English

 

الأحد. مايو. 14, 2006

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
أهم الأخبار  

أمريكا والصين.. تنافس بين قومية ووطنية

إبراهيم غالي

الوليات المتحدة والصين.. مزيج من التعاون والتنافس
الوليات المتحدة والصين.. مزيج من التعاون والتنافس
لا يزال يصعب وضع وصف دقيق للعلاقات الأمريكية الصينية، وأفضل ما يمكن وصفها به أنها علاقات "بين بين"؛ فالمشهد منذ انتهاء الحرب الباردة بين الطرفين قد أظهر تناقضا غير مسبوق يجمع في الواقع بين عاملي التعاون والمنافسة.

ويجمع على هذا الرأي العديد من المحللين الأمريكيين والصينيين على السواء، فلا يجزم أي من الطرفين بأن الأمور تسير نحو المنافسة الصريحة أو العداء المستتر، وكذا لا يمكن أن تتوجه بشكل مباشر إلى التعاون الصريح رغم وجود مصالح مشتركة متعددة.

يتفق في هذا الرأي اثنان من أبرز المحللين السياسيين والإستراتيجيين في الصين، وهما ليوشيه تشنج ولي شي دونج، في كتابهما "الصين والولايات المتحدة: خصمان أم شريكان"، ومجموعة من الباحثين والخبراء الأمريكيين من معهد اقتصاد الدولي IIE ومركز الدارسات الإستراتيجية والدولية CSIS في واشنطن، أصحاب كتاب "ماذا يحتاج العالم ليعرف عن القوة العظمى المرتقبة؟"، الصادر في مارس 2006 عن دار بابليك أفيرز "Public Affairs" في نيويورك.

ويسعى الجانبان إلى معرفة كل منهما بالآخر أكثر من قبل، راصدين الوضع الاقتصادي والسياسي الراهن وحجم التنافس والتهديد بل والتعاون بينهما في المستقبل.

نقلة معرفية جديدة

لقد شهدت المعرفة الحسية للجمهورين الأمريكي والصيني وللمسئولين نقلة جديدة تجاه بعضهما البعض مقارنة بنهاية الثمانينيات كما يرصدها ليوشيه تشنج ولي شي دونج. ويظهر التغير في معرفة الصينيين بالولايات المتحدة في تراجع الاعتقاد بأفول نجم الولايات المتحدة الآن، وأن تجاوز الاختلال الخطير في ميزان القوى العالمية والتوجه نحو التعددية القطبية سوف يجتاز وقتا طويلا نسبيا. وفي الوقت ذاته يعتبر الصينيون أن الولايات المتحدة تشكل أكبر تهديد للصين، وهي لا تأمل في أن ترى الصين دولة قوية كبيرة، وتنتهج نحوها إستراتيجية "الشقاق والتغريب" والتذرع بحقوق الإنسان والقوميات والأديان وغيرها من المشكلات الأخرى لتقويض دعائم الاستقرار الداخلي، كما أنه لا توجد عقبة أكبر من الولايات المتحدة في سبيل توحيد الصين.

الصينيون أيضا لا ينظرون للولايات المتحدة على أنها جنة أو جهنم، لكنْ لديهم شعور بالحيرة والغرابة يتمثل في اهتمامهم بالسياسة والاقتصاد وجوانب الثقافة الأمريكية، ويراقبون ذلك برؤيا واقعية هادئة. ويتمتع الصينيون بمعرفة عميقة بالتعددية السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، ويعرفون تأثير القوى الاجتماعية الأمريكية الواقعة خارج نطاق الحكومة على العلاقات الصينية الأمريكية. وبشأن العلاقات بين الطرفين لم يعد الصينيون يعلقون آمالا عريضة على دفع العلاقات للأمام، ولا يعتريهم القلق في ذات الوقت من تدهور تلك العلاقات بصورة خطيرة، ويرى غالبية الشعب الصيني أن العلاقات لن تكون سيئة جدا ولا طيبة جدا.

على الجانب الآخر ازدادت مكانة الصين بطريقة جلية في الإستراتيجية الأمريكية العالمية منذ نهاية الحرب الباردة، وشهدت معرفة الأمريكيين بالصين تغيرات أيضا؛ منها إدراك الأمريكيين لسرعة تنمية البناء الاقتصادي الصيني وجدوى تطوير العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، وإدراكهم لصعوبة مقاومة تيار نهوض الصين وتحولها إلى دولة كبرى. ويرى بعض الأمريكيين أن الصين الاشتراكية القوية في المستقبل تمثل تهديدا إستراتيجيا للولايات المتحدة، بينما يرى آخرون أن هناك فرصة لتطوير التعاون بين الدولتين عندما تنشأ تحديات متزامنة بينهما.

ويدرك الأمريكيون أن الصين تستطيع الحفاظ على الوضع السياسي المستقر كثيرا بسبب رسوخ مكانة الحزب الشيوعي الصيني، لكن كافة التيارات السياسية الرئيسية ووسائل الإعلام تضمر عداوة تجاه قادة الحزب الشيوعي الصيني، ولا تزال تراودهم أوهام حول وضع تعدد المصالح داخل المجتمع الصيني وتحول الصين تجاه الرأسمالية والعملية الديمقراطية.

الصين.. نقاط القوة والضعف

يرى الباحثون الأمريكيون أن الصين كانت ولا تزال تستعصي على فهم الأمريكيين نظرا للغموض والتعقيد وعدم دقة المعلومات المتاحة؛ وهو الأمر الذي أفشل محاولات ترويض الصين خلال القرن العشرين. واليوم فإن القلق يتضاعف بسبب الأثر الذي يتركه تنامي قدرات ودور الصين في العالم على الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية في الولايات المتحدة، ومع ذلك فإن العلاقات بين البلدين أعقد وأكبر من مجرد تنافس بين قوتين.

ويركز الأمريكيون اليوم أكثر على فهم الداخل الصيني واستيعاب ما به من نقاط القوة والضعف. وأصبحت الصين في السنوات الأخيرة رابع أقوى اقتصاد في العالم وثالث أقوى دولة تجارية، وبلغ معدل نمو الاقتصاد 10% خلال العقود الثلاثة الماضية، وارتفع حجم إسهامها في التجارة الدولية بنسبة 12%، كما بلغ احتياطي النقد الأجنبي في الصين عام 2006 تريليون دولار، وتأتي الصين في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة في جذب الاستثمارات ورءوس الأموال، والمنتجات الصينية تعرف طريقها إلى كل ركن من أركان العالم.

بيد أن ذلك لا يخفي أن الصين لا تزال في عداد الدول الفقيرة؛ حيث لا يزيد متوسط الدخل عن ربع متوسط الدخل في الولايات المتحدة، ولا يتعدى الحد الأدنى للأجور ثلث نظيره في الولايات المتحدة. ورغم حرص الصين على الحصول على تكنولوجيا حديثة لدعم وتطوير قطاع الصناعة، فإنها لا تنفق إلا 10% من إنفاق الولايات المتحدة على البحوث والتنمية، ذلك في الوقت الذي لا تتعدى نسبة الباحثين والعلماء الصينيين الذي لديهم القدرة على التنافس عالميا عشر نسبتهم في الولايات المتحدة.

وفي الوقت الذي تعمل فيه القيادة الصينية على الإبقاء على التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ما هو عليه من أجل البقاء في السلطة لأطول وقت ممكن، وتسعى للتكيف مع تأثيرات العولمة والدعوة إلى الإصلاح، فإن هناك تحديات داخلية جسيمة للحزب الحاكم، فحوالي 140 مليون صيني، وهو ما يعادل 15% من الأيدي العاملة، عمال تراحيل ليس لهم مقر إقامة ثابت. وفي الوقت الذي تتباهى فيه الصين بوجود استثمارات ورؤوس أموال ضخمة في البلاد، لا تخفى حقيقة أن ما يزيد على 400 مليون شخص يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، وأن هناك فقرا وأوضاعا اجتماعية سيئة في مجالات الخدمات الصحية وانتشار مرض الإيدز والسارس وعدم توفر الخدمات الأساسية والتعليم للمواطن خاصة في المناطق الريفية، إضافة إلى مناخ القهر السياسي وانتفاء حرية التعبير.

وعلى الصعيد الخارجي، يرى الخبراء الأمريكيون أن هناك دلائل على أن الصين كانت حريصة منذ فترة على تنمية علاقاتها الإقليمية والدولية، وأن لديها خطة إستراتيجية طويلة الأمد لتلعب دورا مركزيا في عالم العولمة. وكان الدافع وراء تلك الخطة سعي بكين إلى خلق بيئة إقليمية ودولية تسهل لها تفعيل ونمو قدراتها الاقتصادية من جهة والحفاظ عل سيادة واستقلال وضعها السياسي من جهة أخرى، وهذا ما يفسر سياسات الصين الخارجية في السنوات الأخيرة وموقفها من دول مثل السودان وإيران وبورما ودول أخرى لا تلقى قبولا في العالم الغربي.

وحول العلاقة بين الصين وتايوان وسيناريوهات وقوع أية أزمة في المستقبل على العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، يرى الباحثون الأمريكيون أنه رغم أن الصين كانت المستفيد الأول من الاستقرار الذي وفرته القوة العسكرية الأمريكية في شرق ووسط آسيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى الآن، فإن توازن القوة في الإقليم سيظل قائما، وأن الصين لن تسعى إلى عداء الولايات المتحدة وتهديد مصالحها الإستراتيجية هناك.

الصين.. إدراك للواقع الدولي

وبالنسبة للصينيين فإن أكبر عقبة يرونها تحول دون تطور العلاقات مع الولايات المتحدة -في رأي ليوشيه تشنج ولي شي دونج- تتمثل في الاختلاف الكبير بين حكومتي البلدين في النظام السياسي والأيديولوجيا ووجهة النظر إلى القيم، وما عدا ذلك فإن الصين يمكنها التكيف مع المتغيرات الأخرى رغم صعوبة ذلك. الصينيون باتوا أكثر معرفة بسياسة أمريكا تجاههم، ويقاوم قادتها ذلك بالتمسك بفكرة الأمة الصينية، وعندما تمارس الولايات المتحدة التغلغل الأيديولوجي والثقافي تجاه الصين انطلاقا من سيكولوجية الغرور والغطرسة والدولة العظمى، فمن المؤكد أن تتعرض لمقاومة شرسة من جانب مشاعر الوطنية لدى الصينيين. وعلى هذا النحو، فإن التناقض الحاد بين القومية الأمريكية والوطنية الصينية سيكون عاملا معنويا مهما لا يمكن تجاهله في العلاقات الصينية الأمريكية المستقبلية.

وإذا كان الصينيون يبرزون خلافاتهم الاقتصادية والسياسية بل والأمنية مع الأمريكيين، فهم لا يؤيدون إبراز هذه الخلافات الأيديولوجية في العلاقات الدولية؛ بل يتمسكون داخل بلادهم بتوجيه النظرية الماركسية والنظام الاشتراكي، ويتصدون بحزم لمؤامرة التغريب والتقسيم، ويعلنون ضمنا أن التدخل الأمريكي في الشئون الداخلية للصين سيقابل بمبدأ العين بالعين والسن بالسن، وأن تلك القضية ستشكل التوجه الصيني تجاه الولايات المتحدة في المستقبل إلى حد بعيد.

مستقبل العلاقات الأمريكية الصينية

يمكن القول إن مستقبل العلاقات بين البلدين لم يعد محكوما فقط بالمصالح التجارية والاقتصادية بين البلدين أو بالإستراتيجية العسكرية والأمنية لهما؛ ففي كل الأحوال يستطيع الطرفان تحقيق قدر ما من التوازن في مجمل هذه العلاقات في العقود الثلاثة المقبلة رغم الافتقار إلى الثقة المتبادلة على الصعيد السياسي بعد أن تمكنا من إحداث تطوير إيجابي نسبي في علاقتهما معا ظهر في زيارة الرئيس الصيني للولايات المتحدة مؤخرا.

ومن ثم فإن العامل الإضافي المستحدث في علاقات البلدين، وهو لعب كل طرف على وتيرة الداخل لدى الطرف الآخر، هو محور التجاذب القادم بين الدولتين. فالمحافظون الجدد في واشنطن يثيرون دوما مشكلات القوميات والأديان وحقوق الإنسان وتايوان، وتوجد قوة دفع ضخمة تضطلع بالتسلل الديني داخل الصين، وسعي حثيث للتأثير الأيديولوجي والثقافي، وغيرها من المشكلات الداخلية بالصين. والصينيون يقابلون ذلك بمحاربة التغريب وبقدر لا بأس به من الانفتاح المنظم والاحتماء بشعار الوطنية الصينية.

وتكفي الإشارة إلى أن الصين ترد على تقرير الخارجية الأمريكية السنوي بشأن انتهاك حقوق الإنسان في العالم بتقرير رسمي صادر عن الدولة الصينية حول انتهاك حقوق الإنسان داخل الولايات المتحدة. الصينيون كذلك يلعبون على وتر الخلافات الداخلية مثلا بين رجال الأعمال الأمريكيين واتحادات العمال ومناهضي العولمة، وكل من يمكنه التأثير على السياسة الرسمية الأمريكية.

وخلاصة القول: إن هذا المزيج من المنافسة والتعاون في الشئون الخارجية والإستراتيجية في علاقة الصين بالولايات المتحدة قد أصبح نسيجا واحدا من التنافس في استغلال الوضع الداخلي؛ وهو الأمر الذي يحول العلاقات فيما بعد إلى صراع للأيديولوجيا، ويزيد حدة التناقض بين الطرفين سواء اتفقا أو اختلفا حول القضايا الإقليمية والدولية.


كاتب وباحث سياسي.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات