sudan and Israel: An Episode in Bilateral Relation in: Middle East Studies, Vo.25, April 1992, PP. 385 – 396.

6- سلمان قادم آدم ، التورط الإسرائيلي في جنوب السودان: المخاطر والأبعاد . مجلة دراسات إستراتيجية ، ع(6) ، (الخرطوم: أبريل 1996)

7- أحمد عبد الحليم، أمن البحر الأحمر: الماضي والحاضر والمستقبل، قضايا إستراتيجية، العدد2 (القاهرة: المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، مارس 1996)  ص 26-28

8-    Zeev Eytan, shlomo Gazit (eds.) the Middle East Military Balance, 1993-1994, Tel Aviv, Gaffe Center for Strategic Studies, 1994, pp. 74-75

9- مائير باعيل، معاهدة دفاع شرق أوسطية، معاريف 12-12-1995، عن مختارات إسرائيلية، القاهرة: فبراير 1996، ص18

10- جريدة الحياة اللندنية ، 22/12/1995

11-   Strategic Survey 1999/2000, London, the International Institute for Strategic Studies, 2000,pp.262,263

12- حسني خشبة، الانسحاب الدولي من البحر الأحمر أوجد مستجدات النزاع الإقليمي والإفريقي والعربي، جريدة الشرق الأوسط، ع 6567 لندن: 20-11-1996 ، ص 6.

13-  أمين قمورية، الأزمة الداخلية في السودان والأبعاد الإقليمية والدولية، مجلة شؤون الأوسط، ع (60) ، (بيروت ، مارس 1997) ، ص 28.

14- Ronald Bleier, Will Nile water go to Israel? North Sinai Pipelines and the Politics of Scarcity,  Middle East policy, Vol.v, No.3, September 1997. P.117.

15- صلاح عواد، وزير خارجية السودان للشرق الأوسط، جريدة الشرق الأوسط، 23-9-2002.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات