|
| غازي صلاح الدين |
أوضح الدكتور غازي صلاح الدين أحد المؤسسين الفعليين للحركة الإسلامية في السودان، ومستشار الرئيس السوداني في حوار أجرته معه "إسلام أون لاين.نت" أن جبهة الإنقاذ قد ضعفت تنظيميا بعد الانقسام الذي حدث في صفها، لكنها كونت مخزونا فكريا مهما على اعتبار أن الحركة هي بالأساس حركة إصلاحية. ولم ينكر غازي وقوع الحركة في بعض الأخطاء السابقة الناجمة عن حداثة التجربة، وهو ما تعمل الحركة اليوم على مراجعته.
والدكتور غازي صلاح الدين ولد في عام 1951، تخرج في كلية الطب جامعة الخرطوم، ونال درجة الدكتوراة في الفلسفة الكيميائية الإكلينيكية من جامعة سري بالمملكة المتحدة. وقد عمل مستشارا للرئيس السوداني لشئون السلام من يونيو (2001) حتى نوفمبر (2003)، وقاد مفاوضات السلام السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. وتقلد العديد من المناصب الوزارية، فقد تولى موقع الأمين العام للحزب الحاكم، ووزير الثقافة والإعلام ووزير الاتصالات، ومستشار الشئون السياسية برئاسة الجمهورية، ووزير دولة بوزارة الخارجية، كما تولى رئاسة العديد من مجالس الإدارات شملت وكالة سونا للأخبار، وأكاديمية السودان لعلوم الاتصال والتدريب الإعلامي، ومجلس الإعلام الخارجي. كما شارك "غازي" في العديد من المؤتمرات واجتماعات القمة مفاوضا عن السودان في مجالات الثقافة والإعلام وحوار الأديان.
حول تقييمه لستة عشر عاما من تجربة الحركة الإسلامية في حكم السودان، كان هذا الحوار:
* بعد مرور 16 عاما على تولي الحركة الإسلامية السلطة في السودان، كيف تصف لنا الوضع الحالي داخل الحركة؟.
- كما هو معلوم الصف الإسلامي انقسم.. وإذا نظرنا إلى الجانب التنظيمي نجد أن الحركة قد ضعفت بهذا، ولكن هناك بعد آخر وهو البعد الفكري. بمعنى أن الصف انقسم ولكن الأفكار توحدت، فهي تطورت ونمت في سياق تجربة الحركة وأصبحت مكنونا لقضايا الحياة العامة ومسائلها. وفي اعتقادي أن هذا المخزون هو الأهم على اعتبار أن الحركة هي في الأساس حركة إصلاحية.. فانتشار الأفكار وترسيخها هو الأهم، وهذا هو الجانب الأقوى في الحركة، فهي طرحت مسألة التدين بمنظور جديد فقالت إن السبب في تأخر المؤمنين وتخلفهم الحضاري هو أنهم فقدوا ارتباطهم بدينهم... والجديد الذي أتت به الحركة منذ أن انطلقت هو أن الإسلام ينبغي أن يكون مؤثرا في علاقات المجتمع والعلاقات الدولية وهذا هو المجال الذي أحب أن أنظر منه. أما خصوصية التجربة في السودان فتأتي من أن الحركة لم تتوقف في حدود الطرح النظري، وهذا كان مطلب الحركات الإسلامية في المنطقة العربية من منطلق التجديد في المجتمع والنفاذ إلى مواقع الناس حتى تصل الكلمة.
والحركة في السودان وصلت للحكم عن طريق انقلاب من خلال نقلة عسكرية، ولكن هذا لا يمنع أن اتجاهها العام كان إحداث تحول اجتماعي يتوافق مع أفكارنا وتقديم نماذج في الحكم مختلفة عن النماذج القائمة.
* هذا يقودنا إلى سؤال ربما يكون متقدما بعض الشيء وهو هل بعد هذه التجربة توجد إعادة نظر في مسألة التمييز بين الدعوي والسياسي في مسارات الحركة الإسلامية بعدما أصبح الجمع بينهما إثمه أكبر من نفعه؟.
- أحاذر أن أضع وصفة يفهم أو يؤخذ منها المناداة أو المطالبة بفصل الهدي الديني عن مناهج الحكم؛ لأنه لا بد أن يكون للحركات أطروحاتها السياسية. ومن واقع تجربتي أرى من الخطورة أن يرهن المشروع في بعده الرسالي والفكري والنظري والدعوي للسلطة، والأصل أن تبقى الفكرة حية ومتقدمة وهذا يتأتى من خلال عمل دعوي لأجل إبلاغ الرسالات من خلال تقديم النماذج والقدرات فنحن لا نستطيع أن نكون دعاة إذا لم نكن قدوة.
فالسلطة مهمة؛ لأنها هي التي تملك زمام الأمور في المجتمعات الحديثة وهي التي تضع السياسات وتحمي المجتمع وتحكمه، وتضع المناخ العام للحياة وتشكل المنظومة الدولية، ولكن يبقى الأساس في الفكرة أن تكون السلطة أحد أدواتها ولا ينبغي أن تختفي السلطة.
ولو طلب مني أن أكون ناقدا لقلت إن التلازم بين صف الدعوة والحكومة كان أوثق بدرجة جعلت الفكرة تتأثر بالتطبيق وتتحمل مسئولية الإخفاق ونحن بشر من الممكن أن نخطئ. ولذلك ظل رأيي الشخصي هو أنه ينبغي عدم التخلي عن المشروع السياسي مطلقا بكل احتمالاته؛ ينبغي ألا نقف عند حد معين ونقول إن الفكرة ستتأثر ولذلك ينبغي أن نبتعد، والموازنة فيها أن يكون لدينا معيار جديد ودقيق بين ما هو فكرة مطلقة ندافع عنها ونحافظ عليها وبين ما هو تطبيق.. وبالتالي فنحن نحتاج الفرز وليس الفصل بين الحركة ككتلة وخطابها وفكرها وبين السلطة في المستوى السياسي التنظيمي. فالسلطة أحيانا تضطر إلى مواقف لا تمثل الكمال في السياسة الدولية مثلما تضطر أحيانا إلى موازنة القوى العالمية.
ومن المآخذ على التيار الإسلامي، وأرجو ألا يتحسس البعض من ذلك الرأي استغلال الدعوة والفكرة والدين من أجل السياسة، فكما ينبغي ألا يكون المال أداة في التأثير السياسي، فإن تحول الإسلاميين إلى استغلال الدين لتحقيق مكاسب دنيوية هو أمر مرفوض.
* إذن ما الصورة المثلى التي تراها للحركة الإسلامية التي تتصدر لقيادة الإصلاح في بلادها؟ هل تفضل صيغة الحركة الشاملة الجامعة أم أن الأفضل في تعدد الحركات؟.
- يختلف الاختيار من مجتمع إلى آخر وربما الأنسب في كل الأحوال أن يكون هناك تنظيم، فرغم أن المجتمع لم يعتد على هذه الفكرة، ولكن هناك مجتمعات ما زالت ترفضها فلا بد من الأوعية التي تحمي تلك الأفكار. وأنا من دعاة أن يكون شكل الحركة فضفاضا أكثر من الآن، فالأفكار تنتشر أكثر كلما وجدت أوعية تستوعب اهتمامات الناس المختلفة، ولكن كيف نصل إلى مظلة عامة تحمي هذا التعدد؟ وكيف يؤسس دون اتهامات في العقيدة؟ هذا هو التساؤل.. وأنا أحيل إلى فيدرالية الحركة الإسلامية، فالذي يبقى ليس الحركات ولا التيارات وإنما الذي يبقى في التاريخ هو الفكرة وتداعياتها.
وإذا طرحنا الإسلام على أنه أيديولوجية فهذا خطر، بل لا بد أن يكون ثقافة منتشرة تحرك وجدان الناس طوعا، وهذا أفضل من أن يصير فكرة أيديولوجية؛ لأنها بطبيعتها بها قدر من الإقصاء للآخر؛ لأنها ترى المسائل بوجهة نظر محددة لا تحتمل هوامش للتوسع في النظر إلى الفكرة وهذا قصر لها في المنتهى.
* وكيف نفرق داخل هذا الشكل الفضفاض بين ما هو دعوي وما هو سياسي؟.
- لا أفرق بين الداعية والسياسي.. فالداعية يحمل ذات الأفكار السياسية ولكن الميول والإعداد الشخصي والمواهب لديهما تختلف. أدعو إلى تعدد في الأوعية التنظيمية وإلى تعدد حتى في الوعاء السياسي نفسه سواء في المسارات التي تتحرك فيها أو في التحالفات التي تؤسس لها، خاصة مع المختلفين معها ومن غير المسلمين.. الحركة الإسلامية مطالبة بتعزيز وعيها بمسألة التحالفات والتوحدات مع غيرها سواء على المستوى الإسلامي أو الوطني.. وهذه محمدة.. وفي كل الأحوال نؤمن بأننا خطاءون وليس بالضرورة أن يكون حلمنا هو المطلق.
* ما الذي تعتقد أنه ينبغي أن يكون على رأس أولويات الحركة الإسلامية وهي تقف على عتبة جديدة وتمارس مراجعة لتجربتها؟.
- أعتقد أن الفكرة الإسلامية هي أقوى فكرة الآن في الساحة العربية والإسلامية، خاصة بعد تراجع التجربة الماركسية.. ولكنها تعاني من مشاكل فهي متنوعة ومتفاوتة في أطوارها.. ومن أهم ما يجب أن تتصدى له هو قضية الديمقراطية وإدارة التعدد.. وهذا لا يثير القلق بالنسبة لي، فنحن لم تكن لدينا خبرة التعامل مع التعدد من قبل.. ولكن التجارب تحدث تحولات، والقيمة أن نتواضع بحيث نقدم ما نؤمن به من أفكار ليس باعتباره حقيقة مطلقة ولكن كاجتهاد ربما يكون ناقصا.
وأعتقد أن الذي يمكن أن يعاب على الحركات الإسلامية سببه الطغيان السياسي العربي القائم، فهو لم يسمح لأي حركة بأن تطور من أفكارها من خلال المعايشة اليومية.. ونحن نحتاج إلى تأكيد مجموعة من القيم التي ترسخ الإيمان بالحق في التعددية السياسية، خصوصا أن التجربة القومية العربية لم تتعامل مع التعدد منذ الستينيات، بالإضافة إلى أن هنالك مجتمعات تقمع الحريات؛ لذلك لا بد أن تسود قيم سياسية وأخلاقية وطرق ممارسة تؤكد التعدد. وإذا أرادت الحركة الإسلامية مزيدا من المصداقية وثقة الناس فينبغي أن ترفع الراية بقبول الآخر، وأن تطرح الفكرة، وأن تؤمن بأنه لا أحد يملك الحق المطلق.
* البعض يرى أن الحركة تخلط كثيرا بين الدعوي والسياسي، وتوظف مكاسب الدعوي لمصلحة السياسي، وتمارس أحيانا قهرا مستترا بهذا الخلط الذي يعطي للسياسي من التأثير ما لم يكن ليحظى به لو كان خطابا سياسيا بحتا.. أليست هناك ضرورة في أن تضع الحركة على أولوياتها ترسيخ التعدد بين الخطاب السياسي والدعوي؟.
- أنا أرى أن السياسة دعوة.. ولا أحب هذا التمييز، بمعنى أن الخطاب السياسي هو دعوي؛ لأنه ينبه الناس بقضية معينة في البعد الإسلامي... أدرك أن هناك مساحة من الخطأ في السياسة، فأنا كسياسي مثلا أعتقد أن ما هو تقديري هو نهائي ومعظم المواقف السياسية تقديرية، فمثلا نصب الإمام قضية شرعية واجبة ولكن كيف ينصب هل بالاختيار أم بالقهر؟ هذه تقديرية. وهناك مسلمات تقول إن الاقتصاد لا يقوم على الربا لكن ما هو الربا؟ هذا أيضا تقديري... فالسياسة كلها مواقف تقديرية وهناك خلط بين ما هو تقديري ونهائي وهذا ناتج عن أن البيئة السياسية غير ناضجة.
* هناك اتجاه يرى أن التدخل الخارجي هو السبب الأول في إعاقة مسيرة الحركة الإسلامية في حكم السودان.. كيف ترى الأمر؟ وما وزن الدور الخارجي في إعاقة التجربة؟.
- الذي يمكن أن نأخذه على الحركة في السودان هو أنها حملت أدوات التغيير إلى شكل دستوري ونظام سياسي منذ البداية، ولكن التجربة شُوهت بالتدخل الدولي ومضت الأمور بتعقيدات وكل هذا ساعد في الإعاقة ولا أعفي الحركة من الأخطاء.
* هل كان لديكم الوعي بما تسير إليه الحركة وأنها ربما حادت عن مسارها ومبادئها قبل أن تنتهي إلى ما انتهت إليه؟.
- منذ وقت مبكر بدأت أشعر بالإشفاق على التجربة.. ربما منذ بداية التسعينيات أو في عام 1992 تحديدا.. لكن الحديث عن هذا يطول.
* وكيف تستعيد الحركة عافيتها من جديد وتنهض في المرحلة القادمة؟.
- العمل الإسلامي سيكون قطعا مختلفا ويعتمد هذا على القائد الذي يمكن أن يبرز الآن ويضع حقائق المرحلة، وهذه لحظة مهمة جدا الآن لذلك، فالحركة لم تتطور بمنطق الإسلام ولكنها تطورت بشروط مختلفة وبعقلية مختلفة، وفي النهاية كان محسوبا عليها وما حدث من ضغوط دولية أثر فيها بالطبع ولا أعفي الآخرين.
اقرأ نص الحوارين:
صحفي وباحث مصري.
|