الرباط - شكلت الخطوة الموريتانية برفع درجة العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني إلى مستوى السفراء، تعبيرًا جديدًا عن حالة التشرذم في العلاقات المغاربية فيما يتعلّق بمسألة التطبيع، وانضافت إلى الخطوات الجارية على صعيد باقي دول المنطقة.
لقد أثارت هذه الخطوة مفاجأة عدد من الأطراف، إلا أنها جاءت محصلة موضوعية لتراكم عدد من الخطوات طيلة السنوات الثلاث الماضية، وقد ساهم فوز "إيهود باراك" في الانتخابات الإسرائيلية في مايو المنصرم، ثم الديناميكية التطبيعية التي واكبت جنازة العاهل المغربي الراحل أواخر يوليو الماضي، في إعطاء دفعة لمسلسل التطبيع.
لماذا يتقدم المغرب وموريتانيا هذا المسلسل؟ وما هو وضع باقي الدول المغاربية؟ ومـا هي أبعاد وحيثيات هذه التطورات؟
رهانات جيوستراتيجية واقتصادية كبرى
قبل الانخراط في دراسة حالة كل دولة مغاربية على حدة، يجدُر بنـا استيعاب الإطار العام المحدد للتطورات آنفة الذكر؛ فمنذ منتصف عقد التسعينات، تبلورت معالم سياسة أمريكية جديدة تجاه المنطقة المغاربية، وتمثلت في مبادرتين؛ الأولى: من خلال الحلف الأطلسي، وهي مبادرة الحوار المتوسطي والذي بدأ منذ سنة 1994 ، ويضم الناتو وست دول متوسطية هي: مصر، والأردن، وموريتانيا، والمغرب، وتونس، وإسرائيل، وذلك في إطار برنامج " الشراكة من أجل السلام ". وفي سنة 1997 تشكلت قوات إفريقية للتدخل السريع بتأطير الولايات المتحدة ضمت تونس في أفق إلحاق باقي دول المنطقة.
المبادرة الأمريكية الثانية هي مبادرة الشراكة المغاربية - الأمريكية المسماة بمبادرة إيزنستات والتي أُعلن عنها في يونيو 1998، وتستهدف المغرب والجزائر وتونس من أجل تأسيس منطقة للتجارة الحرة بين هذه الدول والولايات المتحدة ، وترى فيها الدول المغاربية الثلاث منفذًا للخلاص من الأزمة الاقتصادية المستحكمة، ولا سيما بعد تعثر مشروع الشراكة الأورو متوسطية ، وإعلان الولايات المتحدة عن تخصيصها ما يُناهز ملياري دولار للبداية في تنزيل المشاريع الاستثمارية لبرنامج الشراكة.
بالإضافة إلى هذه المبادرة الأمريكية، هناك رهان اقتصادي أكبر يحتوي هذه المبادرة، وهو رهان لإعداد والتحضير لاستئناف عقد القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمـال إفريقيا، فقد أعلن وزير التجارة الأمريكي "وليام ديلي" أثناء جولته في أواسط أكتوبر 1999 في المنطقة العربية- والتي زار فيها ثمــاني دول وهي: الأردن، والسلطة الفلسطينية، ولبنــان، ومصـر، والمغـرب، والإمـارات، والسعـودية ثـم إسـرائـيل- أن القمة الاقتصادية من المرتقـب عقدهـا في ربـيع 2000.
يمكن القول إن السعي الأمريكي لتقرير مكانة الدولة العبرية عبر إحكـام القبضة العسكرية على المنطقة المغاربية من جهة، وتقوية الهيمنة الاقتصادية على المنطقة ورهنها بمسلسل التطبيع الاقتصادي من جهة أخرى، يمثل الإطار الجيوستراتيجي/ الاقتصادي لحُمَّـى التطبـيـع.
حيثيات التسابق المغاربي نحو التطبيع
حالة التسابق الرهيب بين الدول المغاربية -مع استثناء ليـبيا- لتطوير علاقاتها مع الدولة العبرية، تكشف عن وجود حيثيات خاصة بكل دولة على حدة.
بخصوص الجزائر:
فقد شكلت مصافحة بوتفليقة لباراك بالرباط، يوم جنازة الملك الحسن الثاني، تعبيرًا جليًّا عن وجود إرادة جزائرية للانخراط في مسلسل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، "المصافحة/ اللقاء" تمت بإعداد محكم من طرف اليهود المغاربة، ورغم أن بوتفليقة نصّ على الحقوق المشروعة للشعوب العربية، إلا أن نفَس التطبيع كان طاغيًا على خطابه.
وعلى إثر انتقادات وجِهت له، اعتبر أن قبوله المصافحة كان من باب "وإذا حييتم بتحية فحيوُّا بأحسن منها أو ردّوا بمثلها" وأنه لا توجد هرولة أو مزايدة من طرف الجزائر. وتطور الأمر في حوار صحفي ليُعلن أن المصافحة كانت مصيدة، إلا أنه في 24 أكتوبر المنصرم أجرى مقابلة مع صحف إسرائيلية، أعلن فيها عن "أن هناك آفاقًا واسعة للتعاون الاقتصادي بين إسرائيل والجزائر" ، وأنه لا يشعر بأي عداء لإسرائيل، كما سيلتقي بوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي "شلومو بن عامي" و"شمعون بيريس" على هامش مؤتمر "حوض البحر الأبيض المتوسط- عشية الألفية القادمة" وقد انعقد المؤتمر نهاية الأسبوع الثالث من أكتوبر الماضي، وقد كشفت مصادر إسرائيلية عن أن هناك اتصالات مع الجزائر منذ سنة، وتهم المجالات العلمية والثقافية والإعلامية.
و قد فسر هذا التأرجح بكون الجزائر/بوتفليقة، وبعد تصاعد الحضور الديبلوماسي لها في الساحة العربية والإفريقية، وجدت في وفاة الملك الحسن الثاني فرصة لاحتلال موقعه في مسلسل التسوية بالشرق الأوسط، إلا أن الإصرار الأمريكي على الحفاظ على مكانة دور المغرب في هذا المسلسل، والذي برز في تصريحات أولبرايت، بعد زيارتها للرباط في 2 سبتمبر الماضي من جهة، وتوتر العلاقات المغربية - الجزائرية، وعودة الجمود إلى الاتحاد المغاربي من جهة أخرى، خفّض من وتيرة السعي الجزائري للتطبيع دون أن يؤدي ذلك إلى التراجع، لا سيما وأن الرئيس الجزائري كان يخوض حملته حول قانون الوئام المدني. وفي المرحلة الحالية طُرح ملف التطبيع على أجنده الديبلوماسية الجزائرية، خاصة بعد خلاف بوتفليقة مع المؤسسة العسكرية.
بالنسبة لتونس:
فحضورها يبدو خافتًا أو بالأصح متواريًا، ففي 29 يوليو الماضي، عين الكيان الصهيوني رئيسًا جديدًا لمكتب الاتصال الإسرائيلي بتونس، حيث انتهت مهمة "شالوم كوهن" وعوّضه "بني عمير" وكلاهما يهودي مغربي. حفل التوديع نُظِّم في مقر إقامة السفير المصري بتونس، وهو ما يكشف عن ضلوع الديبلوماسية المصرية في هذا المسار المتقدم من التطبيع. وقد اعتبر تغيير القائم بأعمال المكتب بمثابة إشارة سياسية من "باراك" للنظام التونسي للخروج من فترة الجمود في العلاقات التي سادت في مرحلة "نتنياهو"، وهو مـا تفاعلت معه الديبلوماسية التونسية إيجابيًا.
بخصوص موريتانيا:
فهي تمثل حالة استثنائية في عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث بلغت مستويات متقدمة لم تتأثر فيها بسياسات "نتنياهو"، كما قبلت بأجندة تطبيعية متعددة.
