|
| بطاقات التصويت الجديدة ضمنت أكبر قدر من النزاهة |
بالرغم من تشكيك بعض الأطراف الداخلية في نزاهتها، فإن جل المراقبين الخارجيين والداخليين للانتخابات التشريعية المغربية الأخيرة التي جرت الجمعة 27 سبتمبر 2003 أكدوا أنها الانتخابات الأكثر شفافية ونزاهة، التي جرت في بلد عربي منذ نصف قرن، وليس في المغرب فحسب.
يزكي هذا الاعتقاد وجود دوافع موضوعية غير خافية وراء تشكيك 3 أطراف دون غيرها -من الأطراف التي يفوق عددها الخمسين- في نزاهة الانتخابات؛ فجماعة العدل والإحسان ترى أن معضلة الحياة السياسية في المغرب تكمن في طبيعة النظام نفسها، وليس في تفاصيلها ومن ضمنها الانتخابات، ولهذا فإن تشكيك الجماعة لا يذهب إلى الانتخابات في حد ذاتها، بل إلى نظام الحكم وشكل الدولة، وهو أمر يجعل الرؤية السياسية أكثر تعقيدا، كما أنه لم يصدر عن الجماعة بيان رسمي يدعو إلى مقاطعة الانتخابات أو الطعن في نتائجها.
أما حزب الطليعة الاشتراكي الذي انشق عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيمثل الوجهة المقابلة لتشدد العدل والإحسان في سياق اليسار الراديكالي، فهو يشكك في عملية التحول الديمقراطي برمتها التي جلبت الزعيم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي للحكم سنة 1998، ويعتقد في وجود خيانة قامت بها بعض الأطراف اليسارية لصالح السلطة أو ما يسمى في المغرب بـ"المخزن"، وبالتالي فإن كل انتخابات تجرى، وليس الانتخابات الأخيرة فقط.. انتخابات مزورة بالضرورة، تندرج في إطار مصالح المخزن.
يظل الطرف الوحيد الذي يتوجه بالطعن في نزاهة الانتخابات الأخيرة بالتحديد هو حزب المؤتمر الوطني الاتحادي المنشق سنة 2001 عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والذي لم يحُز إلا على مقعد واحد، ويأتي تشكيكه برأي المحللين طبيعيًّا، بالنظر إلى كم المزاعم التي أقام عليها خطابه السياسي خلال الأشهر الأخيرة، والتي تصب في مجملها في كونه الوريث الشرعي والوحيد لشعبية وتراث الاتحاد الاشتراكي، في مقابل الجناح الذي استولى على السلطة وتحالف مع المخزن.
وإذا كان الرد على تشكيك المؤتمر الوطني الاتحادي قد أتى مرتبطًا بما أحرزه من نتائج ضئيلة، تسببت في خسارته معركة الشرعية ضد الاتحاد الاشتراكي، فضلا عن خسارته الانتخابات، فإن الرد على جماعة العدل والإحسان وحزب الطليعة أتى ردًّا أيديولوجيا محضًا؛ فسياسة المقاطعة والتنديد من الخارج، ورفض المؤسسات برمتها والدعوة لعمليات التغيير الشمولي، لم تعد جذابة للرأي العام كما كان عليه الحال في العقود الماضية، كما أن جل الأطراف الفكرية والسياسية المغربية أصبحت مقتنعة اليوم أكثر من أي وقت مضى، بأن النهج الإصلاحي في التغيير وسياسة "خذ وطالب" أكثر فاعلية وعقلانية من أساليب النهج الثوري وسياسة المعارضة الشمولية.
الملك ضمانة الديمقراطية
ويرى الإصلاحيون في المغرب سواء كانوا يسارا أو يمينا أو إسلاميين أن الملك يشكل الضمانة الأساسية للتحول الديمقراطي؛ فهو من جهة الراعي لعميلة التعايش حديث النشأة بين مختلف التيارات والأحزاب السياسية التي لم تعتد بعدُ جيدا على أساليب التوافق الضرورية لتأمين استمرارية الأنظمة الديمقراطية، وهو من جهة ثانية الضامن لعملية الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تتطلب إجبار الطبقات الغنية واسعة النفوذ على تقديم تنازلات لصالح الطبقات المتوسطة والفقيرة، كما تتطلب طمأنتها على مصالحها بحيث لا تخطط للانقلاب على عملية التحول الديمقراطي.
ويعتقد الإصلاحيون المغاربة أن الأدلة على نزاهة الانتخابات التشريعية الأخيرة لا تستمد –فحسب- من التحليل الإيديولوجي المرتبط بمكانة الملك محمد السادس في عملية التحول الديمقراطي الجارية، والضمانات الكثيرة التي قدمها لكي تكون الاستحقاقات الانتخابية شفافة.. بل تستمد أيضا من قراءة نتائجها، والخارطة السياسية الجديدة التي أفرزتها، والتي لا يمكن أن تكون نتاج تخطيط مسبق من قبل ما يسمى بالمخزن.
لقد فاز الإسلاميون المعتدلون الذين كان فوزهم ممانَعًا فيه من قبل أطراف داخلية وخارجية كثيرة، وانهزم اليسار باستثناء الاتحاد الاشتراكي الذي عُزل في المقدمة بما يحرمه من أي تحالفات من جنسه، وانكشفت عورة ما كان يعرف بالأحزاب الإدارية، فتقلصت إلى حجم متواضع يكاد يجعلها عديمة التأثير، وكل ذلك أمارات يعتبر الإصلاحيون أنها لا تصب في مصلحة المخزن بمعناه التقليدي.
إن فوز حزب العدالة والتنمية بـ42 مقعدا في مجلس النواب المغربي الجديد قد شكل للعديد من المحللين "مفاجأة منتظرة"، فهو مفاجأة؛ لأن كثيرا من المتابعين كان يظن لآخر لحظة أن السلطة قد تتدخل لتحجيم موقع الإسلاميين؛ لاعتبارات إقليمية ودولية؛ فالأجواء الإقليمية دأبت على تخويف الملك محمد السادس والرأي العام المغربي من تكرار تجربة الجزائر الدموية، أما الأجواء الدولية فتصور الأمر على أنه سباحة مغربية ضد التيار الأمريكي الجارف، خصوصا في ظل تواصل تأثيرات حرب واشنطن ضد القاعدة، وكشف السلطات الأمنية المغربية نفسها في الصيف الماضي عن وجود خلايا نائمة للقاعدة في البلاد.
رشد الخطاب والممارسة
فيما يتعلق بأن فوز الحزب الإسلامي المعتدل كان متوقعا أيضا؛ فمرد الأمر إلى مؤشرات كثيرة ظهرت في الساحة السياسية المغربية خلال السنوات القليلة الماضية، لعل أهمها فوز الإسلاميين بكافة الانتخابات البرلمانية الجزئية التي جرت لسد شغور حاصل في مجلس النواب، وتمكُّن النواب الإسلاميين التسعة الذين دخلوا البرلمان إثر انتخابات 1997 من تشكيل فريق نيابي بعد استقطاب خمسة نواب آخرين.
ولعل الأهم من كل ذلك بروز الحزب الإسلامي على الرغم من قلة نوابه مقارنة بغيره كحزب أول للمعارضة، يمتلك نوابًا على كفاءة سياسية عالية وخطاب بسيط ومباشر، تظهره في عيون الرأي العام صادقًا ومخلصًا في دفاعه عن القضايا التي تشغل الطبقات الاجتماعية الأوسع، وتثبت دوره الرئيسي في تجديد ثقة المواطنين في المؤسسات السياسية التي أفقدها السياسيون التقليديون ببرودهم أي متعة أو قدرة على الجذب.
ولا شك أن ما ساعد السلطة على عدم التفكير في التدخل في الانتخابات لمنع الإسلاميين من الفوز؛ بحجة الحفاظ على المصالح العليا للبلاد كما جرى في دول عربية وإسلامية أخرى.. الذكاء الكبير الذي أظهرته القيادة السياسية للحزب الإسلامي في التعاطي مع الملف الانتخابي خاصة، والملف السياسي بشكل عام؛ فقد حرصت هذه القيادة من جانب على تجنب أي استعراض للقوة أو استفزاز لباقي الأطراف السياسية، كما حرصت أيضا على تفويت أي فرصة على خصوم التيار الإسلامي لإيجاد ذريعة لإمضاء الخطاب الاستئصالي في واقع قد يكون ملائمًا لذلك.
ويفسر العارفون بشأن التيار الإسلامي في المغرب أصول توجه قيادة حزب العدالة والتنمية بقراءة هذه الأخيرة لتجارب حركات التيار الإسلامي المعتدل، خصوصا تجربتي جبهة الإنقاذ في الجزائر وحركة النهضة في تونس؛ فقد سقطت الأولى في خطأ استعراض القوة والتعالي على بقية القوى السياسي، فيما وفرت الثانية فرصًا ثمينة لأصحاب التيار الاستئصالي المعادي للهوية العربية والإسلامية؛ لتنفيذ مخططاته ضدها واستعداء السلطة الشديد لها.
ويضرب المحللون مثلين رئيسين للتدليل على رشد الخطاب والممارسة لدى الإسلاميين المغاربة من قادة وأعضاء حزب العدالة والتنمية: يتمثل الأول في امتناع قيادة الحزب عن الترشيح في كافة الدوائر الـ91، والاكتفاء بـ56 دائرة قُدر أن الفوز فيها مضمون، وهو ما حال دون اكتساح الحزب الإسلامي، ومنَع أعداءه من التحريض عليه. ويتمثل الثاني في تصريح نائب الأمين العام الدكتور سعد الدين العثماني حول تفسير الفوز عقب الانتخابات، والذي شدد على أن ما حصل لم يكن نتيجة تصويت الناخبين لصالح العدالة والتنمية من أجل الدين، بل من أجل الدفاع عن قضايا البطالة والعدالة الاجتماعية والصحة والتعليم… وغيرها من القضايا الاجتماعية والاقتصادية.
الإسلاميون غير متلهفين على السلطة
ويضيف محللون آخرون مثالا ثالثا للمثالين السابقين، مفاده عدم ظهور إسلاميي العدالة والتنمية بمظهر المتلهف على الوصول إلى السلطة بأي شكل؛ باعتبارهم أحد الفائزين في الانتخابات؛ فقد أعلن الدكتور العثماني بشكل مبدئي أن حزبه لن يشارك في حكومة يقودها الاتحاد الاشتراكي؛ وذلك لاختلاف برامج الحزبين، فيما ربط بين مشاركة العدالة والتنمية في الحكومة وتكليف الملك حزب الاستقلال بتأليفها، وكما هو معروف فإن الحزب الإسلامي يشترك مع حزب علال الفاسي في اعتبار المرجعية الإسلامية أساسًا للحكم.
وقد أثبت حزب العدالة والتنمية بسيرته الآنفة – كما شهد بذلك عدد من المحللين- إخلاصه الشديد لعملية التحول الديمقراطي الجارية، وفهمه الكبير لمتطلبات البلاد، وفقا لطبيعة المرحلة التي تمر بها؛ حيث أبان عن حرصه على تطبيق مبادئ التدرج في التغيير، والتأني في الإصلاح، والوسطية في تقييم الآخرين وبناء العلاقات معهم، والواقعية في التعاطي مع أطراف الحكم والمعارضة على السواء، وكلها مبادئ تميز خطاب التيار الإسلامي المعتدل، دون أن تتمكن كافة أحزاب هذا التيار من تطبيقها، كما تمكن حزب العدالة والتنمية في المغرب.
غير أن تحليل فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي في المغرب لا يكتمل -بحسب المتابعين لمسيرة تيار الإصلاح والتجديد المغربي- إلا من خلال التأمل في مجموعة الثوابت التي انتهجت منذ النشأة الأولى؛ حيث اتخذت شكل جمعية ثقافية واجتماعية ذات توجه إسلامي إصلاحي، وأنتجت خصائص مميزة من طينة راقية، استحقت تنويه وإعجاب العديد من الملاحظين.
ولعل أهم هذه الثوابت والخصائص الحرص على تهميش الزعامات في مقابل منح الأولوية للمشاريع والمخططات؛ فحزب العدالة والتوحيد –تماما كجماعة الإصلاح والتوحيد- لم يكن يومًا هيئة لزعيم أوحد ترجع إليه الأمور كلها، وتهيمن شخصيته الكارزمية على كافة القرارات والتوجهات، وتختزل مصلحة المجتمع والحزب والقيادة في مصلحته الشخصية.
إن المتأمل في سيرة أهل العدالة والتنمية يلاحظ أن هناك التزامًا شديدًا بينهم في التداول على السلطة داخل الجماعة والحزب، وخضوع لدى الجميع لمقررات الشورى الجماعية؛ فمحمد اليتيم وعبد الإله بنكيران والمقرئ الإدريسي أبو زيد وعبد الله بها وسعد الدين العثماني ومصطفى الرميد وغيرهم من القادة المحليين كلهم تولوا مسؤوليات قيادية، وتراجعوا إلى مواقع خلفية دون أن يكون ذلك مصدرًا لأزمة أو أساسًا لمشكلة، وهو ما لم يحدث في أي حزب أو تيار آخر يساري أو يميني أو إسلامي.
الإسلاميون أكثر ديمقراطية
حرص أهل التيار الإسلامي المعتدل في ممارستهم السياسية سواء على مستوى الجماعة أو الحزب على أخذ المسألة الاعتبارية التقديرية في الحسبان؛ فالشيخ عبد الكريم الخطيب الذي أسس منذ الستينيات حزب الحركة الشعبية الدستورية الذي تحول لاحقًا إلى حزب العدالة والتنمية يستحق –برأي القادة الجدد- التكريم من خلال ما أسند إليه من رئاسة –تكاد تكون فخرية برضاه-، كما يستحق العلامة الشاب الدكتور أحمد الريسوني منظر "فقه المقاصد" المعاصر مكانة مماثلة على رأس جماعة الإصلاح والتوحيد، بما انتزعه من مكانة سامية لدى الملك وأطراف الحياة العامة على اختلاف مشاربها.
وكما هو معروف فإن الحزب الوحيد الذي سلم من الاحتجاجات الداخلية والانسحابات جراء تكوين لوائح المرشحين هو حزب العدالة والتنمية؛ حيث شهد الكثير من المراقبين بأن عملية تأليف اللوائح داخل هذا الحزب قد جرت بشكل شفاف ونزيه، ابتعد ما أمكن عن استقطاب نافذين من أحزاب أخرى، أو منح الأولوية لبعض الأعضاء القياديين لشغل مواقع على رأس اللوائح، على حساب أعضاء آخرين أكثر كفاءة.
وعلى الرغم من إدراك قيادة العدالة والتنمية لخلفية القانون الانتخابي الجديد التي اكتنهت في جوانب منها مخطط تحجيم التيار الإسلامي؛ فإنها لم تبادر إلى الاحتجاج عليه أو الانخراط في النقاش حول جوانب مثيرة للجدل فيه، كتقنية "الورقة الفريدة" المعتمدة لأول مرة، أو التقسيم الانتخابي الجديد المعتمد بدوره للمرة الأولى، بل اتجهت خلافا لذلك إلى شرح التقنيات الانتخابية لقواعدها، من خلال حملات انتخابية اعتمدت بشكل كبير على حسن تنظيم الأعضاء والأنصار، وحسن إدارة الموارد البشرية والمالية المتوفرة للحملة.
لقد أتى الفوز الذي حققه الإسلاميون المعتدلون في الانتخابات المغربية إذن فوزا طبيعيا بالنظر إلى كونه محصلة لجهود وتوجهات سليمة على مدار سنوات من الممارسة السياسية الواقعية والوسطية، غير أن هذا الفوز برأي المحللين يطرح على أصحابه تحديات لا تقل خطورة عن تلك التي جرى مواجهتها قبل تحصيله؛ فالدور الذي سيضطلع به الحزب في السلطة الجديدة، سواء كان في موقع الحاكم أو موقع المعارض، سيكون اختبارا لقدرة التيار الإسلامي على الاستغلال الجيد لقدرات أكثر من 40 نائبا برلمانيا، والأكثر من ذلك قدرته على الحفاظ على ذات الكفاءة والتواصل مع المجتمع، في ظل مقاربات سياسية وأيديولوجية ودولية أكثر اضطرابا وتعقيدا. إن الفوز أخطر على صاحبه أحيانا من الخسارة.
تابع في نفس الموضوع:
** كاتب وصحفي تونسي متخصص في الشؤون المغاربية
|