|
| على كل طرف ضبط تصرفات الفصائل المسلحة المؤيدة له |
شهد منتجع "نيفاشا" السياحي في كينيا في 25-9-2003 حدثا هاما في مسيرة عملية السلام في السودان، تمثل في توقيع الحكومة السودانية وحركة "جارانج" بالأحرف الأولى اتفاقا بشأن الترتيبات العسكرية خلال المرحلة الانتقالية التي ظلت محل خلاف بين الجانبين خلال الفترة الماضية، بعدما كانت الحركة تطرح فكرة وجود جيشين، في حين تمسكت الحكومة بفكرة جيش وطني واحد.
وقد اتفق الطرفان على مناقشة قضيتي تقاسم السلطة والثروة، فضلا عن وضع المناطق الثلاثة المهمشة وهي "إيبي"، و"جنوب النيل الأزرق"، و"جبال النوبة" في الوسط في جولة قادمة من المفاوضات ستعقد في 6-10-2003، يمكن أن يشارك فيها كل من جارانج ونائب الرئيس السوداني علي عثمان طه إذا اقتضى الأمر ذلك، تماما كما حدث في مفاوضات "نيفاشا".
ظروف الاتفاق وتوقيته
تم توقيع الاتفاق بعد فترة وجيزة من قيام الحكومة بتوقيع اتفاق مماثل مع متمردي "دارفور" بالغرب بوساطة تشاد؛ وهو ما يعني أن الحكومة تريد أن تثبت للرأي العام الداخلي والخارجي أيضا أنها راغبة في تحقيق السلام، وقد انعكس ذلك في اتفاق "نيفاشا"، خاصة أن الاتفاق تبنى وجهة نظر حركة "جارانج" بشأن بقاء جيش الجنوب.
كان واضحا منذ بداية المفاوضات في 3-9-2003 وجود حرص من الأطراف المعنية على نجاحها بأي شكل، ودليل ذلك:
1- لأول مرة يكون وفدا التفاوض على هذا المستوى؛ حيث رأس "جارانج" للمرة الأولى وفد الحركة، في حين رأس علي عثمان محمد طه النائب الأول للبشير وفد الحكومة.
2- امتداد المفاوضات وتجاوزها المدة المقررة لها وهي ثلاثة أيام؛ حيث استمرت قرابة 22 يوما، ولم ترفع إلا بعد توقيع اتفاق الترتيبات الأمنية.
3- حرص الأطراف الراعية للمباحثات على نجاحها، خاصة "إيجاد" والولايات المتحدة؛ حيث كادت المحادثات أن تنهار قبل توقيع الاتفاق بيوم واحد، بسبب الخلاف على بعض القضايا، مثل إصرار حركة "جارانج" على بقاء قواتها شرق البلاد بالقرب من منطقة الحدود مع إريتريا، لولا تدخل الولايات المتحدة من خلال مبعوثها الخاص الذي قام بإجراء محادثات منفصلة مع الجانبين استمرت أكثر من 7 ساعات، كما قام وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بالاتصال برئيسي الوفدين لإقناعهما بالاستمرار في عملية التفاوض. وقد استجاب الطرفان للضغوط الأمريكية -خاصة الحكومة- بسبب قرب انتهاء المهلة الممنوحة لتطبيق عقوبات قانون سلام السودان الشهر القادم، التي تقضي بفرض عقوبات على الحكومة، وفي المقابل تقديم دعم لجارانج بمقدار 300 مليون دولار خلال 3 سنوات.
أهم بنود الاتفاق
تضمنت بنود الاتفاق عدة نقاط خاصة ببعض القضايا الحساسة، مثل وضع القوات المسلحة الحكومية في الجنوب، ومصير جيش جارانج، والفكر أو العقيدة العسكرية التي يجب أن تسود في الفترة القادمة، ورئاسة هذه القوات.
ومن أهم هذه البنود:
1- وضع القوتين المسلحتين:
أ- في إطار سودان موحد وفي حال تأكيد الاسـتفتاء الشــعبي لتقرير مصير الجنوبيين على الوحدة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.. فإن الطـــرفين (الحكومة السودانية والحركة الشـــعبية لتــحرير السودان والجيش) يوافقان على تشكيل جيش السودان في المستقبل الذي سيكون مؤلفًا من القوات المسلحة السودانية (SAF) والجيش الشعبي لتحرير السودان SPLA)).
ب- كجزء من اتفاقية السلام ومن أجل إنهاء الحرب يتفق الطرفان على أن يظل الجيشان SAF وSPLA منفصلين خلال الفترة الانتقالية، كما يتفقان على اعتبار كلا الجيشين متساويين، ويعامَلان على أساس أنهما القوات الوطنية المسلحة للسودان خلال الفترة الانتقالية آخذين في الاعتبار مضمون البند (1) والنقطة (ت) أدناه.
ت- يتفق الطرفان على مبدأ التخفيض النسبي لحجم القوات المسلحة لدى الطرفين، خلال توقيت مناسب، عقب إتمام ترتيبات وقف إطلاق النار الشامل.
ث- لن يكون للقوات المسلحة قانون داخلي وأمر انتداب إلا في حالات الطوارئ المنصوص عليها دستوريا.
2. وقف إطلاق النار:
يوافق الطرفان على وقف إطلاق نار تجري مراقبته بإشراف دولي، يسري مفعوله من تاريخ توقيع اتفاق السلام الشامل. ويتم وضع تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار باشتراك جميع الأطراف إلى جانب وسطاء إيجاد وخبراء دوليين.
3. إعادة انتشار القوات المسلحة:
أ- يتم فض الاشتباك بين الجيشين وفصلهما وإعادة تجميعهما ونقلهما وفقا لما تنص عليه اتفاقية الوقف الشامل لإطلاق النار.
ب- فيما عدا إعادة توزيع الوحدات المشتركة/المدمجة يتم نقل باقي القوات التابعة للجيش السوداني (SAF) المنتشرة حاليا في الجنوب إلى الشمال من حدود 1-1-1956 بين الشمال والجنوب، وتحت مراقبة ومساعدة دوليتين خلال فترة أقصاها سنتان ونصف السنة، ابتداء من الفترة السابقة للفترة الانتقالية (أي قبل ستة أشهر، أو بمعنى آخر خلال عامين من توقيع الاتفاق).
ت- فيما عدا إعادة توزيع الوحدات المشتركة/المدمجة يتم نقل باقي القوات التابعة للجيش الشعبي لتحرير السودان SPLA المنتشرة حاليا في جبال النوبة وجنوبي النيل الأزرق إلى جنوب حدود 1-1-1956 بين الشمال والجنوب على الفور بعد تشكيل الوحدات المشتركة/المدمجة، ونشرها تحت مراقبة ومساعدة دوليتين.
ث- يتعهد جيش الحركة باستيعاب الجنود الجنوبيين المسرحين من ضمن أولئك الذين يخدمون حاليا في القوات المسلحة السودانية SAF في جنوب السودان في المؤسسات الحكومية في جنوب السودان مع أولئك الجنود المسرحين من الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLA.
ج- يتفق الأطراف على تنفيذ برامج لمصلحة جميع الذين سيتأثرون من تخفيض حجم وتسريح وتقليل عدد القوات المسلحة بمساعدة المجتمع الدولي، وفقا لما هو متفق عليه في البنود (1) (ت)، و(3) (ث)، و(7) (ب).
4. الوحدات المشتركة/المدمجة:
سوف يتم تشكيل الوحدات المشتركة/المدمجة على أن تتألف من عدد متساوٍ من القوات المسلحة السودانية (SAF) والجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLA) خلال الفترة الانتقالية. وتشكل الوحدات المشتركة/المدمجة نواة للجيش السوداني ما بعد الاستفتاء الشعبي، في حال تأكيد الاستفتاء على الوحدة، وفيما غير ذلك يتم حلها، ويجري دمج الأجزاء المكونة لها في الجيش المناسب لكل منها.
تفصيل الوحدات المشتركة/المدمجة:
أ- شخصيتها:
ينبغي أن تكون لها شخصية جديدة تقوم على أساس عقيدة عسكرية مشتركة.
ب- مهماتها:
1- أن تصبح رمزا للوحدة الوطنية خلال الفترة الانتقالية.
2- أن تصبح رمزا للسيادة خلال الفترة الانتقالية.
3 - أن تشارك في الدفاع عن الوطن إلى جانب القوتين المسلحتين.
4 - توفير تشكيل نواة للجيش السوداني في المستقبل فيما بعد الفترة الانتقالية في حال تأكيد الاستفتاء الشعبي على الوحدة.
5 - المشاركة في إعادة بناء البلاد.
ج - حجم القوات وانتشارها:
فيما يلي حجم القوات الموحدة المشتركة (مناصفة بين الجانبين) وانتشارها طوال الفترة الانتقالية:
1- جنوب السودان: 24 ألفا.
2- جبال النوبة: 6 آلاف.
3- جنوب النيل الأزرق: 6 آلاف.
4- الخرطوم: 3 آلاف.
5- بالنسبة للوضع في شرق السودان:
أ - يجب أن يكتمل سحب قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان من شرق السودان إلى جنوب الحدود الفاصلة بين الجنوب والشمال (كما كانت) في 1-1-1956 (تاريخ استقلال السودان) خلال سنة واحدة من بداية الفترة الانتقالية المؤقتة (6 أشهر) السابقة للفترة الانتقالية (6 سنوات).
ب - يجب أن تناقش الأطراف موضوع إقامة وحدات من القوات المشتركة.
5- قيادة قوات الطرفين والتحكم فيها:
1 - يتفق الأطراف على إقامة مجلس دفاع مشترك يخضع لرئاسة الدولة، يتألف من رئيسي الأركان في الجانبين ونوابهما وأي عدد من كبار الضباط يتم الاتفاق عليه بين الأطراف. ويتخذ المجلس القرارات بالإجماع، ويتولى رئاسته رئيسا الأركان بالتناوب.
2 - مهمة مجلس الدفاع المشترك:
يتولى مجلس الدفاع المشترك المهمات الآتية:
أ - التنسيق بين قوات الجانبين.
ب - قيادة وحدات القوات المشتركة.
6. العقيدة العسكرية المشتركة:
يجب أن يطور الطرفان عقيدة عسكرية مشتركة كأساس لوحدات القوات المشتركة، وتكون أيضا أساسا لجيش السودان فيما بعد الفترة الانتقالية، إذا جاء الاقتراع في الاستفتاء لمصلحة الوحدة. وعلى الأطراف أن تطور هذه العقيدة المشتركة خلال عام واحد من بدء الفترة الانتقالية. ويجب أن يكون تدريب قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان (في الجنوب) والجيش السوداني (في الشمال) والوحدات المشتركة (في الشمال والجنوب) خلال الفترة الانتقالية على أساس هذه العقيدة المشتركة.
7. وضع المجموعات المسلحة الأخرى في السودان:
أ - لا يسمح لأي مجموعات مسلحة متحالفة مع أي من الأطراف بالعمل خارج قوات الطرفين.
ب - يتفق الأطراف على أن المذكورين في القسم (7 - أ) والذين لديهم الرغبة في الانضمام لأي من القوات (الجيش والشرطة والسجون) ينظر في أمرهم، على أن يتم استيعاب الباقين في الخدمة المدنية ومؤسسات المجتمع المدني.
ج - يتفق الطرفان على معالجة أوضاع المجموعات المسلحة الأخرى، ويضعان في الاعتبار ضرورة تحقيق السلام الشامل والاستقرار في البلاد، ومن أجل تحقيق الشمول في الفترة الانتقالية.
8. الأجهزة الأمنية القومية والشرطة:
يتم النظر في تركيبة وترتيبات أوضاع قوات فرض القانون وخصوصا الشرطة والأجهزة الأمنية القومية كجزء من ترتيبات قسمة السلطة في المفاوضات القادمة.
ملاحظات حول الاتفاق
من البنود السابقة يمكن استخلاص عدد من الملاحظات، بعضها إيجابي، والآخر يحمل بعض المخاوف من إمكانية تقويض ما تم الاتفاق عليه.
1- أن الاتفاق عمل على حل المشكلة الأساسية المتمثلة في وجود قوات الجيش الحكومي في الجنوب، البالغ قوامها 100 ألف جندي؛ حيث لن يبقى من هؤلاء سوى 12 ألفا فقط، والباقي يعود إلى ثكناته خلال عامين، وهو أمر إيجابي فيما يتعلق بفض الاشتباك في مواقع القتال في الجنوب، وإن كان طول فترة الانسحاب قد يدفع إلى إمكانية الانتكاسة في حال وجود أي خلاف بين الجانبين، خاصة أن قوات "جارانج" الموجودة في الشرق على الحدود مع إريتريا وفي الوسط حيث المناطق المهمشة ستتمركز في الجنوب وفق بنود الاتفاق.
2- وجود وساطة دولية تتمثل في "إيجاد"، ومن ورائها الولايات المتحدة، يجعل من الصعب على أي من الطرفين التراجع عن الاتفاق، ويرتبط بذلك أيضا وجود إشراف دولي على العملية برمتها، بدءا من الإشراف على تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار، مرورا بالإشراف على عملية سحب قوات الجانبين من الجنوب (القوات الحكومية) والشرق والوسط (قوات الحركة)، إلا أنه يلاحظ أن عدم الحديث عن تفاصيل وقف إطلاق النار قد يؤدي إلى بروز مشكلات بين الجانبين بشأنها.
3- الحديث عن عقيدة عسكرية قومية جديدة للقوات المشتركة تعد نقطة هامة فيما يتعلق بخطوات بناء الثقة بين الجانبين، بعدما ظلت لفترة طويلة مثار شك من قبل الحركة.
4- عدم إغفال الاتفاق لوضع الفصائل المسلحة المؤيدة لهذا الطرف أو ذاك، والتأكيد على أن كل طرف مسئول عن تصرفات الفصائل المؤيدة له يعد أمرا هاما؛ لأن تغافله كان يمكن أن يقوض الاتفاق برمته؛ إذ كان يمكن لهذه القوات أن تقود حربا بالوكالة عن هذا الطرف أو ذاك في حالة دخول الاتفاق حيز التنفيذ. وإن كانت هناك مشكلة أخرى تتمثل في عدم مشاركة الأطراف السياسية الأخرى في المفاوضات سواء أكانت شمالية أو جنوبية، أو عدم النص على مشاركتها في مفاوضات أكتوبر؛ مما يعني أن سلام السودان مقصور على الحكومة وحركة "جارانج" فقط، وهو أمر خطير يجب تداركه، وقد بدت ملامحه في الظهور في ردود أفعال هذه القوى عقب توقيع الاتفاق (حزب الأمة - الحزب الشيوعي - حزب المؤتمر الشعبي).
5- استمرار وجود جيشين منفصلين خلال الفترة الانتقالية يعد أمرا بالغ الخطورة، ويمكن أن يشكل تهديدا حقيقيا للاتفاق، خاصة بالنسبة إلى الجنوبيين، وهي نقطة كانت مثار انتقاد الحكومة من قبل، لكنها اضطرت لقبولها بعد ذلك.
6- عدم تحديد الاتفاق موعدا زمنيا للتخفيض النسبي لقوات الجانبين، وكذلك حجم القوات التي ينبغي تخفيضها، وهل سيتم الخفض بالتساوي في ظل وجود تفاوت واضح في حجم الجيشين لصالح الحكومة.
على أي حال فإن الاتفاق -كما هو واضح من بنوده- يميل إلى خيار الوحدة؛ لأنه يعطي الجنوبيين فرصة، ليس للتقوقع داخل حدودهم الحالية جنوب البلاد، ولكن للانتشار في السودان ككل (تواجد قوات جنوبية في العاصمة الخرطوم). وهو أمر أخذ يطالب به جارانج في الآونة الأخيرة؛ حيث لم يقدم نفسه على أنه زعيم جنوبي، وإنما على أنه زعيم سوداني، وسيظهر ذلك بوضوح في المفاوضات القادمة لاقتسام السلطة. لذا فلا غرابة في أن يؤكد "جارانج" -بعد اتفاق نيفاشا- أنه سيعود إلى الخرطوم بعد توقيع اتفاق سلام شامل مع الحكومة.
باحث دكتوراه بمعهد البحوث الأفريقية -جامعة القاهرة.
|