بدأت العلاقات رسميًا في 27 نوفمبر 1995 بفتح مكاتب لرعاية المصالح، وفي نهاية أكتوبر 1998 قام وزير الخارجية الموريتاني، آنذاك "شيخ العافية ولد محمد خونا" بزيارة إلى الكيان الصهيوني عقد خلالها مباحثات سرية، إلا أن مصادر ديبلوماسية بواشنطن كشفت أن موريتانيا "اقترحت استقبال نفايات نووية من مفاعل ديمونة الإسرائيلي" فضلاً عن تمكين الكيان الصهيوني من إجراء اختبارات عسكرية للصواريخ طويلة المدى عبر إطلاقها من الكيان لإصابة أهداف في صحراء موريتانيا، وتعهد الكيان الصهيوني بتمويل مشاريع زراعية بها. وبعد ذلك بأسبوعين تم تعيين وزير الخارجية "ولد محمد خونا" رئيسًا للحكومة الموريتانية من طرف الرئيس "ولد الطايع"، مما اعتبر مكافأة له على حصيلة زيارته إلى إسرائيل، هذا في الوقت الذي كانت فيه موريتانيا تعيش أزمة سياسية عميقة تُوِّجت بإعلان أحزاب المعارضة عن مقاطعتها للانتخابات البلدية في يناير 99. وقد تم اعتقال اثنين من قادة المعارضة: أحمد ولد دادة، ومحمادين ولد باباه في منتصف ديسمبر 98 بسبب احتجاجهما على فضيحة دفن النفايات النووية بالصحراء الموريتانية، ومطالبتهما بتشكيل لجنة تحقيق في الموضوع، وقد انتهت المحاكمة بتبرئتهما في أواخر مارس99. كما توالت طيلة سنة 1999 برامج التطبيع على مختلف الأصعدة، رغم التحركات الشعبية المضادة التي قادتها لجنة مناهضة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقد جاءت خطوة تبادل السفراء بعد مدارستها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر الماضي، برعاية أمريكية مباشرة.
تفسير هذه التطورات يعود لعدة أسباب منها: الأزمة الاقتصادية الحادة بموريتانيا؛ والتي وصلت إلى مستوى تهديد وجود النظام الحاكم، فحسب مؤشر تقرير التنمية البشرية لسنة 1999 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية، تُوجد موريتانيا ضمن لائحة الدول الأكثر تخلفًا في الرتبة 149، ولم تتجاوز نسبة نمو الناتج الوطني الخام في العشرين سنة الماضية 2.5 في المائة. ورغم أن مديونيتها لا تتعدى مليارين ونصف المليار دولار؛ إلا أنها عجزت عن تسديدها، واعتبرت من الدول المُثقلة بالديون؛ مما اضطرها إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي لتطبيق برنامج التقويم الهيكلي للاستفادة من غلاف مالي بقيمة 500 مليون دولار لمرحلة 1998-2000 ، ثم طلبت إعادة جدولة ديونها من نادي باريس في الخريف الحالي. ومما عمَّق من الأزمة الاقتصادية استثناؤها من مبادرة الشراكة المغاربية، وتأجيل بحث انضمامها إلى حين إنشاء الشراكة بشكل أفضل. كما عززت حالة الجمود الراهن للاتحاد المغاربي إحساس النظام الموريتاني بالعزلة والتهميش.
وهذا كله ما دفع النظام الموريتاني إلى الارتماء في أحضان الكيان الصهيوني لضمان الموافقة على طلبات القروض ونذكر هنا أن إسبانيا - الوسيط الرئيسي في التطبيع الرئيسي مع إسرائيل - قدمت في الأشهر الثلاثة الأخيرة 4600 طن كمساعدة غذائية، منها 1300 طن قدمت يوم التوقيع على تبادل السفراء.
وقد شهدت موريتانيا تحركات احتجاجية شعبية قوية ضد الاعتراف الديبلوماسي بإسرائيل، كما دعت أمريكا رعاياها بموريتانيا إلى اتخاذ الاحتياطات اللازمة، وقد خلّفت الخطوة الموريتانية اعتراضات قوية من طرف العراق - الذي قطعت العلاقات معه- وليبيا والجامعة العربية.
حالة المغرب:
أما المغرب فقد ارتبط دوره الفعال في مسلسل التطبيع بشخصية الملك الراحل من جهة، وحساسية المرحلة التأسيسية لعملية التطبيع من جهة أخرى، وقد أدى اعتلاء العرش من طرف ملك شاب، تعترضه تحديات اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد، فضلاً عن حداثة تجربته في معالجة المعضلات الديبلوماسية، إلى إعطاء الانطباع ببداية تراجع الدور المغربي في مسلسل التسوية، لا سيما وأن هناك بدائل جاهزة كمصر وبدرجة أقل الجزائر، إلا أن الأحداث التي تلت أكدت استمرار المغرب في نفس المسار.
الحيثيات المتعلقة بهذه الخلاصة متعددة، نجملها في:
- الحضور المكثف للإسرائيليين يوم جنازة الملك الحسن الثاني (200 شخصية رسمية و1800 مرافق)، وحسب السفير الأمريكي بالرباط فإن " اللقاء المفتوح والحار" و"المحادثات التي عقدت بين الوفدين الإسرائيلي وعدد من الوفود الأجنبية " كلها تؤكد أن "المغرب سيواصل لعب دور فعال وإيجابي بالنسبة لمسلسل التسوية".
- تأسيس "الاتحاد العالمي لليهود المغاربة" بهدف خدمة مشاريع التسوية والتطبيع، وقد تأسس في 3 مايو 1999 بمراكش بالمغرب، ويتوفر على 12 مندوبية في 12 بلدًا، وقد عقد وفد هام منه لقاءً على أعلى مستوى مع الملك الجديد، وهذه المؤسسة ليست إلا واحدة من أربع مؤسسات تعمل في مجال التطبيع: جمعية " هوية وحوار " (1974) و" التجمع العالمي لليهودية المغربية " (1985) و" المركز العالمي للأبحاث حول اليهود المغاربة " (1995).
- زيارة وفد هام من اللجنة اليهودية الأمريكية للمغرب، والتقاؤه بالملك الجديد وإعلانه عن دعم الوحدة الترابية للمملكة.
- الديناميكية اللافتة لليهود المغاربة تجاه الملك الجديد، وإعلان تجنيدهم للمساعدة في حل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
لقد عرف المغرب في العهد الجديد تعاظم مكانة النفوذ اليهودي، وقوة إمكاناته في إدماج المغرب في مختلف أجنده التطبيع، لا سيما وأن المغرب محتاج لدعم ديبلوماسي يجلبه اليهود لصالح تدعيم موقف المغرب في قضية الصحراء المغربية، كما يتوجس من هاجس تحريك ملف أملاك اليهود المغاربة الذين هاجروا إلى الكيان الصهيوني.
من هنا نفهم النفي الشديد للمغرب لمضمون قصاصة صحفية عبرية ادَّعت أن المغرب تحفَّظ على زيارة باراك إليه، كما نفهم الحرية المفرطة التي يتحرك بها مكتب الاتصال الإسرائيلي بالرباط وسط النخبة الاقتصادية والسياسية والإعلامية وحتى الإدارية بالبلاد، وقبول المغرب عقد اتصالات مع المسئولين الإسرائيليين، فضلاً عن توفيره لنوع من التغطية للموقف الموريتاني الأخير بعد استقبال العاهل المغربي للوزير الأول الموريتاني في بداية هذا الشهر، وحرص هذا الأخير على التأكيد على الموقف الموريتاني من عملية التسوية والتطبيع مباشرة بعد وصوله للرباط، رغم أن وزير الخارجية المغربي اعتبر أن هناك تسرُّعًا في القرار الموريتاني.
|