English

 

الأربعاء. مارس. 14, 2001

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الخليج العربي

 
أهم الأخبار  

الكويت: الحلقة المغلقة للصراع السياسي

سامح راشد

  في واحدة من سلسلة الدورات الوزارية والبرلمانية في الكويت، تم مؤخرًا تشكيل حكومة جديدة بعد مشاورات استغرقت ثمانية عشر يومًا، وهي المرة الأولى في تاريخ الحياة السياسية الكويتية التي يستغرق فيها تشكيل الحكومة هذه الفترة الزمنية.

وكسابقاتها، ولدت هذه الحكومة من رحم أزمة سياسية طرفاها مجلس الوزراء أو أحدهم من جهة، والبرلمان أو بعض أعضائه في الجهة المقابلة. لكن الوقت الذي استغرقه تشكيل الحكومة، والمشاورات المكثفة التي سبقت الإعلان عنها، ومستجدات أخرى تتعلق بالوضع الداخلي الكويتي على وجه العموم (منها الحالة الصحية لرئيس الوزراء الشيخ سعد العبد الله، وطرح أفكار جديدة بشأن فصل ولاية العهد عن رئاسة الوزراء، وارتفاع بعض الأصوات الشبابية في العائلة الحاكمة) كلها عوامل تدفع إلى البحث في خلفيات هذه العلاقة المشدودة دائمًا بين الحكومة والبرلمان، وآفاق تغير نمط هذه العلاقة في ظل مدخلات العملية السياسية الجارية، وطبيعة التفاعلات القائمة بين أطرافها الرئيسيين.

حالة متفردة

بداية، تنبغي الإشارة إلى بعض سمات الظاهرة السياسية في الكويت؛ للتعرف على الأرضية التي تتحرك عليها القوى السياسية، فضلاً عن توضيح شكل وديناميكية العلاقة بين السلطات.

فبينما تسود دول الخليج العربية حاليًا موجة انفتاح سياسي، فإن الكويت تظل محتفظة بميزة السبق في هذا المجال. فهي الدولة الأولى خليجيًّا التي فتحت الباب أمام مشاركة سياسية حقيقية للمواطنين، وهي أيضًا الوحيدة خليجيًّا التي تتمتع ببرلمان منتخب من الشعب.

وتحريًا للدقة، فإن تميز الحالة الكويتية لا ينبع من مجرد وجود برلمان منتخب أو إجراء انتخابات بلدية وبرلمانية مباشرة تتمتع بالنزاهة إلى حد كبير وحسب. ففضلاً عن أن الدستور كفل للبرلمان صلاحيات واسعة نسبيًّا - مقارنة مع برلمانات أخرى موجودة في المنطقة العربية - فإن ممارسة مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) "لبعض" تلك الصلاحيات تمثل بذاتها أحد أسباب الأزمات السياسية المتكررة بين الحكومات المتعاقبة والبرلمانات المتتالية.

حلقة مغلقة

وإضافة إلى ذلك، يلاحظ وجود سلسلة متكررة من الأزمات السياسية والدستورية تمر بها الكويت بشكل شبه دوري. فعلى مدى العقدين الماضيين جاءت جميع التعديلات الوزارية نتيجة أزمة أو مواجهة بين البرلمان والحكومة، وليس نتاج تغير في السياسات أو التوجهات العامة للدولة. كذلك تم حل البرلمان ثلاث مرات (1976/1986/1999)، وظلت الحياة البرلمانية معطلة في المرة الأولى خمس سنوات، وفي الثانية ست سنوات، بينما أعيد تشكيل البرلمان سريعًا في المرة الأخيرة عبر الانتخابات.

ويندر أن توجد في الوطن العربي هذه السلسلة المتكررة من الأزمات السياسية والدستورية، سواء على مستوى دول الخليج (وهي لا تملك أصلاً حياة برلمانية بالمعنى المعروف) أو على مستوى الدول الأخرى ذات التاريخ الطويل في الحياة البرلمانية والمشاركة السياسية على اختلاف درجاتها.

من هنا يمكن القول: إن ثمّة حلقة مغلقة تدور فيها الحياة السياسية الكويتية في العقود الثلاثة الماضية. وإطار هذه الحلقة يتلخص في عدم غلبة أي من السلطات أو الأجهزة القائمة على الأخرى، باستثناء الأمير الذي يتمتع بصلاحيات وسلطات تفوق أية سلطة في الدولة. وكلما دارت السلطتان التشريعية والتنفيذية في تلك الحلقة المفرغة- عبر أزمة بين البرلمان والحكومة- يكون قرار الأمير هو الفيصل في تحديد كيفية كسر هذه الحلقة. ونادرًا ما يكون هذا بعيدًا عن تغيير في تشكيل الحكومة، أو حل البرلمان، قبل أن تدخل الحكومة بتشكيلها الجديد في أزمة أخرى مع البرلمان القائم أو العكس.

إحجام عن السلطة

من المفارقات في الحياة السياسية الكويتية، إحجام التيارات والقوى السياسية عن السعي إلى السلطة؛ أو بعبارة أخرى: هناك حالة من التوافق العام على غياب مبدأ تداول السلطة؛ وهو توافق يثير الاستغراب في مجتمع ديناميكي نشط سياسيًّا، ويحفل بتيارات سياسية متباينة التوجهات، ما يثير التساؤل حول أسباب هذا التوافق.

وربما يجد هذا التساؤل بعضًا من إجابته في طبيعة النظام السياسي الكويتي، فضلاً عن أحكام الدستور، وحركة التفاعلات السياسية بين السلطات. فنجد أن محور التفاعل ومجال الحركة لا يتجاوز دوائر محدودة من القضايا، ولا يمتد- على سبيل المثال- إلى السياسات العامة للدولة، لا داخليًّا ولا خارجيًّا؛ إذ تتسم هذه السياسات بقدر كبير من الثبات والحصانة، بدءاً بالنظام الحاكم الذي ينحصر في عائلة واحدة، وانتهاء بالاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية في ضمان الأمن.

وبالتالي تنعدم تقريبًا الرغبة في الوصول إلى السلطة لدى معظم- إن لم يكن كل- القوى والتيارات السياسية الكويتية. وكذلك الأمر على مستوى الشخصيات والرموز، سواء المعارضة أو المؤيدة للنظام. ويصبح من الطبيعي بعد ذلك أن تكون جميع الأزمات السياسية والدستورية نتاج خلاف حول قضية بعينها أو موقف محدد، وليس حول سياسة عامة أو إستراتيجية طويلة الأمد تتعلق بمصالح الدولة أو ثوابتها.

قضايا مهمة.. ولكن

تشترك القضايا التي تسببت في الأزمات السابقة- سواء التي أدت إلى استقالة الحكومة وإجراء تعديل وزاري، أو التي أودت بالبرلمان إلى الحل وتعطيل الحياة البرلمانية- في كونها غير مصيرية، كما أنها تتعلق بمسائل تنفيذية أو جزئية بالدرجة الأولى، ولا يوجد بينها تقريبًا ما يتعلق بأمن الكويت، أو ما يمس مصالحها الحيوية. وفي الحالة الأخيرة على سبيل المثال، فإن الحكومة السابقة قدمت استقالتها إلى الأمير في الثامن والعشرين من شهر يناير الماضي، إثر إصرار بعض نواب البرلمان على استجواب وزير العدل بشأن تعامل وزارته مع قضايا فساد مالي وإداري. كما كان النواب يستعدون لفتح ملف شائك، وهو فتح بعض مجالات قطاع النفط أمام الاستثمارات الأجنبية. وهو الملف الذي بدأ البرلمان بالفعل في مواجهة الحكومة الجديدة به مع أول جلسة انعقاد له، وسيستأنف هذه المواجهة في جلسة اليوم (الأربعاء 14 مارس).

ومع التسليم بأهمية القضايا التي تسبب الأزمات، ينبغي الاعتراف في الوقت ذاته بأنها لا تستحق أن تكون سببًا في تغيير حكومة أو حل برلمان. وربما كان الأمر سيبدو مقبولاً لو جاء التغيير الوزاري أو البرلماني في سياق التسلسل المفترض، أي بعد التصويت على الثقة بالوزير طرف الخلاف. لكن في كل مرة كان الحسم يأتي إما بحل البرلمان، أو بمبادرة الحكومة إلى الاستقالة ورفع الأمر إلى الأمير لحسم المسألة.

جوهر الأزمة

الأزمة الحقيقية في الحياة السياسية الكويتية ليست في تعدد المواجهات بين الحكومة والبرلمان، ولا في اللجوء دائمًا إلى خيار استقالة الحكومة أو حل البرلمان، فهذه المظاهر ليست إلا تعبيرًا عن العرض لا المرض.

فتعدد المواجهات وسخونة التفاعلات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية تُعَدّ علامة صحية، أو على الأقل لا تعني بالضرورة أن العلاقة بين الطرفين غير سوية. لكن المشكلة الحقيقية في أن تلك الأزمات تمرّ في كل مرة بالتسلسل ذاته. وفي حقيقة الأمر من غير المحتمل بحال أن يطرأ تغير على هذا النمط؛ وذلك نتيجة للخلل الأصلي في صلب النظام السياسي، حيث لا غلبة حقيقية لأي من السلطتين على الأخرى. فبصرف النظر عن مواد الدستور وما يتيحه مثلاً للبرلمان من قدرة على سحب الثقة بأحد الوزراء أو الحكومة كلها، فإن الأمر الواقع يشير إلى أن القرار الأخير يظل دائمًا في يد الأمير، الذي يملك رفض إجراء تغيير وزاري، بل وحل البرلمان.

فبخلاف المتعارف عليه في النظم السياسية البرلمانية، تقتصر صلاحيات مجلس الأمة الكويتي الفعلية على المهام التشريعية والرقابية، ولا تمتد هذه الصلاحيات- حسبما يفترض في السلطة التي تنوب عن الشعب- إلى القدرة على تصحيح مسار السلطة التنفيذية. ومن هنا تتعدد الأزمات مع كل خلاف أيًّا كان حجمه، حيث لا يملك البرلمان مصادر قوة فعلية تمكنه من إجبار الحكومة على التراجع عن قرارها؛ ولذا يلجأ البرلمان دائمًا إلى أسلوب الاستجوابات البرلمانية، بالتوازي مع إثارة حملة إعلامية، وتأليب الرأي العام على الحكومة في الموضوع محل الخلاف، فتصبح الحكومة أو أحد وزرائها في مواجهة ضغط إعلامي أو شعبي أكثر منه دستوريا أو سياسيا.

ومع الإقرار بأن ميزان القوى بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ليس متكافئًا، ويميل نسبيًّا في صالح مجلس الأمة، فإن استناد السلطة التنفيذية دائمًا إلى إمكانية تدخل الأمير في أي وقت يضيق كثيرًا من المدى الذي يمكن للبرلمان أن يصل إليه في تعاطيه مع الحكومات المتعاقبة.

لكن ليس هذا هو الوجه الوحيد لحقيقة الخلل الذي تعانيه الحياة السياسية الكويتية، فصفة الجزئية أو التنفيذية التي تتسم بها القضايا الخلافية، وعوامل نشوب الأزمات المتتالية تكشف بدورها عن جانب آخر لا يقل أهمية عن خلل توزيع القوة بين السلطات: وهو الخلل في فهم دور البرلمان والمهام المنوطة بنواب الشعب.

وربما يبدو من الطبيعي أن يهتم نواب البرلمان بقضايا مثل فتح قطاع النفط أمام الاستثمارات الأجنبية، أو قضايا التسلح وصفقات السلاح المثيرة للشبهات؛ لكن كثيرًا ما يتطرق نواب مجلس الأمة الكويتي إلى قضايا أقل أهمية. فأحيانًا تشمل اهتمامات النواب مسائل محلية في صميم اختصاصات المجالس البلدية، وأحيانًا يتطرق البرلمان إلى قضايا عدلية بحتة، يفترض أن يكون الفيصل فيها للقضاء.

كذلك بتحليل الأداء البرلماني الكويتي على مدى العقدين الماضيين، نلاحظ أن مجال العمل البرلماني يكاد يقتصر على المهمة الرقابية، بينما تراجعت إلى حد كبير مهمة التشريع ورسم السياسات وسن القوانين. وتحول الأمر تدريجيًّا إلى أن يصبح البرلمان الكويتي في موقف المستقبل فقط للمراسيم والتشريعات. ويبدأ بعد ذلك في التفاعل واتخاذ موقف مع الحكومة بشأنها؛ مما أتاح الفرصة للحكومة لتمسك بزمام المبادرة حتى في مجال التشريع.

لا جديد متوقع

بناء على ما سبق، فإن الجلسة الساخنة التي تنعقد الأربعاء (14 مارس)، ويناقش فيها البرلمان ما يصفه النواب بخصخصة قطاع النفط، تأتي واحدة من مئات مثلها على مدى الحياة البرلمانية الكويتية، والسؤال.. إلى متى سيستمر هذا النمط المتكرر من تغير الحكومة أو البرلمان، ثم وقوع أزمة يستحيل معها التعايش بينهما فيتم تغيير أحدهما، وهكذا…؟

يبدو جليًّا من التحليل السابق، أن الوضع القائم مرشح للاستمرار في الأمد المنظور، ولا توجد في واقع الأمر أية مؤشرات على تغير هذا النمط، فلا ثوابت النظام قابلة للتغيير، ولا القوى السياسية القائمة لديها الرغبة أو القدرة على الصراع من أجل هذا التغيير.

ونسوق مثالاً واحداً على ذلك: رغم التراجع الملحوظ في الحالة الصحية للشيخ سعد العبد الله ولي العهد ورئيس الوزراء- ما دفع البعض إلى المطالبة بفصل ولاية العهد عن رئاسة الوزراء، حتى يمكن تكليف شخص آخر بقيادة الحكومة- فإن الأمير الشيخ جابر الأحمد الصباح رفض هذا الفصل.

ورغم أن الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية يتولى فعليًّا كثيرًا من مهام رئيس الحكومة، فإن تمسك الأمير بوجود الشيخ سعد على رأس الحكومة رسميًّا يعطي دلالة واضحة على النهج الذي تتبعه الدولة الكويتية في التعاطي مع المستجدات الداخلية. ويشير في الوقت ذاته إلى ضعف- إن لم يكن انعدام- احتمالات اتجاه النظام الحاكم إلى كسر الحلقة المغلقة التي تدور فيها العلاقة بين الحكومة والبرلمان، ناهيك عن تحسين أو تعديل هيكل النظام السياسي وتوزيع السلطة فيه.

وعلى تعدد أسباب إحجام النظام عن مجرد التفكير هذا الاتجاه، فإن سببًا جوهريًّا وبديهيًّا يتصدرها: هو أن طبيعة النظام السياسي (سواء على مستوى الهيكل والتنظيم أو على مستوى التفاعلات والحركة) تُعَدّ مثاليًّة بالنسبة للعائلة الحاكمة، والأمير على وجه التحديد. فهو من ناحية، يحفظ له قدسية وحصانة المنصب ومبدأ توريث السلطة. ومن ناحية ثانية، يجعل له اليد العليا في بيئة مشدودة دائمًا.

وأخيرًا يحفظ النظام السياسي بحالته للكويت صورتها كأكثر الدول الخليجية تمتعًا بحرية التعبير والمشاركة السياسية، وعنونة هذه الصورة بـ"الديمقراطية".


سامح راشد باحث في الشؤون السياسية 

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات