|
| جنود تشاديون يحرسون بعض المتمردين فى منطقة الحدود بين السودان وتشاد |
رغم أن غالبية آراء الدبلوماسيين وخبراء الشئون الإفريقية تكاد تجمع على أن التصعيد التشادي الأخير ضد السودان لحد إعلان حكومة الرئيس إدريس ديبي أنها في حالة حرب مع الخرطوم، ما هو إلا محاولة للاستقواء بالخارج للضغط على الخرطوم كي تتعاون معها في القضاء على قرابة 300 ضابط وجندي ومسئول تشادي تمردوا على حكم (ديبي) ويسعون للإطاحة به، لكن لا شك أن هذا التصعيد سيشكل حلقة ضغط أخرى على الخرطوم تخدم أجندة الحصار الأمريكية.
فالتصعيد التشادي - الذي سرعان ما هدأ بتأكيد وزير الدفاع التشادي أن بلاده لن تشن أي هجوم على حدود السودان- جاء في أعقاب سلسلة من الضغوط الأخرى على الخرطوم دفعت البعض لتوقع تصعيد أمريكي وغربي أكبر خلال عام 2006 ضمن خطة "تفكيك" حكومة الخرطوم ذات التوجه الإسلامي بطريقة سلمية عبر سلسلة ضغوط وتنازلات واتفاقات سلام تعزل الحكومة في مركزها بالخرطوم.
ويمكن هنا رصد بعض هذه الضغوط الأخيرة على النحو التالي:
1 - على عكس المتوقع تماما بعد إبرام اتفاقية سلام جنوب السودان، وفي اللحظة نفسها التي كان يجتمع فيها ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي للمرة الأولى مع النائب الأول للرئيس السوداني سيلفا كير زعيم حركة التمرد الجنوبية الجديد في الأسبوع الأول من نوفمبر 2005، أصدرت الولايات المتحدة قرارا بتمديد العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان. وبرر الجانب الأمريكي التمديد بأنه إذا مر يوم الثالث من نوفمبر من دون التوقيع على تجديد العقوبات فهذا يعني قانونيًّا إسقاطها، في حين أن المقصود هو أن السودان لم يوف بعد بكل التزاماته تجاه السلام.
2 - قال جون بولتون مندوب أمريكا المتشدد في الأمم المتحدة أن الولايات المتحدة ربما تسعى لدفع الأمم المتحدة لفرض عقوبات أشد على حكومة الخرطوم بوصفها مصدرا لأعمال العنف في المنطقة. جاءت كلمات بولتون عقب خطاب له أمام مؤتمر اللوبي اليهودي المسمى (لجنة مكافحة التشهير اليهودية الأمريكية).
3 - رفض الكونجرس الأمريكي طلب وزارة الخارجية الأمريكية تخصيص 50 مليون دولار للقوات الإفريقية التي تحاول إقرار السلام في دارفور بغرب السودان بهدف تمويل نحو ستة آلاف جندي من الاتحاد الإفريقي بنهاية العام 2005.
4 - حدثت تحركات غريبة فيما يخص سعي الغرب لمحاكمة مسئولين سودانيين حاليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، حيث دعت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الأمريكية المعنية بحقوقِ الإنسان في تقريرٍ لها بعنوان "الحصانة المحمية.. مسئولية الحكومة عن الجرائم الدولية في دارفور" يوم 11/12 مجلس الأمن الدولي إلى التحقيق مع الرئيس السوداني عمر حسن البشير و20 عضوًا آخرين في الحكومة والجيش السودانيين كمشتبه بهم بالتورط في أعمال العنف التي وقعت في إقليم دارفور غرب السودان، وأعد التقرير كي تستعين به المحكمة الجنائية الدولية التي أوكل إليها مجلس الأمن الدولي في مارس 2006م مهمة توجيه الاتهامات إلى المسئولين عن ارتكاب انتهاكات، وفي نفس التوقيت رفع "يان إيجلاند" مساعد الأمين العام للأمم المتحدة ومنسق الإغاثة الطارئة تقريرًا لمجلس الأمن يشكو فيه الحكومة السودانية لما أسماه بمشاركتها في قتلِ آلاف المواطنين في دارفور وعرقلة أعمال الإغاثة في الإقليم، وكل هذه الأمور تهدد بفرض عقوبات دولية جديدة على السودان مثلما حدث في 25 يناير الماضي 2005.
5 - يبدو أن البترول -الذي هو سر التدخل والحرص الغربي على التواجد الكثيف في السودان- له صلة بالتصعيد التشادي عبر أطراف خارجية خاصة فرنسا التي لها تواجد عسكري في هذه المنطقة ووقفت بجانب تشاد طمعا في بترولها الذي بدأ يظهر في أراضيها.
حقيقة أزمة تشاد
منذ حوالي شهرين تقريبا، تصاعدت حدة الصراعات داخل حكومة الرئيس الحالي إدريس ديبي، وتمرد حوالي 300 جندي وضابط ومسئول تشادي كانوا قد ساعدوا إدريس ديبي على الاستيلاء على السلطة في تمرد عام 1990، غير أنهم يتهمونه الآن بالفساد وتعهدوا بالإطاحة به، وفروا من الجيش إلي مدينة داخل الحدود السودانية.
وقد طالبت تشاد الحكومة السودانية بالتعاون لمنع هؤلاء المتمردين من تهديد سلطة الرئيس التشادي خصوصا أن بينهم قادة كبارا في الجيش شكلوا حركة سياسية هي (التجمع من أجل الديمقراطية والحرية) للإطاحة بالرئيس التشادي.
وتقول مصادر سودانية إن الخرطوم تعاملت في البداية بهدوء مع المشكلة، وفي هذا الصدد صرح مستشار الرئيس السوداني د. مصطفى عثمان إسماعيل بأن الحكومة التشادية طالبت الحكومة السودانية بالتعامل بشدة مع بعض أفراد الجيش التشادي الفارين إلى الأراضي السودانية، وأشار إلى أن الحكومة تتعامل مع هؤلاء الفارين من الجيش التشادي باعتبارهم لاجئين فقط ولا يمكن التعامل معهم بشدة.
استجابت الخرطوم للطلب التشادي، خصوصا أن تشاد عاونت السودان في أزمة دارفور (التي تقع على الحدود مع تشاد)، وتوسطت بين الخرطوم وقادة حركة تمرد دارفور. بيد أن المشكلة ظلت صعبة لأن منطقة الحدود بين تشاد والسودان واسعة ويسهل الخروج والدخول منها، فضلا عن أنها منطقة تداخل قبلي، حيث تسكنها على جانبي الحدود (مدينة "أدريه" التشادية ومدينة "الجنينة" السودانية) قبيلة (الزغاوة)، ما يعني صعوبة السيطرة على المتمردين التشاديين بقوة أو منعهم من تجنيد موالين لهم من أبناء نفس القبيلة على حدود السودان أو الحصول منهم على السلاح المنتشر هنا نتيجة حرب دارفور والتدخلات الدولية في المنطقة.
غير أن الأزمة بين السودان وتشاد اشتعلت في أعقاب الهجوم الذي شنه المتمردون يوم 18-12-2005م، على بلدة "أدريه" وكان من أكبر الهجمات في الصراع الداخلي المتصاعد؛ لأنه نتج عنه عمليات توغل" داخل الأراضي التشادية من المتمردين لأول مرة، ما دفع تشاد للتصعيد وإعلان أنها في حالة حرب مع السودان كي تضغط على الخرطوم خصوصا أن هناك مفاوضات صعبة تجري حاليا بين الخرطوم ومتمردي دارفور تتوسط فيها تشاد وقد تنحاز للمتمردين السودانيين ردا على موقف الخرطوم من متمردي تشاد.
ومع أن القوات التشادية نجحت -بدعم غربي- في رد التمرد بل والتوغل في أرض السودان لضرب مناطق للمتمردين على الحكومة، فمن المستبعد أن تنشب حرب بين الطرفين عبر الحدود لعدة أسباب أبرزها صعوبة مهاجمة تشاد مناطق الحدود مع السودان؛ لأنها تضم أبناء قبيلة الزغاوة المنتشرة في شرق تشاد وغرب السودان، فضلا عن خشية تأثير هذا على قرابة 200 ألف لاجئ سوداني يقيمون في تشاد منذ اندلاع تمرد دارفور. كما أن حكومة الخرطوم أكثر حرصا على تهدئة الصراع في هذه المنطقة بدورها لتعميم السلام على أرضها المهددة بالتجزئة وعدم إفساد فرح السلام الذي بدأ بالجنوب.
وربما لهذه الأسباب، إضافة إلى قوة حركة التمرد التشادية، سعى الرئيس التشادي لتدويل مشاكله الداخلية، وتحريض حلفائه في الغرب خصوصا فرنسا وأمريكا على التدخل من خلال إعلان أن بلاده في حالة حرب مع السودان، ودعا المتحدث باسم حكومة تشاد (هورمادجى موسى دومغور) "أصدقاء تشاد لدعمها بكل الوسائل في هذه المحنة".
الخرطوم أقرب لتشاد من الغرب
ويبدو أن تشاد -التي فوجئت بموقف فرنسي مائع من إعلانها حالة الحرب مع السودان- أدركت أن الخرطوم هي الأقرب لها من الغرب من زاوية لعب دور فعلي لإنهاء الأزمة بين الحكومة ومتمرديها، بل وقد تسمح لها بالتوغل في أراضيها رسميا لضرب المتمردين. ولهذا تراجعت عن موقفها المتشدد حيال العلاقات المتوترة بينها وبين السودان، حيث قال وزير الدفاع التشادي (بشارة عيسى): إن بلاده لا تنوي شن حرب على الشعب السوداني، ولم تعلن الحرب على السودان، ولكنه قال إن من حق تشاد طرد أي قوات تهاجمها وضربها ومتابعتها حتى يتم القضاء عليها.
تشاد تدرك أن التصعيد ليس في صالحها في نهاية الأمر؛ لأن التمرد قد يتسع ويغذيه اللاجئون السودانيون في تشاد أو على الحدود مع السودان، كما سيغذيه انتشار السلاح بقوة في هذه المنطقة غرب دافور نتيجة الصراع المسلح هناك؛ ومن ثم استقواء حركة التمرد التشادية بالسلاح والأفراد وقيادتها حرب فعلية لإسقاط لرئيس ديبي المتهم بالفساد.
أيضا أثبتت التجارب السابقة أن الغرب وفرنسا ليس لها نظام أو شخص تحميه، وإنما مصالح ومنافع من يقدر على حمايتها والحفاظ عليها فهو "الرئيس" ومن يفشل فلا بواكي عليه كما حدث مع رؤساء تشاديين سابقين، ورد الفعل الفرنسي الباهت على هجمات التمرد الأخيرة ضد حكومة ديبي أكبر دليل على هذا الحياد بين المتحاربين بهدف التعاون مع الفائز في نهاية الأمر، إذ اكتفت الخارجية الفرنسية بالقول: "إن فرنسا تذكر بأنها ترفض أي محاولة للاستيلاء على السلطة بالطرق غير الديمقراطية لا سيما باستخدام القوة" بدون الإشارة إلى صلة محتملة للسودان بالهجوم الذي سارعت نجامينا لاتهام الخرطوم به.
أيضا يدرك التشاديون أن ثمة مخطط غربي إستراتيجي محدد للسودان ليس من بينه (الحرب) ويقوم على فكرة تفتيت الأطراف عبر سلسلة من اتفاقات السلام السودانية في الجنوب والغرب والشمال لتحقيق هدف أهم هو إضعاف التوجه الإسلامي في حكومة الخرطوم وتحويلها إلى حكومة علمانية.
التصعيد التشادي لن يؤدي بالتالي إلى حرب محتملة بين الطرفين لأسباب داخلية لدى البلدين، وأسباب أخرى دولية، وهو ليس سوى محاولة لجلب التدخل الدولي وطلب الإنقاذ من الأصدقاء الغربيين. لكن المشكلة أن هذا التصعيد قدم خدمة أخرى للتصعيد الغربي ضد السودان، خصوصا في ملف دارفور والحدود الملتهبة في منطقة غرب السودان، وزاد الضغوط الغربية على الخرطوم.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|