English

 

الاثنين. أكتوبر. 28, 2002

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الخليج العربي

 
أهم الأخبار  

انتخابات البحرين.. فرصة ضائعة لتطوير المشروع الإصلاحي

أحمد منيسي

أول انتخابات تشارك فيها المرأة البحرانية ترشيحا وتصويتا
أول انتخابات تشارك فيها المرأة البحرانية ترشيحا وتصويتا
  شهدت مملكة البحرين في 24 أكتوبر الحالي الجولة الأولى من انتخابات مجلس النواب الذي يشكل -مع مجلس الشورى المعين- المجلس الوطني (البرلمان). وتنافس في هذه الجولة 173 مرشحًا على شغل 37 مقعدًا من 40 مقعدًا هي جملة المقاعد التي يتشكل منها المجلس، بعد أن تم فوز 3 أعضاء بالتزكية. وتم حسم 16 مقعدًا في هذه الجولة. وسوف يتنافس في انتخابات الإعادة المقررة في 31 أكتوبر الجاري 42 مرشحًا على 21 مقعدًا الباقية.

أهمية الانتخابات

وقد حظيت هذه الانتخابات بأهمية ملحوظة، بالنظر إلى أنها الأولى التي تشهدها البحرين منذ نحو 30 عاما، وهي بذلك تكون قد أعادت العمل بنظام الانتخاب لتشكيل البرلمان على غرار ما كان معمولا به في تجربة المجلس الوطني المنتخب عام 1973 الذي تم حله في أغسطس من عام 1975، كما أنها أول انتخابات برلمانية تشارك فيها المرأة البحرينية ترشيحا وانتخابا، بعد أن كانت قد شاركت في انتخابات المجالس البلدية التي أجريت في مايو الماضي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الانتخابات تعد خطوة أخرى في سبيل تحديث النظم السياسية الخليجية في سياق عملية التطوير التي طالت هذه النظم منذ مطلع العقد الماضي، وقد سجلت هذه الانتخابات نسبة مشاركة عالية نسبية بلغت حوالي 53.3%.

حدود الحدث

وعلى الرغم من هذه الاعتبارات التي ميزت العملية الانتخابية، فإن مردودها الإيجابي لجهة تطوير المشروع الإصلاحي بدا محدودا، بسبب الانتكاسة التي مني بها المشروع عقب أزمة التعديلات الدستورية التي تمت في فبراير الماضي، وهي التعديلات التي رفضتها المعارضة لسببين:

أولهما أن هذه التعديلات قد تمت بمقتضى مرسوم أميري، وليس استنادًا إلى المادة 104 من الدستور؛ ما يعني عدم دستوريتها. وذهبت المعارضة إلى تأكيد أن الميثاق الوطني الذي صوتت لصالحه الأغلبية الكاسحة من الشعب البحريني في فبراير من العام 2001 وبنسبة بلغت 98.4% والذي يعتبر أساس المشروع الإصلاحي، وإن كان لم يتطرق لآلية معينة لإحداث التعديلات التي تضمنها من قبيل تغيير شكل الدولة من إمارة إلى مملكة وتشكيل السلطة التشريعية من مجلسين بدلا من مجلس واحد، فإنه في المقابل لم يفوض الأمير في تعديل ما يريد. وكان معنى ذلك تلقائيا أن التعديل سوف يتم بالرجوع إلى نص الدستور القديم الصادر عام 1973.

وثانيهما يتمثل فيما نصت عليه هذه التعديلات -التي ألغت الدستور القديم- من تشكيل السلطة التشريعية من مجلسين أحدهما معين يحمل اسم مجلس الشورى، والآخر منتخب يسمى بمجلس النواب، بدلاً من مجلس واحد معين، وكان الميثاق الوطني قد تضمن هذا التغيير، ولكن تلك التعديلات ساوت بين المجلسين في الاختصاص التشريعي، وفي عدد الأعضاء أيضا بواقع 40 عضوًا لكل منهما، مخالفة بذلك نص الميثاق الذي كان يقول بأن المجلس المعين سوف يكون مجلسا للشورى فقط.

ونصت الأحكام الخاصة بعمل السلطة التشريعية في الدستور الجديد على أنه في حالة الخلاف بين المجلسين حول أي قانون، فإنهما يجتمعان برئاسة رئيس المجلس المعين، وفي حالة تعادل الأصوات يرجح الجانب الذي يوجد فيه الرئيس، ولأن المطلوب لتمرير أي قانون أن يحصل مشروع القانون على 40 صوتًا بالإضافة إلى الصوت المرجح، فبالتالي لا يكون للمجلس المنتخب أي دور تشريعي إلا إذا وافقت عليه الحكومة عن طريق المجلس المعين. ومن ثم فلن يكون بمقدور البرلمان بعد تشكيله إلغاء هذه التعديلات؛ ما يعني تكريس حالة الانكسار التي حدثت في المشروع الإصلاحي من جراء هذه التعديلات.

وعلى الرغم من أن المعارضة قد شاركت في الانتخابات البلدية، كبادرة لحسن النوايا من جانبها، وعلى أمل أن تكون هذه المشاركة دافعا لإثناء الملك عن هذه التعديلات، فإن ذلك لم يحدث، وهو الأمر الذي أدى إلى إعلان 4 جمعيات سياسية رئيسية في 3 سبتمبر الماضي مقاطعتها للانتخابات، وهي: جمعية الوفاق الوطني الإسلامي كبرى القوى السياسية البحرينية على الإطلاق، وكانت قد حصلت على 20 مقعدًا في الانتخابات البلدية، أي حوالي 35% من إجمالي عدد المقاعد، وحصدت 55 ألف صوت من إجمالي 111 ألف صوت. وجمعية العمل الإسلامي (تحت التأسيس)، وكلتا الجمعيتين تمثلان التيار الشيعي ذا الثقل في الحياة السياسية البحرينية، إضافة إلى جمعية العمل الوطني الديمقراطي التي تعد امتدادًا للجبهة الشعبية صاحبة التاريخ النضالي الطويل في السبعينيات والثمانينيات، وجمعية التجمع الوطني الديمقراطي اللتين تضمان القطاع الأكبر والفاعل في القوى اليسارية البحرينية من قوميين واشتراكيين.

وقد ترك قرار مقاطعة هذه الجمعيات للانتخابات تأثيرا واضحا على الزخم الذي كان من المفترض أن تتمتع به أول انتخابات برلمانية منذ 29 عاما من زوايا عدة: أهمها على صعيد عملية الترشيح، حيث بلغ عدد الذين تقدموا للترشيح 190 مرشحًا، انسحب منهم 16 مرشحًا، فخاض الانتخابات 174 فقط؛ ما يعني أن أقل من 5 مرشحين يتنافسون على المقعد الواحد، وهذا معدل متدن للتنافس. وفاز 3 من المرشحين بالتزكية، ولم تشمل خريطة المرشحين معظم الشخصيات المرموقة التي قادت النضال في البلاد على مدار أكثر من ربع قرن من الزمان. وعلى صعيد ديناميت العملية الانتخابية لم تطرح أي من القوى السياسية التي خاضت الانتخابات برامج انتخابية واضحة تؤشر لحيوية المعركة الانتخابية وجدية عملية المنافسة.

تركيبة غير واضحة المعالم

واتساقا مع هذه البيئة التي أجريت فيها الانتخابات وجعلت منها فرصة ضائعة لتطوير المشروع الإصلاحي جاءت نتائج الجولة الأولى مؤشرًا إلى تركيبة فوضوية المعالم للبرلمان المقبل، فليس ثمة تيارات واضحة يمكن أن تكون ركيزة لعمل برلماني قوي، حيث إن معظم الذين فازوا خلال هذه الجولة وعددهم 19 عضوا محسوبون على التيار المستقل الذي حصد 6 مقاعد، والتيار الإسلامي التقليدي الذي حصل على 5 مقاعد من خلال جمعية الأصالة التي تعبر عن فكر هذا التيار، وكل من المستقلين والإسلاميين التقليديين لم يكن له دور بارز في الساحة السياسية، ولم تستطع أي من الجمعيات السياسية الأخرى التي خاضت العملية الانتخابية أن تفوز بأي مقعد ما عدا اثنتين منها، وهما: جمعية المنبر الوطني الإسلامي الجناح السياسي لجماعة الإصلاح (سنية تعبر عن فكر الإخوان المسلمين)، وجمعية الرابطة الإسلامية (شيعية) اللتان حصلتا على 4 مقاعد لكل منهما.

ويبدو أن نتائج الجولة الثانية لن تحدث تغييرًا في هذا الواقع، حيث إن معظم المرشحين ذوي الحظوظ القوية في جولة الإعادة ينتمون إلى هذه التيارات التي حصدت المقاعد التي تم حسمها في الجولة الأولى.

أولويات المرحلة المقبلة

والواقع أن أهمية هذه الانتخابات تنصب حول ما يمكن أن تضيفه من قوة دفع للمشروع الإصلاحي الذي يبدو رهينة لمشكلتين أساسيتين:

الأولى تتمثل في الكيفية التي سيتعامل بها النظام الحاكم مع القوى المعارضة التي قاطعت الانتخابات. وثمة متغيرات كثيرة معقدة في هذا الإطار، فإذا كانت الحكومة قد أصرت على مواصلة العملية الانتخابية بدون مشاركة هذه القوى، فإنها لا يمكنها تجاهل أن تلك القوى تمثل حوالي نصف شعب البحرين. وإذا كان  قرار مقاطعة الانتخابات قد حفظ لهذه الجمعيات هامشا من المعارضة في سبيل تطوير المشروع الإصلاحي- وهذا أمر على درجة عالية من الأهمية في ظل تجارب  التحول الديمقراطي الوليدة- فإن الأهم هو كيفية عملها في المرحلة القادمة التي تحمل نذر تصعيد في المواجهة بينها وبين الحكومة عندما تقوم الأخيرة -عبر المجلس الوطني- بتمرير المراسيم والقوانين الأخيرة، بما فيها التعديلات الدستورية.

فقد تعودت المعارضة البحرينية طويلا على ثقافة التجييش، وقد لا يبدو هذا ملائما الآن في ظل مرحلة جديدة أصبحت لها مؤسساتها التي تتمتع بالشرعية، على الأقل من وجهة نظر الآخرين، وفي الوقت نفسه تحتفظ الحكومة لنفسها بتحريك آلة القمع، وكل هذا يفرض على المعارضة أن تطور أدوات نضالها السلمي.

والمطروح في هذا السياق أن تبادر هذه الجمعيات بتأسيس تكتل أوسع يشمل أيضا الجمعيات التي قررت خوض العملية الانتخابية مع استمرار رفضها للتعديلات الدستورية، وهي الجمعيات التي سوف يتصاعد  سخطها على الحكومة إذا ما تمادت هذه الأخيرة في الانحراف بالمشروع الإصلاحي وإضفاء شرعية على تشريعات لا تلبي الطموح في التغيير، حيث إن مثل هذا التكتل سوف يحمل ما يمكن اعتباره توزيعا للأدوار، بين معارضة من داخل النظام تعمل بشكل شرعي وتستمد قوتها من هذا الاعتبار، وبين معارضة من خارج النظام تستمد قوتها من تمثيلها للقطاع الأكبر في الشارع البحريني.

أما المشكلة الأخرى التي سوف تواجه المشروع الإصلاحي والتي تبدو الأهم في المرحلة الحالية، فهي المشكلة الاقتصادية، وخاصة فيما يتعلق بموضوع البطالة التي كانت السبب الرئيسي في حالة عدم الاستقرار الشديدة التي شهدتها البلاد خلال النصف الثاني من التسعينيات.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات